|
القاهرة 16 سبتمبر 2026 الساعة 09:02 م

بقلم: محمد حسن الصيفي
كنت أعمل على مسودة كتابي الثاني عام 2020، وطوال فترة العمل كنت أتعامل معه على أن عنوانه هو زمن الصخب ثم غيرت الاسم بعد ذلك ليصبح "وش غضب"..
كنت ولا زلت مقتنعا بالعنوان الأول حتى لو غيرته لشعوري أنه غير معبر بدقة عن كتاب يتحدث عن المهرجانات والراب وعدة موضوعات خاصة بالأغاني والموسيقى.
حين أدقق وأمعن النظر في كل شيء يدور حولي خصوصا في الفنون والآداب، أراه متعلقا بالصخب، فوقه وتحته وحوله صخب، جدل وصداع، لم يعد زمن الفنون الناعمة، وهو أمر طبيعي لفنون تعمل كمرآة وتعكس ما يدور على السطح ويشغل الرأي العام، ويضمن الجماهيرية السريعة واقتحام التريند الذي جنن الكثير من أهل الفن:
قتل، حرق، اغتصاب، سرقة آثار أو ملايين ... إلى آخره، وأهم يومين وعدوا .. يومين وفاتوا على رأي بهاء سلطان
لذلك تجدني دائما أهرب إلى الماضي، التسعينات، وما قبلها وما قبلها..
يسعدني فيلم السهرة حين يكون هناك في تلك المنطقة، وتلك الفترة، يخاطب الإنسان بتلك الملابس البسيطة والأنيقة عبر الهاتف ذي الأسلاك، يخاطبك بكلمات بسيطة، لكنها ذات أثر، وبهدوء، هدوء شديد جدا، يخاطبك فتسمع أصوات المطر وأوراق الشجر ودقات الساعة وخطى الأقدام
في عقلي ثورة، وفي داخلي بركان، ولا يمكن إخماد تلك الثورة وإطفاء ذلك البركان إلا بالهدوء والجمال والصبر، وبإيقاع لا يشبه تلك الأيام، بل يشبه أياما بعيدة، أحسها قمة في الجمال حتى لو لم تكن كذلك.
في سهرة الأمس شاهدت فيلما أرجنتينيا من إنتاج عام 2002، الفيلم بسيط جدا، ثلاث قصص تتداخل بوضوح ودون تعقيد، رجل يريد توصيل تورتة عيد الميلاد لابنه حزينا على ابتعاده عنه وعن زوجته التي طلقها بسبب الغيرة، ورجل عجوز يسافر للبحث عن كلبه الذي رآه أحدهم في بلدة بعيدة وأخبره بذلك، وامرأة بسيطة تفوز بالظهور في برنامج تلفزيوني وتكسب خلاطا كهربائيا..
من هنا ينطلق الفيلم وعلى مدار 90 دقيقة تعيش مع متعة الفن الجميل، لا صخب، لا قتل، لا مخططات لسرقة ملايين أو مليارات، بل تعيش عن قرب من الإنسان وحكاياته البسيطة، وربما الساذجة، لكنّك تعيش مع الإنسان، بلا بهارات ولا مكسبات طعم، ولا شطشطة، بل تعيش مع نفسك ولنفسك في مرآة زمن آخر وفن آخر أصبح بعيدا جدا عن أيدينا الآن.
|