|
القاهرة 15 سبتمبر 2026 الساعة 09:56 ص

بقلم: حسن غريب
ليست الكتابة عن خيري شلبي بعد رحيله مجرد استعادة لسيرة روائي كبير، ولا مناسبة لتعداد أعماله وجوائزه ومواقفه، بقدر ما هي محاولة لإعادة النظر في مشروع أدبي شديد الخصوصية، استطاع أن ينقل مناطق كاملة من الحياة المصرية من الهامش إلى قلب المتن الروائي.
فخيري شلبي لم يكن، في جوهر تجربته، مجرد روائي مولع بالحكاية، رغم أنه كان واحدًا من أكثر الحكائين قدرة على الإمساك بالقارئ.
ولم يكن مجرد كاتب للريف أو للفقراء أو للمهمشين، لأن هذه التصنيفات، على الرغم من صحتها الجزئية، لا تكشف وحدها جوهر مشروعه.
الأدق أن نقول إن شلبي كان روائيًا منشغلًا بإعادة اكتشاف الإنسان حين تسقط عنه الأقنعة الاجتماعية.
وهذا هو المدخل الأهم إلى عالمه.
1ـ من هامش المجتمع إلى مركز الرواية
في الرواية المصرية والعربية، ظل المركز لفترات طويلة مشغولًا بالشخصية التي تمتلك القدرة على تمثيل المجتمع: المثقف، الموظف، السياسي، البرجوازي، أو الإنسان الذي يعيش داخل المؤسسات الحديثة.
أما خيري شلبي فاختار، في جزء كبير من مشروعه، أن ينظر في الاتجاه المعاكس.
ذهب إلى الذين لا يملكون تمثيلًا اجتماعيًا واضحًا، ولا يمتلكون لغة المؤسسات، ولا يدخلون عادةً في صياغة الرواية الرسمية للمجتمع.
العامل، الفلاح، المحتال الصغير، المشرد، العابر، المرأة الريفية، صاحب الحرفة، ساكن الوكالة، ابن القرية، الهامشي، الخارج من النظام أو العاجز عن الاندماج فيه؛ كل هؤلاء يصبحون في رواياته أصحاب حق في الكلام.
لكن الأهم أن شلبي لا يقدمهم بوصفهم ضحايا.
وهنا تتأسس فرادته.
فالرواية التي تضع المهمش في مركزها قد تقع بسهولة في فخ الرومانسية الاجتماعية، فتجعله طيبًا بصورة مطلقة، أو مظلومًا بصورة مطلقة، أو ضحية بريئة لنظام قاسٍ.
أما شلبي فيرفض هذه الثنائية.
شخصياته مخادعة أحيانًا، شرسة أحيانًا، ضعيفة، شهوانية، حكيمة، ساذجة، انتهازية، ساخرة، نبيلة، أو خليطًا من كل ذلك.
إنها شخصيات تعيش قبل أن تكون شخصيات تؤدي وظيفة أيديولوجية.
ومن هنا تصبح قيمة مشروعه أبعد من مجرد الانحياز إلى الطبقات الدنيا؛ فهو يعيد الاعتبار إلى الإنسان في تعقيده، لا إلى الإنسان بوصفه شعارًا اجتماعيًا.
2 ـ المكان عند خيري شلبي: من الخلفية إلى الكائن
واحدة من أكثر القضايا إثارة في عالم شلبي هي علاقته بالمكان.
فالقرية عنده ليست مجرد فضاء تجري فيه الأحداث، والوكالة ليست مجرد مبنى، والحارة ليست مجرد خلفية اجتماعية.
المكان في رواياته ينتج الشخصيات بقدر ما تتحرك الشخصيات داخله.
وهذا فارق جوهري..
في الكتابة الواقعية التقليدية يمكن أن نزيل المكان من المشهد ونحتفظ بالحدث الأساسي. أما عند شلبي فإن حذف المكان يعني حذف جزء من المعنى نفسه.
المكان يحمل الذاكرة، والسلطة، والطبقة، والخوف، والأسطورة، والعلاقات القديمة.
إنه ليس جغرافيا محايدة.
ولذلك فإن قراءة «وكالة عطية»، مثلًا، بوصفها حكاية مجموعة من المهمشين الذين يعيشون في مكان واحد، قراءة ناقصة؛ فالوكالة ذاتها تتحول إلى بنية اجتماعية مصغرة، وإلى مختبر تتكشف داخله أشكال متعددة من السلطة والتهميش والتضامن والصراع.
المكان هنا لا يحتضن الشخصيات فقط، وإنما يفضحها.
3ـ الذاكرة بوصفها تقنية سردية
من السمات العميقة في كتابة شلبي أن الماضي لا يظهر فيها بوصفه ماضيًا مكتملًا.
الماضي عنده حاضر دائمًا، لكنه لا يعود بالطريقة التاريخية المباشرة.
إنه يعود عبر الحكاية..وهذه نقطة تستحق التوقف.
فالحكاية الشعبية ليست مجرد مادة يستعيرها الروائي من التراث؛ إنها طريقة مجتمع كامل في تذكر نفسه.
حين يحكي الناس عن الماضي، فإنهم لا يستعيدونه كما وقع، وإنما يعيدون تشكيله وفق مخاوفهم ورغباتهم ومعتقداتهم.
ومن هنا فإن الراوي الشعبي عند خيري شلبي لا ينقل الحقيقة فقط، وإنما ينتجها.
وهذا يجعل مسألة من يروي؟ أكثر أهمية من سؤال: ماذا حدث؟
إن تعدد الرواة والأصوات والحكايات داخل عالم شلبي يخلق نوعًا من الحقيقة الروائية التي لا تأتي من مصدر واحد.
الحقيقة موزعة بين الناس.. كل شخصية تمتلك جزءًا منها.. وكل حكاية تصحح حكاية أخرى.
وهكذا تتحول الرواية إلى مساحة لصراع الذاكرات، لا مجرد تسجيل للأحداث.
4ـ اللغة ليست وعاءً للحكاية
من أكثر العناصر التي تستحق الدراسة النقدية في تجربة خيري شلبي لغته.
فالعامية والفصحى في عالمه ليستا مجرد اختيارين أسلوبيين.
اللغة عنده مرتبطة بالطبقة والمكان والوعي والخبرة.
الشخصية تتكلم بالطريقة التي تكشف موقعها في العالم.
ولهذا فإن استخدام اللغة الشعبية لديه ليس مجرد رغبة في إضفاء الواقعية على النص، وإنما هو محاولة لمنح الشخصية حقها في امتلاك صوتها الخاص.
لكن المفارقة أن شلبي، رغم قربه الشديد من اللغة اليومية، لا يكتفي بنقل الكلام كما يُقال.
إنه يعيد تشكيله أدبيًا.
يأخذ من الكلام الشعبي إيقاعه، ومجازاته، وتكراراته، ومبالغاته، وطرائفه، ثم يضعها داخل بنية سردية أكثر اتساعًا.
وهنا يصبح السؤال النقدي أكثر تعقيدًا:
هل ينقل شلبي لغة الناس أم يصنع أدبية جديدة من لغة الناس؟
والإجابة، في تقديري، أنه يفعل الاثنين معًا.
فهو لا يوثق العامية، وإنما يخلق منها طاقة سردية.
وهذا أحد أسباب بقاء لغته حية حتى عندما تتغير التفاصيل الاجتماعية التي تصفها.
5-الحكاية في مواجهة الرواية:
قد يبدو خيري شلبي، للوهلة الأولى، روائيًا تقليديًا لأنه يحب الحكاية.
لكن الحكاية عنده ليست نقيض الحداثة الروائية..على العكس.. إنها إحدى الطرق التي يعيد بها مساءلة الرواية الحديثة نفسها.
الرواية الأوروبية الحديثة بنت جانبًا كبيرًا من تقنياتها على تفكيك الحكاية، وعلى مركزية الوعي الداخلي، وعلى كسر التسلسل الزمني.
أما شلبي فيذهب في الاتجاه الآخر: يستعيد الحكاية، لكنه يجعلها أكثر تعقيدًا.
الحكاية تتشعب، والراوي يتدخل.
والشخصية تحكي عن شخصية أخرى.
والأسطورة تدخل في الواقع.
والواقع نفسه يصبح أحيانًا أكثر غرابة من الأسطورة.
وهنا تتشكل خصوصية عالمه: "هو روائي حديث يستخدم أدوات الحكّاء القديم."
وهذه المعادلة ربما تكون واحدة من أكثر المفاتيح قدرة على تفسير جاذبية أعماله.
6ـ بين الواقعية والأسطورة
ليس من السهل وضع خيري شلبي داخل خانة «الواقعية» وحدها فواقعيته ليست واقعية فوتوغرافية.
إنها واقعية تسمح للأسطورة والخرافة والخيال الشعبي بأن تكون جزءًا من الحقيقة الاجتماعية.
وهذا مهم جدًا.
لأن الإنسان الشعبي لا يعيش في الواقع المادي وحده.
إنه يعيش كذلك داخل شبكة من المعتقدات والحكايات والرموز والغيبيات.
وإذا حذف الكاتب هذه العناصر بحجة العقلانية، فإنه لا يصبح أكثر واقعية، وإنما يصبح أقل صدقًا.
من هنا يمكن فهم حضور الفانتازيا والأسطورة في عالم شلبي.
إنها ليست هروبًا من الواقع، بل طريقة لفهم الواقع كما يعيشه الناس.
فالأسطورة قد تكون أحيانًا أصدق من الوثيقة في التعبير عن الخوف الجماعي.
والخرافة قد تكشف عن بنية اجتماعية لا تستطيع اللغة العقلانية وحدها أن تشرحها.
7ـ المرأة في عالم خيري شلبي
تستحق المرأة في روايات شلبي قراءة مستقلة.
فهي ليست مجرد عنصر عاطفي أو شخصية مساعدة في البناء الروائي.
في أعمال مثل «الوتد» خصوصًا، تظهر المرأة باعتبارها مركزًا للسلطة داخل البنية العائلية والاجتماعية.
لكن سلطة المرأة عند شلبي ليست بالضرورة سلطة معلنة.
إنها سلطة تُمارس من داخل البيت، ومن خلال المعرفة بالعائلة، والقدرة على إدارة العلاقات، وفهم المجتمع المحلي.
ومن هنا تصبح شخصية «فاطمة تعلبة» نموذجًا دالًا على رؤية شلبي للسلطة نفسها.
فالسلطة ليست دائمًا في يد صاحب المنصب أو المال.
قد تكون في يد امرأة تجلس في بيتها، لكنها تعرف الجميع، وتعرف ما يريدون، وتعرف كيف تحركهم.
وهذه الرؤية توسع مفهوم السلطة داخل الرواية المصرية، وتنقله من المؤسسات الرسمية إلى العلاقات اليومية.
8 ـ الشخصية: من النموذج إلى الكائن
ربما يكون أعظم إنجاز لخيري شلبي أنه لم يتعامل مع الشخصية باعتبارها «نوعًا» اجتماعيًا.
لم يكن الفلاح عنده مجرد فلاح.
ولا الفقير مجرد فقير.
ولا المحتال مجرد محتال.
كل شخصية تحمل تناقضاتها الخاصة.
وهنا يقترب شلبي من جوهر الرواية: الإنسان لا يمكن اختزاله في تعريف واحد.
الشخصية الجيدة ليست التي يمكن للقارئ أن يحكم عليها بسهولة، وإنما التي تجبره على إعادة النظر في حكمه.
وشخصيات شلبي تفعل ذلك باستمرار.
قد تبدأ الرواية وأنت تنظر إلى شخصية باعتبارها مخادعة، ثم تكتشف خلف الخداع خوفًا.
وقد تراها ضعيفة، فتكتشف داخل ضعفها نوعًا من المقاومة.
وقد تبدو شريرة، ثم يكشف السرد أنها نتاج تاريخ كامل من القهر.
وهكذا لا يقدم شلبي إجابات أخلاقية جاهزة.
إنه يترك الشخصيات في منطقة رمادية، وهي المنطقة التي يبدأ فيها الأدب الحقيقي.
9ـ خيري شلبي وجيل الستينيات
لا يمكن فهم شلبي بعيدًا عن جيل الستينيات في مصر، لكنه في الوقت نفسه لم يكن نسخة من هذا الجيل.
لقد شارك أبناء جيله الانشغال بتحولات المجتمع المصري، وسؤال السلطة، والتحول الاجتماعي، والبحث عن شكل روائي جديد.
لكنه امتلك طريقه الخاصة.
فبينما اتجه بعض أبناء الجيل إلى المدينة والطبقة الوسطى والتحولات السياسية المباشرة، ظل شلبي أكثر التصاقًا بعوالم الريف والطبقات الشعبية والذاكرة الشفاهية.
لكن هذا لا يعني أنه كان خارج التاريخ.
العكس هو الصحيح.
لقد كان يكتب التاريخ من أسفل.
والفرق كبير.
فالتاريخ الرسمي يهتم عادةً بمن حكم، ومن انتصر، ومن وقع الاتفاقيات.
أما شلبي فيهتم بمن عاشوا تحت كل ذلك.
بمن انتظروا.
بمن خسروا.
بمن لم يدخلوا أصلًا في كتب التاريخ.
وهكذا يصبح الأدب عنده شكلًا من أشكال التاريخ الموازي.
10 ـ لماذا يبقى خيري شلبي؟
ربما لأن العالم الذي كتبه لم يعد موجودًا بالطريقة نفسها.
وهذه ليست مفارقة، بل أحد أسباب خلوده.
فالكاتب العظيم لا يخلد لأنه يصف عالمه وصفًا دقيقًا فحسب، وإنما لأنه يكتشف داخله ما يتجاوز زمنه.
القرية المصرية تغيرت.
المدينة تغيرت.
المهن تغيرت.
العلاقات الاجتماعية تغيرت.
لكن الإنسان الذي يبحث عن مكان، وعن اعتراف، وعن حب، وعن معنى، وعن فرصة للنجاة، لم يتغير كثيرًا.
وهنا تكمن قوة شلبي.
لقد كتب التفاصيل الصغيرة، لكنه وصل من خلالها إلى الأسئلة الكبيرة.
كتب عن المكان، فوصل إلى سؤال الانتماء.
وكتب عن الفقر، فوصل إلى سؤال الكرامة.
وكتب عن الهامش، فوصل إلى سؤال السلطة.
وكتب عن الحكاية، فوصل إلى سؤال الحقيقة.
وكتب عن الذاكرة، فوصل إلى سؤال الهوية.
وهذه هي المسافة بين الكاتب الذي يسجل عصره والكاتب الذي يفهم عصره.
11ـ شلبي والحكاية المصرية
إذا أردنا اختزال مشروع خيري شلبي في جملة واحدة، ربما أمكن القول:
لقد حاول أن يكتب مصر كما تُروى في الذاكرة الشعبية، لا كما تُكتب في السجلات الرسمية.
ولهذا كان الحكّاء جزءًا أساسيًا من تكوينه الروائي.
الحكّاء الذي يجلس بين الناس، يسمع ويضيف ويحذف ويبالغ ويتذكر وينسى.
لكن شلبي، بوصفه روائيًا، يأخذ هذه المادة الخام ويعيد بناءها.
ومن هنا تأتي المسافة بين التراث الشعبي والرواية.
الأول يحفظ الذاكرة.
أما الثانية فتفحصها.
وخيري شلبي كان يفعل الأمرين معًا.
12 ـ ما الذي تركه لنا؟ بعد رحيله، لا يبدو السؤال الحقيقي: كم رواية كتب خيري شلبي؟ ولا: كم جائزة حصل عليها؟ ولا حتى: ما أشهر أعماله؟
السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا تغير في الرواية المصرية بسبب وجوده؟
لقد وسّع مفهوم الشخصية الروائية.
ووسّع مفهوم المكان.
ووسّع مفهوم اللغة.
وفتح الرواية على الذاكرة الشعبية.
وأعاد الاعتبار إلى الحكاية.
وأدخل أصواتًا لم تكن تجد دائمًا موقعًا مريحًا داخل الأدب.
وفوق ذلك كله، جعل القارئ يعيد النظر في فكرة «الهامش» نفسها.
فالهامش، في النهاية، ليس مكانًا ثابتًا.
إنه موقع تحدده القوة.
ومن يملك حق الكلام يصبح في المركز، ومن يُمنع من الكلام يُدفع إلى الهامش.
ولعل هذا هو الدرس الأعمق في تجربة خيري شلبي.
-
خاتمة: حين يصبح الغياب حضورًا
لم يعد خيري شلبي بيننا منذ سنوات، لكن غيابه لم يغلق مشروعه.
على العكس، ربما بدأ مشروعه الحقيقي في الظهور بصورة أوضح بعد أن ابتعد صاحبه عن المشهد.
فالزمن يمنح الأدب مسافة ضرورية؛ مسافة نستطيع من خلالها أن نرى ما كان يصعب رؤيته في لحظة الحضور.
واليوم، بعد سنوات من رحيله، يمكن أن نرى أن خيري شلبي لم يكن مجرد روائي شعبي، ولا مجرد حكّاء كبير، ولا مجرد كاتب للريف.
كان صاحب مشروع في إعادة تعريف من يستحق أن يكون بطلًا.
وهذه ليست مسألة فنية فقط.
إنها مسألة تتعلق بجوهر الأدب نفسه.
فالرواية، في أحد أعمق معانيها، هي منح الصوت لمن لا صوت له، وإقناعنا بأن حياة الإنسان البسيط ليست أقل تعقيدًا من حياة الملوك، وأن الحكاية التي تبدأ في زقاق ضيق قد تنتهي إلى سؤال كوني عن الحرية والمصير والكرامة.
وهذا تحديدًا ما جعل خيري شلبي كبيرًا.
لم يكتب عن الناس من الخارج.
كتب من داخل حكايتهم.
ولهذا، حين نقرأه اليوم، لا نشعر أننا أمام كاتب مضى وانتهى، وإنما أمام عالم لا يزال يطالبنا بأن نصغي.
فما دام هناك إنسان على الهامش يبحث عن صوته، ستظل روايات خيري شلبي قادرة على أن تبدأ من جديد.
|