|
القاهرة 15 سبتمبر 2026 الساعة 09:38 ص

بقلم: أمل زيادة
كلما واجهت قضية اجتماعية يقفز لذهني فورا نص "بيت دمية" للكاتب الشهير إبسن، والآن بعد قرابة قرن ونصف من مسرحية إبسن بقي السؤال هل استقلت المرأة حقًّا أم لا زالت تحت الوصاية؟
تنتهي مسرحية بيت الدمية ليس فقط بسماع صوت صفق الباب ولكننا نسمع كذلك صدى السؤال، سؤال وجهته امرأة اكتشفت خديعة مؤسسة الزواج طيلة سبع سنوات. عاشت نورا كما يريد الآخرون لا كما تريد هي.
عندما قررت نورا المغادرة في عام 1879ـ لم يقدم النص تفسيرا لما حدث بعد ذلك، مما أثار حفيظة النقاد، الذين رأوا أن ألقى ابسن سؤالا دون أن يكون له إجابة، ترك البحث عن الإجابة رهنًا لتصور الجمهور
الذي وجد نفسه داخل دوامة من الأسئلة، بدأها بسؤال هل عثرت نورا على ذاتها بالمغادرة وغلق الباب؟
هل الرحيل هو الحل الوحيد أمام كل امرأة تشبه نورا، في حين اهتم الجمهور بسؤال أكثر عمقًا، لأنه يلمس كل بيت وكل أسرة، متى تصبح العلاقة الأسرية شراكة حقيقية ومتى تتحول إلى مساحة يفقد فيها احد الطرفين حقه في أن يكون نفسه؟
وهذا جوهر نص بيت الدمية كونها قابلة لإعادة التأويل على مدار العصور، لم يقدم إبسن مسرحية كلاسيكية عن الزواج فقط بل قدم نصّا حمل في طياته الكثير من المعاني التي تخص المرأة عبر الأزمان من خلال مناقشة قضايا الاستقلال وحرية الاختيار والسلطة والمجتمع الأبوي.
لذا السؤال الذي لا يزال يطرح نفسه بقوة هذه الأيام هل خرجت المرأة حقا من بيت الدمية أم إن ما حدث فقط هو تغيير شكل البيت، رغم كل هذا التطور وظهور القوانين والحركات النسوية وحملات التوعية.
وهذا يقودنا لسؤال أكثر أهمية هل كانت نورا تبحث حقا عن الباب أم كانت تبحث عن التمرد والرغبة في فك القيود الأسرية، رغبة في خوض مغامرات ما أو الشعور بذاتها وكينونتها، هل ظهور صديقتها أعاد لها صوابها، ها هي تجتمع بحبيبها بعد كل هذا العمر، بل إن هذا الصديق تغير وجعله الحب شخصا آخر بعد أن كان انتهازيا مبتزا.
يمكن اختزال قصة المسرحية من الوهلة الأولى في امرأة تركت زوجها وأطفالها ولم تتمسك بهم مخالفة الفطرة والطبيعة الأمومية للمرأة.
ما فعلته من تخليها عن أطفالها جعلها أكثر شخصيات النص تعقيدا، لم تكتشف نورا بين ليلة وضحاها كرهها للبيت، بل اكتشفت أن لا دور لها خارج حدود هذا البيت سوى ما يفرض عليها فقط .
عندما كانت ابنة في بيت أبيها وزوجه في بيت زوجها شخص بلا حقوق بلا كرامة يتعمد تصغيرها بدافع التدليل ولكن باطنه تذليل وتصغير.
ولهذا أصبح خروجها في نهاية المسرحية مرتبطًا بالبحث عن الذات أكثر من ارتباطه برفض الأسرة في حد ذاتها.
وهنا تكمن قوة إبسن، حين جعل القضية شخصية وإنسانية قبل أن يجعلها شعارًا. لم يعد السؤال هل تستطيع المرأة الخروج، بل هل تملك شجاعة الاختيار؟
بعد 147 عامًا.. تقول الأرقام إن الباب لم يُفتح للجميع
قد تبدو قضية نورا بعيدة عن واقع المرأة العربية المعاصرة.
فالمرأة اليوم تدخل الجامعات، وتعمل، وتصل إلى مواقع قيادية وبرلمانية، وتشارك في الاقتصاد والبحث العلمي وريادة الأعمال.
بلغت نسبة النساء في مجلس النواب في مصر 27.7% وفق أحدث البيانات المنشورة لدى هيئة الأمم المتحدة للمرأة. رغم ذلك تكشف المؤشرات وجود فجوات كبيرة؛ فالنساء والفتيات في مصر يقضين نحو 22.4% من وقتهن في أعمال الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع، مقابل نحو 2.4% للرجال.
الفارق هنا ليس تفصيلًا صغيرًا.
فالعمل المنزلي والرعاية غير المدفوعة يؤثران في قدرة المرأة على العمل والتعليم وبناء مسار مهني مستقل.
وبالتالي فإن السؤال الذي طرحه إبسن عن استقلال المرأة لا يزال له وجه معاصر، حتى لو تغيرت قوانين كثيرة وتغيرت أشكال الأسرة والعمل.
المرأة اليوم ليست ممنوعة من الخروج من البيت، لكنها تجد نفسها أمام بيت آخر غير مرئي من مسؤوليات رعاية لا تتوزع بالتساوي، فرص اقتصادية محدودة، أو تصورات اجتماعية تحدد لها مسبقًا ما يناسبها وما لا يناسبها.
وهنا يجب أن نتوقف عن تقديم قضية تمكين المرأة وكأنها معركة بين النساء والرجال، المساواة الاقتصادية والاجتماعية ليست قضية نسائية فقط.
إن سد فجوة المشاركة الاقتصادية بين النساء والرجال يمكن أن يكون له أثر كبير على الاقتصاد المصري؛ وفق برنامج الأمم المتحدة في مصر، تشير التقديرات الأولية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن يرتفع بنسبة 34% إذا وصلت مشاركة النساء في سوق العمل إلى مستوى مشاركة الرجال.
إذن، عندما تحصل المرأة على فرصة عمل أو تدريب أو تمويل، لا تكون المستفيدة امرأة واحدة فقط، تستفيد الأسرة، والاقتصاد والمجتمع.
وهنا تتحول قضية «نورا» من حكاية زوجية إلى قضية تنمية.
أهم ما تحتاجه قضايا المرأة اليوم هو الانتقال من الحديث العام عن «التمكين» إلى السؤال العملي
كيف نمكّن المرأة فعلًا؟
وهنا تظهر أهمية المبادرات التي تقيس نتائجها على الأرض.
يشير التقرير السنوي لفريق الأمم المتحدة في مصر عن عام 2025 إلى أن أكثر من 335 ألف امرأة استفدن من تدخلات مدعومة من الأمم المتحدة لتعزيز ريادة الأعمال والعمل الحر وفرص توليد الدخل، وشملت المستفيدات نساء ريفيات ونساء ذوات إعاقة وناجيات من العنف ونساء مهاجرات ولاجئات.
كما شهد عام 2025 دعم إجراءات لتوسيع وصول النساء إلى الفرص الاقتصادية والتكنولوجيا والتمويل الرقمي، وتحسين بيئات العمل المراعية للنوع الاجتماعي، كما يشير التقرير إلى تطبيق مبادرات للادخار والإقراض الرقمي للنساء الريفيات، واعتماد قانون العمل رقم 14 لسنة 2025، الذي تضمن إجراءات لتعزيز الحماية في أماكن العمل من التحرش ودعم المساواة في الأجر.
هذه التجارب مهمة لأنها تقدم إجابة عملية عن سؤال «كيف نفتح الباب؟
ليس بالشعارات فقط.
بل بالتعليم والتدريب والعمل والتمويل والحماية القانونية والوصول إلى التكنولوجيا.
*أين توجد المرأة الريفية والمرأة ذات الإعاقة؟
عندما نتحدث عن المرأة، يجب ألا نتعامل معها كنوذج واحد.
هناك امرأة تعيش في مدينة كبيرة وتملك إمكانية الحصول على حقها في التعليم والعمل والاستفادة من التكنولوجيا، وهناك أخرى تفتقر لهذه المقومات لأنها تعيش بالريف مشكلتها الأساسية الوصول إلى التمويل أو المعلومة أو السوق.
وهناك فصيل آخر منهن يواجهن تحديات يومية لأنها من ذووي الهمم.
والمرأة اللاجئة والمهاجرة تواجه صعوبات مختلفة تمامًا.
ولهذا فإن أي سياسة جادة للمساواة يجب أن تراعي هذا الاختلاف في الظروف.
يعد برنامج تحويشة من النماذج اللافتة في مصر، الذي يقدم دعمًا ماليَا للنساء الريفيات عبر مجموعات الادخار والإقراض الرقمية التي تقودها النساء، إلى جانب تطبيق مصرفي رقمي صُمم خصيصا لمراعاة محدودية المعرفة المالية والرقمية لدى بعض المستفيدات.
وإثر ذلك لم يعد الهاتف المحمول وسيلة اتصال بل أصبح أداة اقتصادية.
وأصبح المعرفة الرقمية وسيلة للاستقلال.
وتحول مفهوم «تمكين المرأة» من كلمة تستخدم في المؤتمرات إلى شيء يمكن أن يؤثر في حياتها اليومية.
يتساءل البعض عن علاقة كل ذلك بإبسن؟
العلاقة واضحة بجلاء لم يكن هم نورا البحث عن وظيفة أو تطبيق مصرفي.
انصب هدف إبسن في تسليط الضوء على قدرة الإنسان على أهمية أن يمتلك صوته وقراره.
ولهذا ربما تغير شكل السؤال من القرن التاسع عشر إلى القرن الحادي والعشرين، بينما بقى جوهره.
في زمن إبسن ارتبطت القيود الأساسية بالأدوار الاجتماعية والقانونية المفروضة على المرأة.
واليوم تواجه المرأة نفس القيود مع اختلاف المسميات التي تناسب هذا متطلبات هذا العصر من قيود اقتصادية ورقمية مرتبطة بتوزيع مسؤوليات الرعاية أو الصورة النمطية في سوق العمل.
ما تغير حقا هو البيت، لكن جدرانه لم تختفِ تمامًا.
هل الحل أن تغادر نورا البيت الآن؟
ربما لا.
وهنا يمكن أن تكون قراءتنا المعاصرة لإبسن أكثر نضجًا من القراءة التي تحصر المسرحية في شعار"يجب أن تترك المرأة الرجل".
لم يعد الهدف خروج المرأة من الأسرة.
ولا أن تجبر على الاختيار بين الأسرة وذاتها.
ولا أن تعمل إذا أرادت، أو تتعلم، تحصل على فرصة اقتصادية افضل.
أو أن تشارك في اتخاذ القرار أو أن تكون آمنة من العنف والتحرش.
وأن تتقاسم مسؤوليات الرعاية مع بقية أفراد الأسرة، هذه ليست مطالب ضد الأسرة.
بل يمكن أن تكون بوابة جديدة تؤدي إلى أسرة أكثر عدلًا واستقرارًا.
في عام 2025، دعمت الأمم المتحدة في مصر عشرات الآلاف من الإجراءات والبرامج المرتبطة بالمساواة والتمكين الاقتصادي والرقمي والحماية من العنف، استفادت منه مئات الآلاف من النساء ممن خضعن لبرامج اقتصادية وتدريبية مختلفة لكن التجربة أثبتت أن التغيير الحقيقي لا يصنعه برنامج ولا قانون ولا مسرحية واحدة.
رحلة طويلة تبدأ من المدرسة، وتمر بالأسرة والجامعة وسوق العمل والقانون والإعلام، تصل إلى الثقافة التي تحدد كيف ننظر إلى المرأة والرجل ودور كل منهما، وهنا تحديدًا يستطيع المسرح أن يفعل شيئًا لا تستطيع الإحصاءات وحدها فعله.، يكفي أنه يجعلنا نفكر ونقرر أن المرأة لم تخلق امرأة بل جعلها المجتمع هكذا.
تخبرنا الأرقام بحجم المشكلة، أما نورا فتجعلنا نشعر بها.
وهذه إحدى وظائف الفن، تحويل القضية المجردة إلى إنسان.
فالباب الذي تركه إبسن مفتوحًا، لم يكن هو ذات الباب الذي أغلقته نورا في نهاية "بيت الدمية".
ربما كان بابًا لعصر جديد من الأسئلة.
وبعد نحو قرن ونصف، تغير السؤال من هل ينبغي لكل امرأة أن تفعل ما فعلته نورا؟
إلى هل تستطيع كل امرأة أن تختار مصيرها دون أن تُحرم من التعليم أو العمل أو الأمان أو الاحترام أو حقها في اتخاذ القرار؟
إذا كانت الإجابة لا تزال «ليس دائمًا»، فإن المسرحية لم تصبح قديمة.
وإذا بدأت الإجابة تتغير، فذلك مؤشر جيد لأن معناه أن المجتمعات بدأت في فتح العديد من الأبواب أمام المرأة، أبواب التعليم، والعمل، والتمويل، والتكنولوجيا، والحماية القانونية والمشاركة العامة.
لكن الباب الأهم يظل ثقافيًا.
أن نكف عن النظر إلى المرأة باعتبارها «دورًا» فقط، وأن نراها إنسانًا كاملًا له أحلامه وقدراته وقراراته.
عندها فقط يمكن أن نقول إن "بيت الدمية" انتهى فعلًا.
ليس لأن نورا خرجت منه، بل لأن البيت نفسه أصبح بيتًا للشراكة، لا بيتًا للدمى.
|