|
القاهرة 12 سبتمبر 2026 الساعة 08:15 م

بقلم: محمد خضير
تعد ليلة افتتاح الموسم الفني الجديد 2026 ـ 2027 في دار الأوبرا المصرية موعد مهم ليس لتتبدل فيه لافتة موسم بآخر، أو حفل افتتاح ينتهي بانطفاء أضواء المسرح، وإنما بدت أقرب إلى إحتفال كبير بقدرة الفن على أن يحتفظ بذاكرته، ثم يعيد تقديمها للأجيال الجديدة بلغة الحاضر وروحه.
تحت عنوان «ليلة عظيمة»، استقبل المسرح الكبير الجمهور في سهرة استلهمت تاريخ الإبداع العالمي، وجمعت بين الأوبرا والباليه والموسيقى الكلاسيكية والغناء، في مشهد فني بدا وكأنه رحلة عبر الزمن والقارات، تستعيد أشهر صفحات الفن الجاد، وتضعها من جديد أمام جمهور اليوم.
ومن هنا جاءت قيمة الحفل؛ فدار الأوبرا لم تفتح موسمها الجديد بعمل واحد، وإنما فتحت أبوابها على ذاكرة كاملة للفن الإنساني.
* من القاهرة إلى العالم.. مسرح يحتضن ذاكرة الإبداع
بقيادة الدكتور رضا الوكيل، قدمت دار الأوبرا المصرية نموذجًا لافتًا في كيفية الاحتفاء بالتراث الموسيقي العالمي دون الوقوع في أسر الماضي؛ فالأعمال التي صنعت تاريخ الأوبرا والباليه والموسيقى الكلاسيكية لم تُقدم باعتبارها قطعًا متحفية، وإنما باعتبارها أعمالًا حية قادرة على مخاطبة وجدان الجمهور مهما تغير الزمن.
وجاء الحفل بمشاركة أوركسترا أوبرا القاهرة بقيادة المايسترو محمد سعد باشا، وفرقة أوبرا القاهرة تحت إشراف مديرتها الفنية جولي فيظي، وفرقة باليه أوبرا القاهرة بإشراف مديرتها الفنية أرمينيا كامل، إلى جانب كورال أوبرا القاهرة بإشراف باسكال روزيه، بينما تولى الإخراج مهدى السيد.. وهذا التعدد يعد أحد أهم عناصر قوة العرض؛ حيث تحولت خشبة المسرح الكبير إلى مساحة تلتقي فيها الأصوات والحركة والموسيقى والدراما البصرية في نسيج واحد.
* «ليلة عظيمة».. حين تتحدث الكلاسيكيات بلغة جديدة
اختيارات الحفل حملت قدرًا واضحًا من التنوع والذكاء الفني، إذ تنقلت بين عدد من أشهر الأعمال الأوبرالية التي ارتبطت بذاكرة الموسيقى العالمية، من «زواج فيجارو» و«الناي السحري» لموتسارت، إلى «كافاليريا روستيكانا» لبياترو ماسكاني، مرورًا بـ«صلاة الغروب في صقلية» و«التروفاتوري» لفيردي، وصولًا إلى عوالم بوتشيني في «توسكا» و«توراندوت».
وعلى المسرح ارتفعت أصوات نخبة من نجوم الغناء، من بينهم رضا الوكيل، وجولي فيظي، وإيمان مصطفى، وجيهان فايد، وإنجي محسن، وإبراهيم ناجي، وأسامة علي، وسلمى الجبالي، وإلهامي أمين، ونوريستا الميرغني، وملك شافعي، وعزت غانم، وعمرو مدحت، وداليا فاروق، وعماد عادل، ومصطفى مدحت، في أداء منح هذه الأعمال حضورًا جديدًا أمام جمهور جاء بحثًا عن ليلة مختلفة.
واللافت أن قيمة هذه الاختيارات لم تكن في شهرة الأعمال وحدها، وإنما في قدرتها على رسم خريطة واسعة للمشاعر الإنسانية؛ الحب والغيرة والصراع والمصير والمأساة والانتظار والانتصار، وهي مشاعر لا تنتمي إلى زمن أو جغرافيا بعينها.
وهنا تكمن عظمة الفن الكلاسيكي؛ أن يتغير العالم من حوله، بينما يظل قادرًا على العثور على طريقه إلى القلب.
* الباليه.. عندما تتحول الموسيقى إلى صورة:
ولم يكتمل المشهد من دون حضور الباليه، الذي منح الأمسية بعدًا بصريًا مكملًا للصوت والموسيقى.
فقدمت فرقة باليه أوبرا القاهرة مشاهد من «بحيرة البجع» لتشايكوفسكي، و«كارمن» لجورج بيزيه، إلى جانب تابلوه راقص من أوبرا «الأمير إيجور» لألكسندر بورودين.
وفي هذه الفقرات لم تعد الموسيقى مجرد صوت يُسمع، وإنما تحولت إلى حركة وإيقاع وصورة، وصارت أجساد الراقصين تترجم ما تقوله النغمات، لتؤكد أن الفنون لا تعمل في جزر منفصلة، وإنما تستطيع أن تتكامل لتصنع تجربة واحدة.
* «كارمينا بورانا».. القدر في مواجهة الإنسان
وربما جاءت «كارمينا بورانا» للمؤلف الألماني كارل أورف كواحدة من أكثر لحظات الحفل كثافة وتأثيرًا.
ففي موسيقاها الصاخبة، وإيقاعاتها المتصاعدة، تتجسد تحولات القدر وتقلبات الحياة، وتظهر مشاعر الإنسان في لحظات القوة والخوف والرغبة والرهبة.
ومع أوركسترا أوبرا القاهرة بقيادة المايسترو محمد سعد باشا، بدت «كارمينا بورانا» وكأنها خاتمة درامية لرحلة الحفل؛ رحلة بدأت من صفحات الأوبرا الأوروبية، وعبرت إلى الباليه، ثم انتهت إلى واحدة من أكثر التجارب الموسيقية قدرة على استدعاء الأسئلة الكبرى حول الإنسان والوجود والمصير.
* الأوبرا تحفظ التراث وتعيد تقديمه
الأهمية الحقيقية لافتتاح الموسم الجديد في رأيي، لا تتوقف عند جودة ليلة فنية واحدة، وإنما تتصل بما يمكن أن تمثله هذه البداية من رؤية لموسم كامل.
فدار الأوبرا المصرية مؤسسة تحمل مسؤولية الحفاظ على جانب مهم من الذاكرة الموسيقية العالمية، وفي الوقت نفسه تقديمها إلى الجمهور المصري والعربي بصورة تليق بها.
والتحدي الحقيقي أمام أي مؤسسة فنية كبرى ليس أن تقدم أعمالًا عظيمة فحسب، وإنما أن تجعل هذه الأعمال قريبة من الجمهور، وأن تفتح الطريق أمام أجيال جديدة لا تعرف بالضرورة أسماء المؤلفين أو تاريخ هذه الأعمال، لكنها تستطيع أن تنجذب إلى جمالها حين تجد من يقدمها بالشكل الصحيح.
وهنا تبدو أهمية الجمع بين التراث والتجديد، الأصالة والانفتاح، العالمي والمحلي.
فالأوبرا المصرية حين تستعيد موتسارت وفيردي وبوتشيني وتشايكوفسكي وأورف وغيرهم، لا تغادر هويتها المصرية، بل تؤكد حضورها داخل المشهد الثقافي العالمي، وتقول إن القاهرة قادرة على أن تكون منصة لاستقبال أرقى تجارب الإبداع الإنساني وتقديمها لجمهورها.
* موسم جديد.. ومسؤولية أكبر
يأتي افتتاح موسم 2026 ـ 2027 بوعد بمزيد من الفنون الجادة والمتنوعة على مسارح دار الأوبرا المصرية في القاهرة والإسكندرية ودمنهور، بما يعزز حضورها بوصفها واحدة من أهم المؤسسات الفنية والثقافية في مصر.
والأهم أن يمتد هذا الحضور إلى جمهور أوسع، وأن تصبح عروض الأوبرا والباليه والموسيقى الكلاسيكية جزءًا من الحياة الثقافية اليومية، لا مجرد مناسبات نخبوية ينتظرها جمهور محدود.
فالثقافة الحقيقية لا تكتفي بأن تقدم الجمال لمن يعرف طريقه إليه، وإنما تعمل على أن تجعل الطريق مفتوحًا أمام من لم يكتشفه بعد.
وهذا هو الرهان الأكبر في المرحلة المقبلة: أن تتحول الفنون الجادة من ذاكرة محفوظة إلى تجربة معاشة، ومن نخبة محدودة إلى مساحة أوسع للجمهور، ومن مركز ثقافي إلى حضور ممتد في المجتمع.
في «ليلة عظيمة» لم تكن دار الأوبرا المصرية تحتفي ببداية موسم فني جديد فقط، بل كانت تستعيد فكرة أعمق: أن الموسيقى لا تشيخ، وأن المسرح يستطيع أن يعيد للزمن صوته، وأن الفن حين يُقدم بإخلاص ووعي يظل قادرًا على عبور الحدود واللغات والأجيال.
هكذا بدأت الأوبرا موسمها الجديد؛ بذاكرة العالم، وبأصوات مصرية، وبعين تتطلع إلى المستقبل.. وربما كان أجمل ما في تلك الليلة أن المسرح لم يقل للجمهور: «انظروا إلى الماضي»، وإنما قال له: «هذا تاريخ العالم الفني.. فلنستمع إليه من جديد، ونكتشف فيه أنفسنا».
|