|
القاهرة 08 سبتمبر 2026 الساعة 10:26 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
في روايته الرائدة "قنديل أم هاشم"، يضعنا الأديب الكبير يحيى حقي أمام مواجهة وجودية وفكرية تلمس عمق الهوية ومأزق الوعي؛ حيث يعود الشاب "إسماعيل" من أوروبا بعد أن درس طب العيون، مسلّحاً بعلم تجريبي صارم وعقلانية غربية جافة لا تؤمن إلا بالمختبر والمشرط.
وحين يعود إلى حيه القديم في "السيدة زينب"، يصطدم بالواقع المرير؛ حيث يرى أمه تعالج ابنة عمه المريضة "فاطمة النبوية " بوضع زيت قنديل المسجد في عينيها المصابتين. يثور إسماعيل مدفوعاً بجهل هذا الموروث، وتتملكه نوبة من الغضب العارم وهو يرى واقع أهله فيصيح في نفسه: "هذا هو طبه وعلمه! هذا ما أنفق فيه زهرة شبابه وخير سني عمره! أوهام وخرافات ودجل وقذارة!".
واندفاعاً وراء هذا الغرور المادي، يكسر القنديل ويحاول علاجها بعلمه الحديث وحده، لكن النتيجة تكون كارثية؛ تعمى عين الفتاة تماماً، ويفشل العلم الجاف في مداواة الجسد لأنه أنكر وجود الروح.
ومن خلف ظلال ذلك القنديل العتيق، نلتفت إلى واقعنا الراهن، لنكتشف أن مأساة "إسماعيل" هي المأزق الأكبر الذي يعيشه إنسان العصر الرقمي اليوم.
إننا نعيش في زمن يعبد "العقل والآلة"؛ حيث أصبحت التكنولوجيا، والبيانات، والذكاء الاصطناعي هي العلم الجديد الذي يَعِدُ بحل كل مشكلات البشرية.
لكننا في غمرة هذا الانبهار المادي الجاف، كسرنا قناديلنا الروحية؛ أطفأنا دفء الإيمان، واستهزأنا ببراءة الفطرة، وتخلينا عن العواطف السامية التي تجعل منا بشراً.
والنتيجة أمامنا واضحة: عالم متقدم مادياً وطبياً وتقنياً، لكنه يعاني من "عمى روحي" حاد، تزداد فيه معدلات الاكتئاب، والوحدة، والاغتراب؛ لأننا حاولنا علاج الإنسان كمجرد "آلة بيولوجية" ونزعنا منه قدسية الروح، غافلين عن الحقيقة التي أدركها البطل لاحقاً حين أيقن: "أن في هذه الأرض سراً لا تكشفه المجاهر، وأن طب العيون لن يجدي نفعاً ما لم يسانده الإيمان".
وتوثق الرواية لحظة الانكسار الكبرى للطبيب، حين يدرك أن علمه وحده صار عاجزاً وأعمى لأنه افتقد إلى الحب والرحمة.
هذا النص يجسد بدقة مأزق الإنسان المعاصر الذي يكتشف متأخراً أن الانفصال التام عن البعد الروحي والوجداني بحجة التمدن والعقلانية، يترك الذات خاوية ومكسورة، عاجزة عن مواجهة عواصف الحياة.
فقد أدرك إسماعيل أن الحياة الخالية من النور الداخلي باهتة لا معنى لها، كما صاغها الكاتب في تلمسه لسر السكينة: "ولا ولوج إلى ساحة السعادة إلا من أحد أبواب ثلاثة: الإيمان والفن والحب، لا شيء يشع بها مثل هذا الخشوع الذي أراه في المعابد".
في نهاية المطاف، تظل قنديل أم هاشم صرخة نقدية ملحة تدعونا لتبني "العلم الساعي لخدمة الإنسان لا لتشييئه". إن النجاة الحقيقية التي اهتدى إليها إسماعيل في النهاية تتجلى في صنع "التوازن"؛ حيث عاد وعالج فاطمة مستخدماً علمه وطبه، ولكن بقلب مؤمن يفيض بالحب والاحترام لمشاعر أهله وموروثهم، متذكراً طوابير البسطاء الذين يؤمنون ببركة المسجد حيث كان: "يُشفى بالزيت من كانت بصيرته وضاءة بالإيمان، فلا بصر من دون البصيرة".
يعلمنا يحيى حقي أن حضارة الإنسان لا تكتمل بجناح واحد؛ فلا العلم وحده ينقذنا من الجهل إذا أظلمت أرواحنا، ولا التمسك بالخرافة يحمينا إذا تعطلت عقولنا.
إن الملاذ الآمن لآدميتنا هو أن نمشي في مناكب الأرض بعقول تبتكر وتبني، وقلوب تنبض بالإيمان والرحمة، لكي تظل قناديلنا الداخلية مضيئة في عتمة هذا العالم المادي.
|