|
القاهرة 07 سبتمبر 2026 الساعة 08:17 ص

حوار: د. إنجي عبد المنعم
في إطار فعاليات الدورة الـ33 من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، أُقيمت جلسة حوارية سلطت الضوء على الحضور الدولي للمجلس الثقافي البريطاني، والفرص المتاحة للمبدعين ضمن منظومة مهرجانات إدنبرة. وعلى هامش هذه الفعالية، أُجري هذا الحوار الخاص مع كاثي كوستين، ممثلة المجلس الثقافي البريطاني بالمملكة المتحدة؛ لتكشف عن مبادرات المجلس في دعم الفنون الأدائية، وتجربة برنامج «EDIAD»، ورؤيتها للمسرح العربي والوسائط المعاصرة، فضلاً عن آلية الإدارة الفنية والاقتصادية لمنظومة إدنبرة.
* بدءاً.. كيف تقيمين طبيعة الدور الذي يضطلع به المجلس الثقافي البريطاني في دعم قطاع الفنون الأدائية؟
يمتد نطاق عملنا في المجلس الثقافي البريطاني ليشمل قطاعات متعددة كالتعليم واللغات والفنون. وفيما يخص الحقل الفني تحديداً، يتلخص هدفنا الجوهري في الانفتاح على مختلف الأشكال التعبيرية؛ لبناء جسور متينة وشبكات تواصل راسخة تجمع بين المؤسسات والمبدعين في المملكة المتحدة ونظرائهم عبر دول العالم.
* ظل برنامج "Edinburgh Showcase" حجر زاوية لسنوات طويلة في إدنبرة.. ما التحولات التي طرأت على هذا المسار؟
بالفعل، دأب المجلس على تنظيم برنامج "Edinburgh Showcase" لما يقرب من عقدين، حيث مثّل منصة لاستقطاب القائمين على البرمجة الفنية من مختلف الأرجاء لمشاهدة نتاجات المسرح والرقص البريطاني، وتسهيل جولاتها العابرة للحدود. غير أن تداعيات جائحة كورونا وما تلاها من ضغوط اقتصادية أدت إلى وقف البرنامج.
هذا التوقف دفعنا لإعادة صياغة دورنا، والبحث عن آليات مبتكرة لخلق مساحات تفاعلية تحتضن المبرمجين الدوليين، وتتيح لهم الاطلاع المباشر على الحراك الراهن للفنون الأدائية البريطانية، واختيار ما يتلاءم مع مجتمعاتهم وجماهيرهم المحلية.
* وما أهمية هذا المعايشة المباشرة بالنسبة للمبرمجين الدوليين؟
تستند البرمجة الفنية إلى ركيزة أساسية؛ وهي أن المبرمج يستصعب اتخاذ قرار باستضافة عمل ما دون معاينته حياً على خشبة المسرح. ومن هنا تنشأ الفجوة بين وجود تظاهرات كبرى كمهرجانات إدنبرة، وبين قدرة المبرمجين في البلدان المختلفة على الوصول لتلك العروض والالتقاء بصناعها.
* ومن هذا المنطلق وُلد برنامج «EDIAD»؟
بالتأكيد، أطلقنا برنامج الوفد الدولي للفنون الأدائية بإدنبرة (EDIAD) عام 2023. يضم البرنامج سنوياً نحو 25 قيّماً فنياً ومبرمجاً ومنتجاً، إلى جانب ممثلين عن وكالات المهرجانات واكتشاف المواهب من شتى دول العالم، لقضاء أسبوع مكثف في إدنبرة بالتعاون مع جمعية مهرجان "فرينج" ومهرجان إدنبرة الدولي.
ويتجاوز طموح البرنامج حدود مشاهدة العروض البريطانية، إذ يمثل فرصة استثنائية لتأسيس شبكات تواصل دولية وتبادل الخبرات بين المبرمجين أنفسهم، بمشاركة ممثلين من بلدان متعددة مثل أوكرانيا، اليابان، كازاخستان، الهند، الصين، لبنان، مصر، والأردن.
* كيف توضحين التباين بين المهرجانات المتعددة التي تحتضنها إدنبرة؟
مصطلح "مهرجانات إدنبرة" يُعبر عن منظومة متكاملة من الفعاليات التي تتزامن في المدينة ذاتها. فعلى سبيل المثال، يتسم مهرجان "Edinburgh Festival Fringe" بكونه المهرجان المفتوح الذي لا يخضع لانتقاء مسبق؛ وقد شهدت دورته الأخيرة تقديم أكثر من 4 آلاف عرض ينتمي لـ77 دولة عبر 61 ألف عرض أدائي توزعت على 360 موقعاً، وبُيعت له نحو 3 ملايين تذكرة.
في المقابل، يرتكز "Edinburgh International Festival" على الانتقاء الفني الدقيق والبرمجة الصارمة، متضمناً فنون الموسيقى الكلاسيكية، الأوبرا، المسرح، الرقص، والسيرك.
* ما المعايير التي ينبغي للمبدعين إدراكها لضمان تجوال أعمالهم دولياً؟
من واقع متابعتي الميدانية للعروض، أصبحت أنظر للعمل الإنتاجي بمنظور مختلف. بات من الضروري الاستناد إلى مفهوم "قابلية العمل للتجوال" (Tourability)، أي البحث عن نتاجات يمكن نقلها وإعادة تقديمها ضمن سياقات دولية وإمكانيات لوجستية ميسرة؛ كأن تعتمد على عدد محدود من المؤدين وعناصر سينوغرافية وتقنية غير معقدة، مما يذلل عقبات الشحن والإنتاج والاستضافة لدى المهرجانات.
* يُلاحظ اهتمامكِ الملموس بالمنطقة العربية وأفريقيا.. ما الذي يضيفه لكِ التواجد في مهرجانات إقليمية مثل «دي-كاف» بالقاهرة؟
يتركز نطاق عملي بشكل خاص على الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء. وحضوري للمهرجانات الإقليمية يتيح لي معاينة أعمال أكثر، والاقتراب من تجارب الفنانين وخلفياتهم الثقافية والجمالية.
الأهمية الحقيقية تكمن في الحوار المباشر مع المبدع، واستكشاف تطلعاته المستقبلية جنباً إلى جنب مع مشاهدة العرض؛ وهو ما يعين المبرمجين الدوليين على تقصي المساحات المشتركة بين ما يُنتج هنا في المنطقة وما يمكن استقباله في المملكة المتحدة.
* في ظل التحولات الفكرية والسينوغرافية المعاصرة، كيف ترين قدرة المسرح العربي التجريبي على التحرر من الأطر المحلية والحوار مع الجمهور والمبرمج الغربي؟
يمتلك المسرح التجريبي في المنطقة العربية ثراءً لافتاً في معالجته للقضايا الاجتماعية والذاكرة البصرية، وهو ما يجعل المنتج المسرحي محط أنظار المهرجانات الدولية. إن النجاح في الوصول إلى المتلقي الغربي يتحقق من خلال إعادة صياغة الهوية المحلية بلغة بصرية وسينوغرافية حداثية تتجاوز منطق اللفظ. فعندما يرتكز المخرجون على التعبير الحركي، التشكيل الجسدي، والحلول الذكية في التعاطي مع الفضاء المسرحي، تكتسب التجربة بعداً إنسانياً عالمياً يتجاوز حدود اللغة ويتفاعل معه المبرمج والمشاهد في أي مكان.
* طرحتِ خلال الندوة مفهوم «التنافس التعاوني».. كيف يُشكل هذا المفهوم المحرك الأساسي لمنظومة إدنبرة؟
نموذج «Co-opetition» أو "التنافس التعاوني" هو العصب الحيوي لنجاح إدنبرة؛ حيث تحتفظ المهرجانات بخصوصيتها وهويتها المستقلة، بينما تتضافر جهودها لتعزيز القوة التنافسية الكلية للمدينة.
يتجلى هذا التنسيق في وجود قيادة مشتركة، وفرق عمل تتكامل عبر المهرجانات في مجالات البرمجة، التسويق، الاستدامة البيئية، والتكنولوجيا. هذا الهيكل يمنح إدنبرة ثقلاً تفاوضياً كبيراً أمام مؤسسات التمويل، ويضعها في صدارة المدن الثقافية عالمياً في مواجهة حواضر كبرى مثل أديلايد ومونتريال.
* تشهد الفنون الأدائية اليوم تداخلًا مكثفاً مع الوسائط الرقمية.. هل ترين أن هذه الوسائط تُغني التجربة أم تُهدد "حرارة العرض الحي"؟
تعد التقنيات الرقمية أدوات وتعبيرات تُضاف إلى المخيلة الإبداعية وتتكامل مع الفعل المسرحي الحي. المسرح في جوهره يقوم على المواجهة المباشرة والتفاعل اللحظي بين المؤدي والجمهور في الفضاء نفسه، وهناك طاقة حية تعجز الشاشات عن تعويضها. ومع ذلك، فإن التجريب الذكي للوسائط التكنولوجية والسينوغرافيا الرقمية يفتح أبعاداً تعبيرية جديدة لبناء عوالم مرئية مبتكرة، والمحك دائماً هو ألا تطغى التقنية على الفكرة الإنسانية وحرارة التجربة المسرحية.
* ما المردود الاقتصادي لهذه المنظومة الفنية والإبداعية؟
تُمثل المهرجانات منظومة اقتصادية وسياحية متكاملة تتعدى أبعادها الجانب الفني والتنويري. وتُظهر أحدث البيانات أن مهرجانات إدنبرة تُحقّق عائداً اقتصادياً صافياً يُقدر بنحو 558 مليون جنيه إسترليني سنوياً لمدينة إدنبرة.
* ختاماً.. ألا يعكس هذا العائد الاقتصادي الضخم تحول المسرح إلى "صناعة استثمارية" تُغير من غايته الثقافية الأصيلة؟
العائد الاقتصادي والتنموي يتكامل مع القيمة الفنية ويشكل السند الكفيل بديمومتها؛ فالمسرح يحتاج دائماً إلى بيئة لوجستية واقتصادية متماسكة تحمي استقلاليته وتعزز مرونة المبدعين. يكمن نجاح تجربة إدنبرة في هذه المعادلة الذكية: استثمار الفنون لتغذية الاقتصاد المباشر، وإعادة استثمار هذا المردود في دعم التجريب وتوفير الحضانة اللازمة للأفكار الشابة والرؤى الجريئة التي تُبقي شعلة المسرح متقدة دائماً.
|