|
القاهرة 08 سبتمبر 2026 الساعة 11:19 ص با

بقلم: د. حسين عبد البصير
هناك آثار كثيرة تستطيع أن تخبرنا عن الماضي، لكن هناك آثارًا قليلة تستطيع أن تجعل الماضي ينظر إلينا مباشرة. بورتريهات الفيوم واحدة من هذه الاستثناءات النادرة. فأنت حين تقف أمام أحد هذه الوجوه لا تشعر أنك أمام قطعة أثرية صامتة، وإنما أمام إنسان عاش في مصر منذ ما يقرب من ألفي عام، أحب وخاف وانتظر ورحل، ثم ترك وجهه لنا كي نتأمله بعد كل هذه القرون.
لهذا أرى أن المعرض الأثري المؤقت الذي تستضيفه روما ويضم نحو أربعين قطعة من بورتريهات الفيوم يحمل أهمية تتجاوز فكرة عرض مجموعة من التحف المصرية خارج مصر. نحن أمام عودة جديدة لهذه الوجوه إلى فضاء أوروبي يعرف جيدًا تاريخ الفن اليوناني والروماني، لكنه يجد في وجوه الفيوم شيئًا مختلفًا؛ شيئًا مصريًا في جذوره، ومتوسطيًا في تكوينه، وإنسانيًا في تأثيره.
بورتريهات الفيوم هي في جوهرها قصة مصر نفسها في العصر الروماني. مصر في ذلك الوقت لم تكن جزيرة منعزلة، بل كانت ملتقى ثقافات ولغات وتقاليد مختلفة. ومن هذه الحياة المركبة خرج هذا الفن المدهش الذي جمع بين تقاليد مصر الجنائزية القديمة وبين أساليب التصوير التي عرفها العالم اليوناني والروماني.
لكنني دائمًا أفضل أن أنظر إلى هذه البورتريهات بعيدًا عن المصطلحات الكبيرة قليلًا. فقبل أن تكون مثالًا على التفاعل الثقافي أو تاريخ الفن أو تقنيات الرسم، هي وجوه بشرية. وهذا هو سر قوتها الحقيقي.
تأمل وجه شاب في أحد هذه البورتريهات، أو امرأة تبدو في عينيها مسافة بعيدة لا نعرف إلى أين تذهب. حاول أن تنظر إليه لا باعتباره أثرًا، وإنما باعتباره شخصًا. فجأة تتغير علاقتك بالقطعة. يصبح السؤال ليس: متى رسمت هذه الصورة؟ ومن أي مقبرة جاءت؟ وإنما: من كان هذا الإنسان؟ ماذا كان يحب؟ كيف كان يعيش؟ ومن الذي وقف أمامه للمرة الأخيرة وهو يرسم ملامحه؟
ربما لهذا السبب تحديدًا استطاعت بورتريهات الفيوم أن تتجاوز حدود الزمن. فالفن الحقيقي لا يحتاج إلى أن نعرف كل شيء عن صاحبه حتى نتفاعل معه. أحيانًا تكفي نظرة واحدة.
ومشاركة متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية بقطعتين في هذا المعرض تضيف إلى الحدث معنى خاصًا بالنسبة لنا. فمكتبة الإسكندرية الحديثة ليست مجرد مؤسسة تحفظ الكتب، بل هي مؤسسة تعمل على إعادة وصل الحاضر بالماضي، وتقديم الحضارة المصرية في سياقها الإنساني والمتوسطي الأوسع. وخروج قطعتين من مقتنيات متحفها للمشاركة في معرض دولي من هذا النوع يضع جزءًا من ذاكرة الإسكندرية ومصر أمام جمهور جديد.
وأعتقد أن أهمية هذه المشاركة لا تكمن في عدد القطع. قطعتان فقط يمكن أن تفتحا بابًا كاملًا على تاريخ طويل. القطعة الأثرية ليست مجرد رقم في سجل المتحف، وإنما سفير صغير يحمل معه حكاية المكان الذي جاء منه، والمؤسسة التي حفظته، والباحثين الذين درسوه، والجمهور الذي سوف يراه للمرة الأولى.
واللافت في بورتريهات الفيوم أنها تجعل الحديث عن الهوية المصرية أكثر تعقيدًا وأكثر جمالًا في الوقت نفسه. فنحن أمام مجتمع عاش في مصر في العصر الروماني، وتداخلت فيه عناصر مصرية ويونانية ورومانية، ومع ذلك لم تفقد مصر شخصيتها. بالعكس، خرج من هذا التفاعل فن شديد الخصوصية لا يمكن فصله عن الأرض المصرية التي احتضنته.
وهنا تكمن إحدى أهم رسائل الآثار المصرية. الحضارة المصرية لم تكن حضارة مغلقة على نفسها، ولم تكن قوتها في رفض الآخر، وإنما في قدرتها المدهشة على استيعاب المؤثرات المختلفة وإعادة صياغتها داخل تجربتها الخاصة.
وفي روما، حيث تتجاور طبقات هائلة من التاريخ، ستبدو وجوه الفيوم كأنها تدخل حوارًا جديدًا مع المدينة. روما التي حفظت آثار الإمبراطورية الرومانية ستجد أمامها وجوهًا لأناس عاشوا في مصر تحت الحكم الروماني. وبين الحجر المصري والذاكرة الرومانية ستنشأ مساحة للحوار، ليس بين حضارتين فقط، وإنما بين أزمنة مختلفة.
وهذا ما يجعل المعارض الأثرية الناجحة مهمة. هي لا تنقل القطع من قاعة إلى أخرى فقط، وإنما تنقل الأسئلة معها. ماذا تعني الهوية؟ كيف نتذكر موتانا؟ لماذا نحاول الاحتفاظ بوجوه من نحب؟ وماذا يستطيع الفن أن يفعل أمام الزمن؟
قد تكون هذه الأسئلة هي التي تجعلني أرى بورتريهات الفيوم أقرب إلى مرآة منها إلى صورة. نحن ننظر إليها فنرى أصحابها، لكننا نرى أنفسنا أيضًا. نكتشف أن الإنسان الذي عاش في مصر قبل ألفي عام لم يكن بعيدًا عنا كما نتصور. كان يريد الشيء نفسه تقريبًا: أن يُرى، وأن يُتذكر، وأن يبقى منه شيء بعد أن ينتهي كل شيء.
ومن هنا تأتي قوة هذه الوجوه. لقد انتصرت على الزمن من دون ضجيج. لم تحتج إلى أن تكون تماثيل ضخمة أو معابد هائلة. يكفي وجه صغير مرسوم على لوح خشبي كي يعبر ألفي عام ويصل إلى روما، ثم يقف أمام إنسان معاصر ويقول له، من دون كلمة واحدة: كنت هنا.
وهذه في رأيي هي المعجزة الحقيقية لبورتريهات الفيوم. إنها لا تجعلنا نكتشف مصر القديمة فقط، وإنما تجعلنا نكتشف الإنسان القديم فينا.
|