|
القاهرة 12 سبتمبر 2026 الساعة 11:24 م

حوار: نهاد إسماعيل المدني
تصوير: هبة عبد الوهاب
في إطار مشاركته المتميزة ضمن فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، يخوض المخرج الإماراتي عبد الرحمن الملا تجربة مسرحية لافتة بعرض «غياهب الروح»، المعتمد على التشكيل الجسدي وبلاغة الصورة البصرية. وفي هذا الحوار الممتد، يكشف الملا عن رؤيته الإخراجية لتفكيك النصوص الشاعرية، والتناغم الإنساني مع فرقة جمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح، وخصوصية الوقوف أمام الجمهور والنقاد في القاهرة.
• ركزت في العرض على اختزال الديكور لصالح التشكيل الجسدي وحركة الممثل والإضاءة.. كيف عملت على ترجمة الأفكار المجردة في «غياهب الروح» إلى لغة جسدية وبصرية ملموسة على الخشبة؟
«اليوم ندرك تماماً أن السينوغرافيا عنصر حي وشريك أساسي في العرض المسرحي، وليست مجرد إطار صامت. منهجيتي تعتمد على التوظيف الصحيح للسينوغرافيا بما يخدم الفكرة والممثل والدلالات الفكرية للعمل في آن واحد؛ لذا لا أميل مطلقاً إلى الديكور الثابت الذي يظل جامداً من بداية العرض حتى نهايته.
في المسرح الحديث، أصبحت السينوغرافيا كائناً حياً يتحرك ويتشكل ديناميكياً على الخشبة، ومن خلال هذا التحول والتكوين المستمر، نصنع رؤية بصرية متجددة لا تكتفي بتقديم إمتاع بصري للمشاهد فحسب، بل تنقل له العُمق الشعوري والرسالة الذهنية المجردة للعرض بأسلوب ملموس.»
المخرج عبد الرحمن الملا:
• تُحسب لك تجربة التعاون مع الكاتب عبد الله إسماعيل.. كيف تعاملت مع لغة النص الشاعرية وتحويلها إلى فعل درامي حركي يعتمد على الصورة أكثر من اللفظ؟
«بداية، أوجه كل التحية والتقدير للكاتب الأستاذ عبد الله إسماعيل؛ فهذه هي التجربة الثانية التي تجمعنا معاً، وهو من الطاقات الشبابية الإماراتية المبدعة التي تمتلك قلاماً سينوغرافياً وشاعرياً لافتاً.
عندما قدم لي نص «غياهب الروح»، عملنا سوياً على مطعمة النص وإعادة تشكيله؛ حيث ألغيتُ بعض الجمل الحوارية وتقنيات الـ (Flashback) واعتمدتُ بدلاً منها على تكوين "صورة مسرحية" حية. هدفنا من ذلك كان اختصار زمن العرض، وتجنب أي رتابة أو تكرار، مع خلق إيقاع متدفق. ونحن في هذه التجربة نضع "الصورة البصرية" في المرتبة الأولى؛ لأن الصورة الصادقة والمكثفة هي أقصر الطرق إلى قلب وعقل المشاهد.»
المخرج عبد الرحمن الملا:
• العمل التجريبي يتطلب لياقة عالية وتناغماً استثنائياً.. كيف كان منهجك التدريبي مع الفرقة للوصول إلى هذا المستوى العالي من الضبط الحركي والنفسي على الخشبة؟
«الحمد لله، الله سبحانه وتعالى أنعم علي بمجموعة مبدعة من الممثلين، وهم جميعاً من أعضاء "جمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح". هذا التناغم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج عمل متواصل وتدريبات وتمارين يومية مكثفة؛ فنحن نعمل معاً كفريق روح واحدة منذ ما يقرب من خمس سنوات، وقدمنا العديد من الأعمال المتبادلة.
هذا العِشرة والتراكم الفني جعلا الممثلين يفهمون رؤيتي وما أحتاجه على الخشبة دون عناء، وفي المقابل أصبحتُ مدركاً تماماً لإمكانيات كل ممثل منهم ومكامن قواة؛ ومن خلال هذه المعرفة الدقيقة بالإمكانيات والقدرات الذاتية للفريق، استطعنا توظيفها بشكل مدروس ومحكم ليخرج العمل بهذا المستوى من الضبط والتناغم.»
المخرج عبد الرحمن الملا:
• الوقوف على خشبة مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي يضع الفنون أمام ذائقة نقدية وجماهيرية واعية للغاية.. كيف استعددتم لهذه المواجهة وماذا يعني لكم هذا التواجد؟
«التواجد في محفل عربي وعالمي بحجم "مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي" ليس أمراً بسيطاً مطلقاً؛ فمجرد اختيار العرض والفوز بالترشح ضمن المسابقة الرسمية يُعد بحد ذاته إنجازاً كبيراً لنا.
نحن اليوم على أرض مصر.. بلد الفن الحقيقي والأرض الطيبة والشعب الكريم. وللأمانة، هذه حقيقة تاريخية يجب أن تُقال: نحن في الخليج العربي تعلمنا الفن والتثقيف من إخواننا المصريين، فهم من صدّروا الثقافة والفنون إلى أرجاء الوطن العربي كافة.
وجودي اليوم مع فرقتي في جمهورية مصر العربية—بلدنا الثاني الذي يجمعنا به كل الحب والروابط العميقة—هو فخر واعتزاز؛ فالمصري في الإمارات هو المعلم والدكتور والمهندس، ونحن والمصريون يداً واحدة وعلى قلب واحد. لذا، أعتبر الوقوف أمام هذا الجمهور العربي والنقاد في القاهرة محطة استثنائية وإنجازاً يضاف لمسيرة الفرقة.»
المخرج عبد الرحمن الملا:
• كيف ترى موقع المسرح الإماراتي اليوم على خريطة المسرح التجريبي عربياً ودولياً، وما الذي تضيفه مشاركة «غياهب الروح» لهذه التجربة؟
«بداية، عند الحديث عن الحراك المسرحي الإماراتي وموقعه الريادي، لا بد أن أتوجه ببالغ الشكر والامتنان إلى الأب الروحي لكل المسرحيين والفنانين، صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة، على دعمه اللامحدود واستراتيجيته الممتدة. فلولا هذا الدعم الرعائي الكريم لما كان هناك مسرح متطور في الإمارات، ولما رأينا هذه الطاقات الشبابية الواعدة التي تبدع وتنافس اليوم ليس على مستوى الدولة فحسب، بل على الساحة العربية والدولية.
لقد وفر لنا سموه أرضاً خصبة في دولة الإمارات عموماً وفي إمارة الشارقة بشكل خاص، وأرسى بنية تحتية ومهرجانات نوعية متكاملة؛ من "أيام الشارقة المسرحية"، إلى "المهرجان الثنائي"، و"مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة"، و"مهرجان الإمارات لمسرح الطفل"، و"المهرجان الصحراوي". صاحب السمو جعلنا بحق "نتنفس المسرح" في الإمارات؛ فأصبح الفن المسرحي حاضراً في كل مكان، داخل المدارس، والجامعات، والأندية، وفي كل بيت، وهو ما ينعكس اليوم على قوة الحضور الإماراتي في المهرجانات الكبرى مثل مهرجان القاهرة التجريبي.»



|