|
القاهرة 15 سبتمبر 2026 الساعة 09:44 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
في روايته المؤثرة «ساق البامبو»، يضعنا الكاتب سعود السنعوسي أمام مرآة اجتماعية وإنسانية جارحة؛ حيث يولد البطل "عيسى" أو "خوزيه" لأب كويتي من عائلة أرستقراطية عريقة، وأم فلبينية كانت تعمل خادمة في منزل تلك العائلة.
يكبر الشاب في الفلبين على حلم العودة إلى "جنة" وطنه الأبوي، لكنه حين يعود محملاً بآمال الانتماء، يصطدم بجدار من الخرسانة الطبقية والمظاهر الزائفة.
ترفضه عائلته، وتتنكر له جدته، ليس لأنه ليس ابنهم، بل لأن ملامحه الآسيوية، ولغته المتعثرة، وخلفية أمه الاجتماعية تهدد "البرستيج" والمظهر العام للعائلة أمام المجتمع.
يجد عيسى نفسه كبامبو مقطوع الجذور، غريباً في البلد الذي يحمل هويته، ومنبوذاً في الفضاء الذي حلم بالدفء فيه.
ومن وجع تلك الغربة الصادمة، نمد أبصارنا نحو حياتنا المعاصرة، لنكتشف أن مأساة "عيسى/خوزيه" هي المأزق الخفي الذي يتسلل إلى مجتمعاتنا الرقمية والواقعية اليوم.
إننا نعيش في "عصر المظاهر الشرسة"؛ حيث أصبح تقييم الإنسان يعتمد بالكامل على قشرته الخارجية: نوع هاتفه، ماركة ملابسه، المربع السكني الذي يقطنه، وحجم التفاعل على صفحاته الافتراضية.
لقد تحولت العلاقات الإنسانية إلى لوحات عرض (فاترينات) زجاجية باردة، يُقاس فيها البشر بـ "البرستيج" والمنفعة الاجتماعية، فإذا لم تكن ملامحك أو ظروفك متطابقة مع المعايير الجاهزة التي يفرضها زيف المجتمع، نُبذت على الهامش، وعُوملت ككائن دخيل يشوه طمأنينة المنظومة الاستهلاكية.
وتوثق الرواية هذا الشرخ الوجودي العميق، ولحظة الوعي بالرفض القاسي القائم على الشكل والمظهر، في هذا الاقتباس اللفظي الدقيق والحرفي من الرواية:
«ولكن، حتى الجذور لا تعني شيئاً أحياناً.. لو كنت مثل شجرة البامبو.. لا انتماء لها.. نقتطع جزءاً من ساقها.. نغرسه، بلا جذور، في أي أرض.. لا يلبث الساق طويلاً حتى تنبت له جذور جديدة.. تنمو من جديد.. في أرض جديدة.. بلا ماضٍ.. بلا ذاكرة.. لا يلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته.. كاوايان في الفلبين.. خيزران في الكويت.. أو بامبو في أماكن أخرى».
هذا النص يجسد بدقة مأزق الإنسان المعاصر الذي يكتشف متأخراً أن الإنسانية الحرة قد هُزمت أمام صنم المظهر، وأن القوانين والأعراف تمنح الأمان للقشور الخرسانية بينما تسحق الأرواح المخلصة.
في نهاية المطاف، تظل «ساق البامبو» صرخة نقدية ملحة تحثنا على تحطيم أسوار العنصرية الطبقية والمظاهر الزائفة التي تعزلنا عن جوهرنا الإنساني.
إن النجاة الحقيقية التي تعلمنا إياها الرواية هي أن نبحث عن هويتنا في صدق مواقفنا ونقاء أرواحنا، لا في اعتراف المجتمعات المريضة بالبرستيج.
يعلمنا السنعوسي أن "الوطن" الحقيقي ليس رقعة جغرافية تُقاس بالثراء والمظاهر، بل هو الفضاء النفسي الذي يقبلك كما أنت، ويمد لك يداً دافئة تمسح عنك وحشة الاغتراب.
لذلك، تصبح هذه القراءة دعوة لنزع الأقنعة الطبقية، وأن نتوقف عن قياس البشر بملامحهم أو وظائفهم، ونعيد للقلب والروح سيادتهما في عالم يموج بالزيف والسطحية.
|