|
القاهرة 07 سبتمبر 2026 الساعة 08:35 ص

حاورته: نهاد إسماعيل المدني
تصوير :هبه عبد الوهاب
في إطار التغطية الخاصة لفعاليات الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التقت مجلة "مصر المحروسة" بالكاتب والمسرحي السعودي القدير فهد الحارثي، للحديث عن العرض المسرحي "الناعشون"، الذي أثار نقاشًا واسعًا لدى الجمهور والنقاد.
وفي هذا الحوار، يكشف الحارثي عن فلسفة النص، ورحلة تحوله من فكرة تجريدية إلى عرض مسرحي نابض بالحياة والإنسانية.
*ما الشرارة الأولى التي ولدت لديك فكرة نص "الناعشون"؟
انطلقت الفكرة ممّا يشهده عالمنا اليوم من حروب وأوبئة، وما ينجم عنها من موت أصبحنا نمرّ عليه بدلاً من الاحتفاء بالحياة. بات الحديث عن أعداد الضحايا والموتى أمراً يومياً لا يحرّك فينا ساكناً؛ وكأن الموت قد حيا في تفاصيل يومياتنا. من هذا التماس المباشر بين مفهومَي الحياة والموت، نبتت نبتة هذا النص المسرحي.
*ما الدلالة الرمزية للعنوان وماذا يمثل "الناعشون" في البناء الدرامي للنص؟
"الناعشون" هم حملة النعوش الطائفون بها في كل الأنحاء. والتحول الرمزي هنا يكمن في أنه بعدما كان الجثمان يحمله شخص أو أشخاص محددون، أصبح كل إنسان يحمل جنازته بنفسه؛ يرقص معها، ويأكل، ويشرب، ويتحرك بها أينما ذهب. وبذلك غدا هذا العنوان رمزاً مكثفاً يتشابك مع قضية الموت والحياة وفلسفتها في البناء الدرامي.
* العرض يطرح تساؤلات وجودية وإنسانية؛ كيف صيغت هذه الأفكار في قالب مسرحي يمس المتلقي؟
صياغة الفكرة في قالب مؤثر ليست مسؤولية النص المفرد؛ بل هي ثمرة تكامل عناصر العرض كافة. لقد تضافرت جهود المخرج والممثلين ومصمم السينوغرافيا من أجل بناء جسر يربط العرض بالصالة، ويربط الجمهور بالخشبة.
*كيف جرى رسم الأبعاد النفسية والفكرية للشخصيات على الورق لتبدو واقعية ومتحركة على الخشبة؟
خضعت الشخصيات لدراسات وتحليلات مستفيضة منذ مراحل الكتابة الأولى؛ حيث تم تفكيك النص وإعادة تركيبه مراراً. وبالمشاركة والتعاون مع المخرج وفريق العمل والممثلين، جرى التفكير في كل بُعد ونقل النص بصورة واعية تحسم الحالة النفسية وتمنحها حركيتها على المسرح.
*ما المشهد أو اللحظة الدرامية التي تطلبت منك مجهوداً مكثفاً أثناء كتابتها؟
لم تكن هناك لحظة بعينها بحد ذاتها، فالنص كان يتحرك منذ بدايته في مسار واحد وعلى الدرجة نفسها من التوتر. معالجة قضية عسيرة كالموت حين يتحول من حدث مرعب ومؤلم إلى أمر عادي ومألوف، كانت تفرض تحدياً ومجهوداً مستمراً طوال فترة الكتابة.
*كيف اتسمت الديناميكية بين النص والرؤية الإخراجية خلال فترة البروفات؟ وهل حدثت أي تعديلات فرضتها الممارسة المسرحية؟
العلاقة بين النص والتنفيذ العملي ليست علاقة صلبة، بل هي عملية ديناميكية متغيرة طوال فترة البروفات. النص المسرحي يتصرف كـ "كائن حي" يتطور ويتحرك مع التطبيق العملي؛ والتعديلات تفرضها الممارسة الفعلية بصفة مستمرة عبر التفاعل اليومي بين المؤلف والمخرج والممثلين.
تستلزم الرؤية الإخراجية إجراء تعديلات وتغييرات؛ سواء بفتح مساحات جديدة، أو حذف وإغلاق أجزاء معينة، أو نقل أحداث لمكان آخر خدمةً للإيقاع والحركة. الممارسة العملية وتجسيد الممثلين على الخشبة تفرضان تغييرات تمليها حركة الجسد وتفاعل المشاهد، مما يجعل النص في حالة جريان وتغير حتى يكتمل شكله النهائي أمام الجمهور.
* المسرح السعودي يشهد حراكاً لافتاً؛ كيف ترون موقع عرض "الناعشون" ضمن هذا المشهد والتطور الحالي؟
يندرح العرض ضمن نهضة شاملة تشهدها القطاعات الثقافية والفنية كافة في المملكة، حيث يوجد اهتمام كبير ومحاولات حثيثة لتقديم الأفضل. يأتي هذا بفضل الدعم المقدم من وزارة الثقافة، وهيئة المسرح والفنون الأدائية، إلى جانب الدعم الإعلامي والنقدي؛ وكلها عوامل تسهم في إيجاد حراك دائم ومستمر يسعى دائماً لتقديم المتميز والأجمل.
*ما الأثر أو التساؤل الرئيسي الذي تتمنون أن يخرج به المشاهد فور إغلاق الستار؟
أترك هذا للمتلقي نفسه؛ فالعمل المسرحي الذي لا يترك أسئلة في ذهن مشاهده هو عرض غير حي. أتمنى أن نكون قد أثرنا الأسئلة في عقل المشاهد لكي يحملها معه ويناقشها ويحللها.
* هل هناك خطة للمشاركة بالعرض في مهرجانات عربية أو دولية قادمة؟
بالتأكيد، فالعرض لا يزال حياً ومستمراً في رحلته، وسيقدم عروضه سواء على المستوى المحلي أو الخارجي، وهناك مشاركات قادمة بإذن الله.
* مشاركة العرض في المهرجان التجريبي، ماذا تعني للفنان فهد الحارثي؟
هذه هي المشاركة التاسعة لي في هذا المهرجان العريق، حيث ارتبطت به منذ بداياته الأولى؛ شاركت في ندواته الفكرية، وعروضه المسرحية، وحظيت بالتكريم في إحدى دوراته. المهرجان التجريبي له مكانة خاصة في وجداني؛ فيه نضجت تجربتنا وتكونت علاقة وطيدة بيننا وبينه، وأتمنى دوماً المشاركة فيه.

|