|
القاهرة 07 سبتمبر 2026 الساعة 08:47 ص

كتبت: مروة مدحت
تصوير : هبة عبد الوهاب
ليلة أمس، وعلى خشبة مسرح الجمهورية، لم أشاهد عرضًا مسرحيًا يكتفي بأن يحكي حكاية عن «إيكارو» الأسطوري الذي حاول أن يطير، وإنما شاهدت تجربة تبحث في الإنسان نفسه؛ في خوفه ورغبته في التحرر، وفي تلك المسافة الغامضة بين ما يستطيع أن يفعله وما يحلم بأن يفعله.
جاء العرض السويسري «إيكارو» ضمن عروض المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في تقديم هو الأول للعمل في العالم العربي، وبدعم من المؤسسة الثقافية السويسرية. ومنذ اللحظات الأولى بدا أن التجربة لا تنتمي إلى المسرح التقليدي بقدر ما تنتمي إلى مساحة مشتركة بين المسرح وفنون الأداء والسيرك والشعر البصري.
واللافت أن هذا العمل، الذي بدأت رحلته من ميلانو عام 1991، ووصل إلى 803 عروض في 128 مدينة و25 دولة، أمام أكثر من 280 ألف متفرج، لم يفقد بعد كل هذه السنوات قدرته على أن يبدو حيًا أمام جمهور جديد. وربما يكمن سرّ استمراريته في أنه لا يتحدث عن زمن محدد أو مكان محدد، بل عن إنسان يشبهنا جميعًا.
* من «إيكارو» الأسطوري إلى «إيكارو» الإنسان
عنوان العرض يحيل بطبيعة الحال إلى أسطورة إيكارو، ذلك الذي حاول التحليق بأجنحة صنعها والده، فكان سقوطه نتيجة طبيعية لتجاوزه حدود الممكن.
لكن العرض لا يعيد تقديم الأسطورة بصورة مباشرة، وإنما يستخدمها مدخلًا لسؤال أكثر عمقًا:
ماذا لو كان السقوط نفسه جزءًا من محاولة الإنسان للتحرر؟
هنا لا يبدو إيكارو بطلًا خارقًا، بل إنسانًا هشًا، يحاول أن يجد منفذًا من عالم يفرض عليه قيوده. ولذلك يصبح «الهروب» في التجربة ليس مجرد فرار من الواقع، وإنما محاولة للدخول إلى عمقه واكتشاف ما وراء الأشياء الظاهرة.
وهذه واحدة من أكثر نقاط قوة العرض؛ فهو لا يضع الحرية في صورة شعار، بل يجعلها حالة جسدية وبصرية ونفسية.
* الخشبة.. مستشفى أم بيت أم عالم بين اليقظة والحلم؟
من أول نظرة إلى سينوغرافيا العرض، يكتشف المتلقي أنه أمام فضاء غير واقعي بالكامل.
السرائر البيضاء، والطاولات، والكراسي، والخزانة، والحقائب، والعناصر المعلقة التي تشبه أغطية أو شباكًا شفافة طويلة، ترسم عالمًا يبدو للوهلة الأولى قريبًا من فضاء المستشفى أو مكان الرعاية، لكنه سرعان ما ينفلت من واقعيته ويتحول إلى فضاء حلمي مفتوح على التأويل.
وأكثر ما استوقفني هو حضور البياض في تكوين المكان.
فالأسرّة البيضاء المرتفعة، والستائر أو الشباك البيضاء المتدلية من أعلى، والحقائب والأثاث الأبيض، كلها تمنح الخشبة مظهرًا أقرب إلى عالم معقم ومحايد، عالم لا يحمل هوية مكانية محددة.
وهذا الاختيار شديد الذكاء؛ لأن العرض يريد أن يجعل الحكاية قابلة للانتقال من مدينة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى.
فالخشبة ليست سويسرا، وليست إيطاليا، وليست القاهرة.
إنها المكان الداخلي للإنسان.
* السرير.. رمز للقيد والحياة الهشة
تتكرر الأسرّة بصورة واضحة في المشاهد، وهي ليست مجرد جزء من الديكور.
فالسرير بطبيعته يحمل دلالات متناقضة: هو مكان للراحة، لكنه قد يكون أيضًا مكانًا للمرض أو العجز أو الانتظار.
وفي «إيكارو» يتحول هذا العنصر إلى جزء من الصراع بين الجسد الذي يريد أن يبقى على الأرض والروح التي تريد أن تحلق.
وتزداد المفارقة قوة عندما يتحرك الممثل بين الأسرّة أو فوقها أو بالقرب منها؛ فالمكان الذي يفترض أن يرمز إلى السكون يتحول إلى مساحة للحركة والخيال.
وكأن المخرج يقول إن الإنسان قد يكون محاصرًا في مكانه، لكنه ليس بالضرورة محاصرًا في خياله.
* الستائر البيضاء.. أجنحة لم تكتمل
من أجمل العناصر البصرية في العرض تلك الهياكل البيضاء الطويلة التي تبدو مثل أقفاص أو أجنحة أو شرانق ضخمة.
هذه العناصر تحديدًا تفتح بابًا واسعًا للتأويل.
في لقطة يظهر فيها الممثل واقفًا أمام أحدها ورافعًا يده إلى أعلى، يبدو المشهد وكأن الشخصية تحاول الوصول إلى شيء يتجاوزها. وفي لقطة أخرى، يصبح العنصر نفسه أشبه بقفص يحاصر الجسد.
* وهنا تظهر براعة السينوغرافيا: العنصر الواحد لا يمتلك معنى ثابتًا.
يمكن أن يكون جناحًا، ويمكن أن يكون قفصًا، ويمكن أن يكون جبلًا، ويمكن أن يكون غرفة، ويمكن أن يكون مجرد صورة من صور الذاكرة.
وهذا هو المسرح حين يثق بخيال المتفرج.
* لوحة الخلفية.. من الواقع إلى الكون
تظهر في إحدى الصور خلفية كبيرة تتوسطها دائرة حمراء وصفراء تبدو كأنها كوكب أو شمس أو جرم سماوي.
وجود هذه الصورة خلف الشخصية يوسع الفضاء المسرحي فجأة.
لم تعد الشخصية محاصرة داخل الغرفة أو المستشفى أو البيت، بل أصبحت في مواجهة كون كامل.
وهنا يبدو مفهوم «التحليق» أكثر اتساعًا؛ فإيكارو لا يريد فقط الخروج من مكان، وإنما يريد تجاوز الحدود التي رسمها الواقع حوله.
كما أن الدائرة في الخلفية، بتركيبها اللوني، تكسر الرتابة التي يصنعها البياض، وتمنح الصورة المسرحية نقطة تركيز قوية.
* الملابس.. حين ينقسم الإنسان بين الأرض والخيال
الملابس من أكثر عناصر العرض تعبيرًا عن فلسفته.
في معظم المشاهد يظهر الممثل بملابس بيضاء فضفاضة، مع بنطال داكن وحمالات سوداء، وهو تكوين يضع الشخصية في منطقة بين البساطة والغرابة.
القميص الأبيض الفضفاض يمنح الجسد مظهرًا غير مقيد، بينما تأتي الحمالات والبنطال الداكن كخطوط أكثر صرامة تربطه بالأرض.
لكن العرض لا يظل أسير هذا التكوين.
في إحدى أكثر الصور اللافتة، يرتدي الممثل معطفًا فرويًا شديد الألوان، تتداخل فيه درجات الأحمر والأزرق والأخضر والبرتقالي، بينما تظهر إلى جواره شخصية أخرى بملابس سوداء كثيفة وغطاء رأس مخروطي الشكل.
وهنا تحدث قفزة بصرية واضحة من عالم الواقع إلى عالم الكرنفال والخيال.
واللافت أن هذا المعطف الملون لا يبدو مجرد قطعة ملابس للزينة، بل يبدو وكأنه انفجار لوني داخل عالم أبيض.
إذا كان الأبيض هو عالم القيد والانتظار، فإن الألوان هنا يمكن قراءتها باعتبارها لحظة انفلات من هذا العالم.
حتى الشخصية الأخرى التي تظهر بالأسود والأبيض تبدو كأنها خرجت من عالم غرائبي موازٍ، بما يعزز الطابع السيركي والحلمي للعرض.
* الإخراج.. صناعة عالم من الأشياء البسيطة
المخرج دانييلي فينزي باسكا يمتلك خبرة واضحة في مزج المسرح بالسيرك وفنون الأداء، وهذه الخبرة تظهر في طريقة إدارة الفضاء.
لا يعتمد الإخراج على حركة الممثل وحده، وإنما يجعل كل قطعة على الخشبة قابلة للتحول إلى جزء من الحكاية.
السرير ليس سريرًا فقط.
والكرسي ليس كرسيًا فقط.
والحقيبة ليست حقيبة فقط.
والستارة ليست ستارة فقط.
إنها جميعًا أدوات لبناء عالم يتغير باستمرار أمام عين المتفرج.
وفي بعض المشاهد يظهر الممثل جالسًا على الأرض، محاطًا بالأسرّة والعناصر البيضاء، فيبدو صغيرًا أمام حجم الفضاء. وفي مشاهد أخرى يحتل مقدمة الخشبة بجسده وإيماءاته، فيصبح هو نفسه مركز الكون.
وهذه القدرة على تغيير مقياس الشخصية داخل الخشبة من أبرز نجاحات الإخراج.
* الممثل.. من يحكي ومن يصنع الشخصيات؟
رغم مركزية الأداء الفردي في بنية «إيكارو»، فإن العرض لا يجعل وجود الآخرين مستحيلًا؛ بل تتحول الشخصيات والأشكال المحيطة بالممثل إلى امتدادات لعالمه الداخلي.
ومن خلال الصور، يظهر انتقال الأداء من شخصية إلى أخرى، ومن حالة إلى أخرى، بما يجعلنا أمام عالم يبدو أحيانًا وكأنه حقيقي، وأحيانًا أخرى كأنه نتاج مخيلة الشخصية.
وهنا تتأكد فكرة «المونودراما» بمعناها الأوسع: ليس شرطًا أن تكون الخشبة خالية من الآخرين حتى يكون الإنسان وحيدًا؛ فقد تكون كل الشخصيات الأخرى انعكاسات متعددة لذاته.
وهذا تحديدًا ما يجعل التجربة أكثر إثارة من مجرد استعراض لقدرات ممثل واحد.
* الجسد.. اللغة التي لا تحتاج إلى ترجمة
من أكثر عناصر العرض نجاحًا أن الجسد لا يأتي بوصفه تابعًا للكلمة، وإنما بوصفه لغة مستقلة.
اليدان الممدودتان إلى أعلى، النظرات الواسعة، الانحناء، الجلوس على الأرض، الحركة بين الأسرّة، التمدد داخل الفضاء، كلها تتحول إلى علامات مسرحية.
وفي إحدى الصور يبدو الممثل جالسًا على الأرض ممسكًا بشيء صغير في يده، بينما يفتح يده الأخرى في حركة أقرب إلى السؤال أو الاستسلام.
وفي صورة أخرى يظهر واقفًا بجوار سرير متحرك، يمد ذراعه في اتجاه آخر من الخشبة.
هذه التفاصيل تجعل الأداء قابلًا للفهم حتى قبل أن نعرف اللغة التي قيلت بها الحكاية.
وهنا نفهم كيف استطاع «إيكارو» أن ينتقل بين دول ولغات وثقافات مختلفة دون أن يفقد جوهره.
* الإضاءة.. الأبيض ليس أبيض دائمًا
الإضاءة تؤدي دورًا بالغ الأهمية في خلق هذه الثنائية بين الواقع والحلم.
فعندما تُضاء العناصر البيضاء وسط خلفية سوداء، تصبح الخشبة شديدة التباين: بياض في مواجهة عتمة كاملة.
وهذا التكوين لا يخدم الجانب الجمالي فقط، وإنما يخلق إحساسًا بأن الشخصيات موجودة داخل جزيرة صغيرة من الضوء وسط مجهول واسع.
وفي بعض الصور، يبدو الضوء دافئًا على الممثل بينما تظل الخلفية غارقة في السواد، فتتحول الشخصية إلى نقطة اعتراف حميمة مع الجمهور.
ثم تتسع الصورة عندما تدخل العناصر الكبيرة في مجال الإضاءة، فيصبح المشهد أقرب إلى لوحة بصرية.
الإضاءة إذن لا تضيء العرض فقط؛ إنها تعيد رسم حدوده في كل لحظة.
* الزهور والحقائب.. تفاصيل صغيرة تحمل أسئلة كبيرة
ومن التفاصيل التي تستحق التوقف أمامها وجود الزهور البيضاء في بعض المشاهد، وكذلك الحقائب الموضوعة على الخشبة.
الزهور يمكن أن تحمل معنى الحياة والذكرى والاحتفاء، لكنها تظهر هنا داخل عالم مليء بالأسرّة والبياض، فتخلق حالة ملتبسة بين الاحتفال والفقد.
أما الحقيبة فهي بطبيعتها رمز للسفر والرحيل.
ووجودها في عرض قطع آلاف الكيلومترات حول العالم يبدو كأنه تفصيل سينوغرافي يحمل معنى إضافيًا: الإنسان دائمًا في حالة انتقال، يحمل أشياءه معه، ويترك مكانًا ليذهب إلى آخر.
وهكذا تتحول رحلة «إيكارو» المسرحية الطويلة نفسها إلى جزء من المعنى.
* بين الكوميديا والوجع
ومن الأمور التي أراها محسوبة جيدًا في التجربة أن العرض لا يغرق في التأمل الفلسفي الثقيل.
فحتى داخل موضوعات مثل العجز والخوف والهروب والموت، توجد مساحة للعب والسخرية والمفارقة.
وهذا مهم جدًا؛ لأن الإنسان نفسه لا يعيش المأساة بصورة متواصلة. نحن نضحك في أكثر لحظاتنا قسوة، ونمزح ونحن خائفون، ونلجأ إلى الخيال عندما يعجز الواقع عن إنقاذنا.
لذلك فإن انتقال العرض بين الطرافة والوجع ليس تناقضًا، بل هو جوهر التجربة الإنسانية.
«إيكارو» ومفهوم الأمل
الأمل في هذا العرض ليس أملًا ساذجًا.
ليس وعدًا بأن كل شيء سينتهي بصورة سعيدة.
بل يبدو الأمل هنا في مجرد المحاولة.
أن يحاول الإنسان الوقوف.
أن يحاول الخروج.
أن يحاول أن يحلم.
أن يحاول الطيران رغم معرفته بأن السقوط ممكن.
وهنا أجد أن عنوان العرض يصبح أكثر عمقًا: إيكارو ليس ذلك الذي نجح في الطيران، وإنما ذلك الذي رفض أن يتخلى عن فكرة الطيران.
* 35 عامًا من العرض.. لماذا لم يسقط «إيكارو»؟
قد يكون السؤال الأكثر إثارة هو: كيف استطاع عرض بدأ عام 1991 أن يستمر حتى اليوم، ويصل إلى القاهرة بعد 35 عامًا؟
في رأيي، لأن «إيكارو» لم يربط نفسه بحدث سياسي عابر أو مكان محدد أو لغة واحدة.
إنه يخاطب حاجة إنسانية لا تنتهي:
الرغبة في التحرر من شيء ما.
كل شخص لديه قفص مختلف.
وكل شخص لديه جبل مختلف.
وكل شخص لديه سماء يريد الوصول إليها.
لذلك يمكن أن يشاهد المتفرج السويسري العرض بطريقة، والمصري بطريقة أخرى، والفرنسي بطريقة ثالثة، لكنهم جميعًا قادرون على التعرف على أنفسهم داخل السؤال الأساسي:
"هل ينجح العرض في كل لحظاته؟"
بعيدًا عن الاحتفاء بالاسم العالمي للعرض وتاريخه الطويل، فإن قيمة التجربة لا ينبغي أن تقاس بالأرقام وحدها.
وبالنسبة لي، قوة «إيكارو» الأساسية ليست في حبكته التقليدية، لأن العرض لا يقدم حكاية ذات تصاعد درامي كلاسيكي يمكن التعامل معها وفق منطق البداية والعقدة والحل.
قوته الحقيقية في الصورة المسرحية والأداء والحالة.
وهذا في الوقت نفسه قد يكون نقطة يمكن أن تثير اختلاف المتلقين؛ فالمتلقي الذي يبحث عن قصة واضحة ومباشرة قد يشعر أحيانًا أن العرض يطلب منه أن يشارك في إنتاج المعنى بدلًا من أن يقدمه له جاهزًا.
لكن بالنسبة إلى المسرح التجريبي، أرى أن هذه ليست مشكلة بالضرورة، وإنما جزء من طبيعة اللعبة.
فالعرض لا يريد أن يقول لك: «هذا هو المعنى».
بل يقول لك:
«انظر... وتأمل... وأكمل الحكاية بنفسك».
بعد مشاهدة «إيكارو» على مسرح الجمهورية، بدا لي أن التجربة لا تتحدث في النهاية عن إيكارو وحده.
إنها تتحدث عن كل شخص وقف يومًا أمام حدود قدرته وسأل نفسه: هل أستطيع أن أتجاوزها؟
وفي هذا تحديدًا تكمن قيمة العرض.
لقد استطاع "دانييلي فينزي باسكا" أن يحول خشبة بسيطة نسبيًا إلى عالم واسع من الأسرّة والأقفاص والأجنحة والحقائب والزهور والظلال، وأن يجعل الأبيض لونًا للحلم والقيد في آن واحد، وأن يستخدم الجسد باعتباره لغة، والديكور باعتباره استعارة، والضوء باعتباره شريكًا في الحكي.
ولم يكن «إيكارو» بالنسبة لي مجرد عرض سويسري ضيف على مهرجان القاهرة، ولا مجرد عمل يحتفل بمرور 35 عامًا على انطلاقه.
كان أشبه برحلة تأملية في معنى أن يكون الإنسان إنسانًا: ضعيفًا لكنه يحلم، مقيدًا لكنه يبحث عن منفذ، يعرف أن السقوط ممكن، ومع ذلك يمد يده إلى أعلى.
ربما لهذا السبب ظل «إيكارو» حيًا طوال هذه السنوات.
لأن الإنسان، رغم كل ما يعرفه عن السقوط، لا يتوقف عن النظر إلى السماء.





|