|
القاهرة 07 سبتمبر 2026 الساعة 08:06 ص

كتبت: د. إنجي عبد المنعم
تصوير: هبة عبد الوهاب
* استحضار الأسطورة برؤية عصرية.
تتلاشى الحدود بين الجغرافيا والأساطير القديمة لتفسح المجال أمام لغة بصرية وجسدية مغايرة، حيث التقى الجمهور بتقديم لافت للعرض المسرحي "حديقة الهسبيريدس" (The Garden of the Hesperides) على خشبة مسرح الهناجر، ضمن فعاليات الدورة 33 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي برئاسة الدكتور سامح مهران. وفي هذا العمل المشترك بين إسبانيا والمغرب، تحت قيادة المخرجة أليسيا سوتو، غادرت التجربة المسرحية منطقة التكرار التقليدي لأسطورة حوريات التفاح الذهبي، لتبني بدلاً من ذلك استعارة رمزية غائرة في العمق، تحول الجغرافيا الأسطورية الممتدة بين شبه الجزيرة الأيبيرية وجبال الأطلس إلى فضاء داخلي كاشف لعوالم المرأة، ومواجهتها للظلام والهموم اليومية في رحلة شاقة نحو الانبعاث والتصالح مع الذات.
* الجسد لغةً تعبيريةً بليغة
تجلّى الجسد كبطل حقيقي ولغة تعبيرية أساسية تجسد تجربة السعي نحو الأمان وسط الظلام. فمن خلال حركات مدروسة ومعبرة قدمها فريق الأداء الذي ضم لورينزا دي كالوجيرو، بالوما كالديرون، سناء عسيف، إستر لوزانو، وأليسيا سوتو، نقلت الراقصات مشاعر متنوعة تتدرج من الضعف والاستسلام في البداية لتصل إلى القوة والمقاومة في النهاية. بدت الأجساد حالة ناطقة تعبر عن صراعات داخلية وخارجية، وعن تحولات نفسية عميقة تتجاوز التعبير السطحي، حيث تحول التفاح الذهبي الأسطوري حركيًا إلى بحث دؤوب عن لحظة راحة وقدرة على الاستمرار والبقاء، معتمدة على توظيف أجزاء الجسد كالشعر والقبضات والأرجل بدلالات رمزية مكثفة.
* التكامل الفني يعزز التجربة المسرحية
امتدت قوة العرض لتشمل كافة العناصر الفنية الفاعلة في تكوين الصور الحالمة واللغة الشعرية على الخشبة. جاءت السينوغرافيا بسيطة، تاركة مساحة واسعة لجسد الممثل وصوته وحركته بعيدًا عن الاستغراق في التفاصيل الزائدة، بينما لعب تصميم الإضاءة للمبدع ميغيل أنخيل كاماتشو دورًا حيويًا في إبراز تعبيرات الراقصات وتأكيد العلاقة المباشرة بين تجربة الظلام والانبعاث نحو النور. أما الموسيقى الأصلية المعبّرة للفيليبيني-المغربي عبد الله م. حساك، فقد شكّلت مع الأزياء المصممة من إليسا سانز نسيجًا دراميًا متكاملاً مزج بين الغربي والشرقي والتراثي والمعاصر، مما أضفى عمقًا ثقافيًا ووجدانيًا على الفضاء المسرحي.
اتسم البناء الدرامي للعرض بالتميز والترابط، متكئًا على نص صيغ بتعاون بين أليسيا سوتو، خوليو مارتين دا فونسيكا، كارمن ساموديو كوستينا ونصوص لكاتبات متعددات، حيث سارت الأحداث في خطين متوازيين: خط جماعي يمثل هموم النساء وتحديات المجتمع، وخط فردي يمثل رحلة المرأة نحو التحرر. وشكّلت المقاطع المونولوجية حلقة وصل هامة بين هذين الخطين لتعكس تطور الوعي الإنساني، حتى جاء المشهد الختامي ليتوج هذه الرحلة باحتفال كامل بالحياة، مؤكدًا أن حديقة الهسبيريدس فضاء داخلي خاص تصنعه كل امرأة لنفسها كي تحلم وتستريح وتروي عطشها وتبني عالمها الخاص.



|