|
القاهرة 08 سبتمبر 2026 الساعة 10:42 ص

قصة: هاني بكري
كَنَبِيٍّ ينتظر وحياً، كان يجلس في علّية السطح ناظراً إلى سماء الله المزدانة بالطيور المرفرفة تعلو وتهبط في مرح.
نسمات أواخر الخريف أطربته، فصدح بأغنية قديمة تذكرها من فوره، علا صوته، فصمت صخب الشارع الضيق، صمتت البنايات السوداء المغبرة وأُطفئت أنوارها، سكتت الدواب السائرة، والطيور التي كانت تجعر في أعشاشها منذ قليل.
قال حلاق الحي: إن الرجل جُنَّ، جُنَّ تماماً؛ من يظن نفسه حتى يخالف قوانين الآمر الكبير ويغني؟ عما قليل يحضر وكلاؤه لذا فالاختباء واجب، دقائق قليلة وتُنزع حنجرة هذا المعتوه.
حين حضروا، كان الشارع خالياً حتى من الكلاب الضالة، صعدوا درج السلم المتآكل حتى السطح، لم يجدوه. اختفى. فتشوا البيت والأزقة الرطبة المجاورة لعدة أيام متتالية لم يكن له أثر.
في مصيبة كهذه لا بدّ من اتخاذ تدابير وقائية.
من الآن فصاعداً لا أحد يخرج، لا أحد يدخل، لا أحد يغادر.
أُقيمت بناية على رأس الحي من أجل التحقيق.
حامت الشكوك حول عدد من الأشخاص...تحديداً ثلاثة: صديقه صائد السمك، والحلاق الذي روج إشاعة جنونه، من الممكن أن يكون شريكه، والأرملة صاحبة البيت التي ستتزوجه.
أقسم صائد السمك بأغلظ الإيمان أنه قاطعه منذ سنوات، فذات ليلة، حينما كانا يصطادان، أسرّ إليه أنه عبر هذا النهر عائماً للضفة الأخرى، حيث أحياء أخرى يغني الناس فيها بلا خوف.
ألقى السنارة بخيطها، بشصها في الماء، وأعطاه ظهره ومضى.
أما الحلاق؛ فقد جزم بأنه كان يُبيت النية لفعلته هذه، إذ أنه مر عليه في صباح هذا اليوم على غير عادته، وطلب منه أن يحلق شعره، وأن يمرر الموسى على ذقنه حتى تنعم. وأنه لو كان يعلم يقيناً ما سيفعله، لغرس الموسي في رقبته، كرامة للآمر الكبير.
الأرملة نفت ما يُشاع بأمر زواجهما. إذ كيف تتزوج من هذا الأحمق الخائب الجالس بالساعات في غرفته تحت بئر السلم، محدقاً فيها في الطالعة والنازلة، دون أن ينبس بكلمة واحدة.
في البداية ظنت أنه سيغتصبها، فنبهته إلى أن أهل الحي برغم طيبتهم لا يتسامحون مع أمور الشرف. يسكتون على أي شيء؛ إلا العرض، سيأكلونه بأسنانهم إذا فعلها.
بعد أن أنهت شهادتها وبهدوء، أمرها وكيل الآمر بأن تقلع.
فكت لباسها، وحين حطّ على جسدها المكتنز بفحولة وصلف لم تزد على قولها "آه".
تعقدت الأمور أكثر فحضر الآمر الكبير بنفسه.
تكهربت الدنيا ومن عليها. حُصيت الأنفاس، وأُحضر الجميع للتحقيق بلا استثناء حتى الأطفال.
الشائع أن الصغار لا يكذبون لكن من يدري؟ وُضعت طفلة على جهاز كشف الكذب عدة مرات فأشار بصدقها.
قالت إن الرجل حين أنهى وصلة غنائه، هبطت العصافير والحمامات الطائرة عليه، وحملته بمناقيرها وعلت.
ظلت تعلو، وتعلو، وتعلو، حتى تبخّر معها. تبخر تماماً.
|