|
القاهرة 08 سبتمبر 2026 الساعة 08:19 ص

متابعة : مروة مدحت
تصوير : هبة عبد الوهاب
قُدِّم العرض المسرحي الإماراتي «غياهب الروح»، من تأليف عبد الله إسماعيل عبد الله وإخراج عبدالرحمن الملا، مساء أمس واليوم ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، تجربة مسرحية بدت منذ لحظاتها الأولى منشغلة بما هو أبعد من الحكاية؛ إذ دخلت مباشرة إلى المنطقة الأكثر عتمة في الإنسان: الخوف، والذنب، والطاعة، والحاجة إلى الأمان، والرغبة في الخلاص.
ولم يتعامل العرض مع «الغياهب» بوصفها مكانًا مظلمًا فحسب، وإنما جعلها حالة نفسية ممتدة، بدا الإنسان خلالها محاصرًا بما صنعه من مخاوف وما سمح لها بأن تفعله به. ومن هنا اكتسب السؤال الذي انطلق منه المخرج ثقله الدرامي: إلى أي مدى يمكن للإنسان أن يمضي في بحثه عن الخلاص قبل أن يتحول هو نفسه إلى قربان؟
*حين أصبحت الخشبة فضاءً للخوف
كانت السينوغرافيا من أكثر العناصر قدرة على ترجمة فكرة العرض إلى صورة مسرحية. فقد ظهرت الخشبة محكومة بتكوينات معدنية هندسية بدت في بعض لحظاتها كأنها قفص أو متاهة أو بنية مغلقة تحاصر الشخصيات، بينما تحولت هذه التكوينات مع حركة الممثلين إلى فضاء متغير لا يستقر على دلالة واحدة.
وكان هذا الاختيار البصري موفقًا في علاقته بفكرة العرض؛ فالمكان لم يكن مجرد خلفية تتحرك أمامها الشخصيات، بل بدا جزءًا من الصراع نفسه. وكلما تحركت الأجساد داخل هذه البنية أو حملت عناصرها أو تشابكت معها، بدا الإنسان كأنه يحاول عبثًا اكتشاف منفذ من السجن الذي صنعته مخاوفه.
وهنا تحديدًا نجح العرض في تحقيق واحدة من أهم خصائص المسرح التجريبي: تحويل الفكرة المجردة إلى فعل وصورة وحركة، بدل الاكتفاء بشرحها بالكلمات.
*الإضاءة لم تضئ العالم.. بل كشفت عتمته
لعبت الإضاءة دورًا دراميًا واضحًا في بناء المناخ النفسي. وسيطرت الدرجات الزرقاء والظلال والمساحات المعتمة على عدد كبير من المشاهد، بينما ظهرت الشخصيات أحيانًا ككتل بشرية شبه غارقة في الظلام.
ولم تكن الإضاءة هنا وظيفتها الأساسية إظهار الممثلين بقدر ما كانت تشكيل الحالة النفسية. فالضوء ظهر وكأنه يأتي من عالم غير آمن، بينما صنعت الظلال امتدادًا بصريًا لفكرة «الغياهب».
وفي بعض اللحظات، بدا الضوء كأنه يمنح الشخصية فرصة مؤقتة للظهور، قبل أن يعيدها إلى العتمة من جديد؛ وهي معالجة انسجمت مع فكرة الخوف الذي لا يختفي تمامًا، حتى عندما يبدو الإنسان قريبًا من النجاة.
*الحركة.. لغة ثانية للنص
اعتمد «غياهب الروح» بصورة لافتة على المسرح الجسدي والتكوين الحركي. ولم تكن حركة الممثلين مجرد انتقالات بين مناطق الخشبة، إنما أصبحت أداة أساسية في بناء المعنى.
ظهرت الأجساد أحيانًا في تكوينات جماعية متماسكة، وأحيانًا أخرى بدت منفردة أو مطاردة أو مقيدة داخل الفضاء المسرحي. كما تحولت الأدوات والتكوينات الموجودة على الخشبة إلى امتداد لحركة الممثلين، وهو ما منح المشاهد إحساسًا بأن الجميع يتحرك داخل منظومة واحدة أكبر من إرادة الفرد.
وكان هذا الجانب من العرض من أكثر عناصره ارتباطًا بفكرته المركزية؛ فـالطاعة لم تُقدَّم بوصفها مفهومًا مجردًا، وإنما تحولت إلى سلوك جسدي وانضباط جماعي وضغط على الفرد.
*الممثلون بين الأداء النفسي والتعبير الجسدي
جاء أداء الممثلين منسجمًا مع طبيعة التجربة التي لم تعتمد على الحوار وحده في نقل أفكارها. فقد احتاجت الشخصيات إلى امتلاك أدوات تعبيرية متعددة، خصوصًا في لحظات الصمت والتوتر والتكوينات الجماعية.
وكان الجسد حاضرًا باعتباره حاملًا للمعنى، فيما جاءت النظرات والإيماءات والتكوينات الجماعية لتكمل ما لم تقله الكلمات.
وفي بعض المشاهد التي ظهرت فيها المواجهة المباشرة بين الشخصيات، انتقل الأداء من التعبير الجسدي الجماعي إلى مساحة أكثر حميمية وإنسانية، وهو انتقال منح العرض قدرًا من التنوع ومنع بنيته التجريبية من التحول إلى استعراض بصري خالص.
*الملابس.. توحيد بصري وإلغاء للفرد
اعتمدت الملابس، كما ظهر في مشاهد العرض، على حضور واضح للون الأسود والأشكال الموحدة، وهو اختيار بدا مقصودًا في سياق العرض.
فالملابس لم تمنح الشخصيات تميزًا فرديًا كبيرًا، وإنما جعلتها في بعض اللحظات تبدو كأنها جزء من جماعة واحدة أو منظومة واحدة. وهذا خدم ثنائية الفرد والجماعة، والخضوع والمقاومة، التي تحركت في عمق التجربة.
كما ساعدت الملابس الداكنة على تحقيق اندماج بصري مع الإضاءة والسينوغرافيا، فبدت الأجساد أحيانًا وكأنها تخرج من الظلام نفسه.
*عبد الرحمن الملا.. مخرج اختار أن تُرى الفكرة بدل أن يشرحها
أهم ما يُحسب للرؤية الإخراجية لعبد الرحمن الملا أنها لم تتعامل مع النص باعتباره حكاية مغلقة، بل حاولت إعادة إنتاجه مسرحيًا عبر الصورة والحركة والإيقاع.
فبدل أن يقول العرض للمتلقي إن الخوف سجن، جعله يرى السجن ويتحرك داخله. وبدل أن يخبره بأن الإنسان قد يتحول إلى قربان بحثًا عن النجاة، وضع الشخصيات في فضاء يبدو فيه الخلاص نفسه مشروطًا بالخضوع.
وهنا بدت رؤية الملا متقاطعة مع ما أشار إليه مؤلف النص عبد الله إسماعيل عبد الله من أن النص يبدأ حياة جديدة عندما يغادر يد الكاتب إلى الخشبة. فقد منح المخرج النص احتمالات بصرية وحركية تتجاوز القراءة الأدبية المباشرة.
*النص.. أسئلة أكثر من الإجابات
لم يكن «غياهب الروح» عرضًا يسعى إلى تقديم إجابة نهائية عن الخوف أو الخلاص، وهذه كانت إحدى نقاط قوته الأساسية.
النص وضع المتلقي أمام أسئلة متتالية: متى تتحول الطاعة إلى استسلام؟ ومتى يصبح الصمت مشاركة؟ وهل يمكن أن يتحول البحث عن الأمان إلى وسيلة للسيطرة على الإنسان؟ وهل يكون الخلاص الحقيقي في الهروب أم في المواجهة؟
ورغم أن هذه الأسئلة ذات طابع فلسفي وفكري، فإن العرض نجح في تجسيدها مسرحيًا إلى حد كبير، خصوصًا عندما تضافرت عناصر الصورة والإضاءة والحركة.
*إيقاع العرض.. قوة الصورة في مواجهة خطر التجريد
اعتمد العرض بصورة واضحة على التكوينات البصرية والحركية، وهو ما منحه خصوصيته التجريبية، لكنه في الوقت نفسه وضعه أمام تحدٍ مهم: كيف يحافظ العرض على التواصل مع المتلقي دون أن يتحول التجريب إلى غموض مغلق؟
وفي تقديري، كان العرض أكثر قوة كلما ترك للصورة والحركة أن تقودا المعنى، وأقل مباشرة كلما اقترب من محاولة تفسير الفكرة بدل تركها تتشكل في وعي المشاهد.
ومع ذلك، ظل هذا الغموض في جزء كبير منه منسجمًا مع طبيعة الموضوع؛ فالعرض لم يكن يريد أن يقدم عالمًا واضح الحدود، لأنه كان يتحدث أصلًا عن منطقة غامضة داخل الإنسان.
*«غياهب الروح».. من البيئة المحلية إلى السؤال الإنساني
ورغم انطلاق العرض من تجربة إماراتية ومن إنتاج جمعية كلباء للفنون الشعبية والمسرح، فإن قيمته الأساسية تمثلت في قدرته على تجاوز الحدود المحلية إلى سؤال إنساني أوسع.
فالخوف ليس إماراتيًا ولا مصريًا، والشعور بالذنب والطاعة والبحث عن الخلاص ليست قضايا مرتبطة بمكان واحد. ولذلك استطاع العرض أن يفتح حوارًا مع المتلقي المصري والعربي من خلال المشترك الإنساني، وهو ما جعل حضوره في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي أكثر من مجرد مشاركة عربية؛ بل بدا كأنه لقاء بين تجربة محلية وأسئلة عابرة للحدود.
عندما أـغلقت الستارة.. لم ينتهِ العرض
ترك «غياهب الروح» انطباعه الحقيقي بعد انتهاء المشاهد، لا أثناءها فقط. فقد كان من طبيعة التجربة أن تدفع المتلقي إلى إعادة قراءة ما شاهده، وربط الصور التي مرت أمامه بالأسئلة التي حملها العرض.
وكانت أقوى أفكار التجربة أن الخوف لم يظهر باعتباره شعورًا عابرًا، وإنما قوة قادرة على صناعة الطاعة، وتحويل الإنسان إلى تابع، ثم إقناعه بأن التضحية هي الطريق الوحيد إلى النجاة.
وبين النص الذي حفر في المناطق المعتمة للروح، والإخراج الذي حول تلك المناطق إلى صور وحركة، والسينوغرافيا التي جعلت الخشبة تبدو كمتاهة، والإضاءة التي صنعت عالمًا من الظلال، جاء «غياهب الروح» كتجربة تجريبية حاولت أن تجعل المسرح مرآة لا يرى فيها الإنسان وجهه فقط، وإنما يرى أيضًا ما يخفيه عن نفسه.
ولذلك ربما كان السؤال الأهم الذي تركه العرض خلفه بعد انطفاء الضوء:
إذا كان الخوف هو السجن، وكان الخلاص يحتاج إلى مواجهة هذا الخوف… فهل امتلك الإنسان فعلًا الشجاعة ليفتح باب السجن؟







|