|
القاهرة 15 سبتمبر 2026 الساعة 09:45 ص

بقلم: د. هويدا صالح
يبدو السعي وراء الكمال في ظاهره دافعاً نبيلاً لإتقان العمل وحماية ما نبنيه من الخطأ. غير أن تحول هذا السعي من طموحٍ مجرّد إلى شرطٍ قاطع للرضا يحيله إلى عبءٍ نفسي ثقيل. عبء يضع الإنسان في صراع داخلي طوال الوقت. يمشي على صراط لا ينتهي من أجل تحقيق أسلوب نموذجي مثالي في إدارة الحياة. هذا التصور الذي يسعى لتحقيق ذلك الكمال يقوم على افتراضٍ واهم بأن الحياة يمكن أن تستقر عند صورة نهائية، متجاهلاً أن الواقع في تبدل دائم، وأن كل إنسان محكوم بقدراته وظروفه.
ومن هنا نتساءل هل نسعى وراء الكمال أم نبحث عن الجمال؟ هل هناك فرق بين المفهومين؟ إن الكمال في فلسفته البسيطة يسعى إلى محول آثار الخلل في الأشياء والأساليب والحياة عامة. أما الجمال فهو يعتني ويحتفي
بالقيمة الكامنة خلف النقص. نفترض أنك تمتلك تمثالا جميلا، لكنه انكسر. فلسفة الكمال تفرض عليك أن تتخلص منه، فلم يعد ذا قيمة لأنه انشرخ من المنتصف مثلا، لكنك حين تعي مفهوم " الجمال" أو الجميل، فسوف تحاول أن ترمم الشرخ في التمثال، ثم تحاول أن تعيد طلاءهُ أم تشكيل الشكل الخارجي له، لتصنع من النقصان شكلا جميلا. وهكذا في تفاصيل حياتنا، فالوجه الإنساني الجميل لا يجب أن يحاول أن يقضي على آثار الزمن عليه، ليس الوجه الجميل وجهاً بلا ملامح زمن، ولا العمل الجميل عملاً لم يعرف المسودات والتعثر، بل هو القدرة على استبصار المعنى في التجربة كما هي.
وقد ناقشت الفلسفات العالمية هذه الفكرة، فكرة الصراع الخفي بين مدعي الكمال والساعين إلى الجمال، ففلسفة "الكينتسوجي" اليابانية تجسد هذا المعنى بوضوح، حيث تُرمم الآنية المكسورة بمادة مذهبة، فلا يعود الشق عيباً يُوارى، بل فصلاً صريحاً من تاريخ القطعة يعزز قيمتها. هذا الفن لا يمجد الألم في ذاته ولا يزعم أن الآنية لم تنكسر، بل يمنحها شكلاً جديداً يحمل ذاكرة الضرر وقوة البقاء معاً.
والإنسان في جوهره شبيه بهذا الخزف. لسنا مطالبين بالعودة بعد كل خيبة إلى نسختنا السابقة، فالخسارة والمرض والتعثر تعيد ترتيب أولوياتنا، والأثر الذي تتركه التجربة يمكن تحويله إلى مدخل لفهمٍ أنضج وأعمق لأنفسنا وللآخرين.
ويلتقي هذا الفهم أو تطور هذا المفهوم إلى مفهوم آخر هو "الوابي سابي"، الذي يرى الجمال في البساطة وقبول الزوال، فقيمة الأشياء لا تنبع من لمعانها المصقول بل من صدقها وحملها لعلامات الزمن. جدارٌ شحب طلاؤه أو إناءٌ يحمل خللاً طفيفاً في استوائه يكتسبان جاذبيتهما من انسجامهما مع واقع التغير.
وتعود جذور" الوابي سابي" إلى بوذية الزن (Zen) التي انتقلت تاريخياً من الصين إلى اليابان وامتزجت بالفلسفة الطاوية. وتتألف الكلمة من مصطلحين يابانيين تطور معناهما عبر القرون:
الوابي كان يشير قديماً إلى وحشة العزلة في الطبيعة، وتطور ليعني البساطة، والتواضع، والانسجام مع الطبيعة، والجمال الكامن في التقشف والزهد.
أما السابي يشير إلى جمال التقدم في العمر، وصدق أثر الزمن وتلاشيه، وتآكل المادة ورونقها العتيق.
وهما يعبران عن أهمية إدراك الجمال في الأشياء الناقصة، الزائلة، غير المكتملة.
وهذه الرؤية تخفف ميلنا إلى جلد الذات، فحياتنا ليست مطالبة بالتطابق مع خطة أولى رسمناها، أو خريطة نموذجية للجمال يجب أن نسير وِفْقَها، فنحن قادرون على تعديل المسار. ولا نعتبر هذا ليس إخفاقاً أخلاقياً، بل استجابة طبيعية لواقع لا يكف عن التحول.
ويأخذنا هذا إلى فلسفة "التاو" الصينية التي ترى في التناغم مع مجرى الأحداث بدلاً من مناطحتها نجاحا، فالنهر لا يحتاج إلى دفعٍ ليصل إلى مصبه، ولا يتحرك في خطٍ مستقيم، بل يلتف حول العوائق بمرونة وقوة هادئة.
إذا فالتناغم مع الواقع لا يعني التواكل، بل فرز ما يمكننا تغييره عما يخرج عن سيطرتنا. حين يتعثر مشروعك، لست بحاجة إلى مضاعفة القسوة على نفسك أو هدم ما بنيت، بل تحتاج إلى وقفة هادئة لتعديل المنهج أو إعادة تقييم الزاوية التي تنظر منها.
وثمة مفهوم غربي يرفد هذه الفلسفات الشرقية القديمة، فالدول الإسكندافية القديمة (السويد كمثال) لديها مفهوم الـ "لاجوم" أي (ليس بالكثير ولا بالقليل، بل بالقدر الكافي)، حيث تضيف بعداً عملياً لهذه الأفكار. وفي ظل اللهاث وراء النجاح السريع الذي يحول بيئة العمل إلى منظومة تقدس الإنهاك وتعدّه دليلاً على الجدية، يذكرنا "اللاجوم" بأن الإفراط يضر بجودة الإنجاز ويحول الشغف إلى خوف دائم. الطريق الطويل يتطلب وتيرة مستدامة يمكن للجسد والعقل حملها، فالاستراحة ليست انقطاعاً عن السعي، بل هي شرط لاستمراره.
وتتقاطع هذه الفلسفات جميعاً عند حقيقة واحدة: التخلي عن وهم السيطرة المطلقة واكتساب مرونة الاستجابة. النقص ليس نقيضاً للجمال، والتغير ليس عدواً للمسير.
وحين يُفهم الكمال كنقطة وصول حتمية، يتحول النجاح إلى مهلة قصيرة بين موجتين من القلق، أما الجمال فيتيح لنا تقدير المحاولة في ذاتها، وتثمين المسودة قبل اكتمالها.
ولا تكمن الغاية في النجاة من كل كسر أو خوض الرحلة بلا أخطاء، بل في التحول مع الحياة دون فقدان البوصلة. والسؤال الأهم لم يكن يوماً "كيف أبلغ الكمال؟"، بل "كيف أعمل بصدق، وأتحرك بمرونة، وأحتفظ بقدرتي على الاستمرار؟".
|