|
القاهرة 06 سبتمبر 2026 الساعة 03:20 م

كتبت: إيمان السباعي
تصوير: هبة عبد الوهاب
* سعد أردش في عيون تلاميذه.. علمٌ وإنسانيةٌ ومسرحٌ لا يغيب.
* محمد زعيمة وأيمن الشيوي يستعيدان حكايات الأستاذ الذي اكتشف المواهب، ودافع عن طلابه، وصاغ رؤيته للفن باعتباره موقفًا ومسؤولية.
ربما تكشف التفاصيل الصغيرة عن الأستاذ أكثر مما تكشفه المناصب والألقاب. محاضرة يتابعها بعد انتهائها، طالب يدافع عنه، باحث يرشده إلى موضوع، أو ممثل يدفعه إلى أقصى طاقته خلال البروفة.
في حكايات الدكتور محمد زعيمة والدكتور أيمن الشيوي عن سعد أردش، تتشكل صورة الأستاذ الذي منح تلاميذه المعرفة، وعلّمهم كيف يتحملون مسؤوليتها، وكيف تتحول الموهبة إلى مشروع، والفن إلى موقف، والتعليم إلى رسالة.
جاءت الشهادتان ضمن ندوة «رد الجميل»، التي أقيمت في إطار فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، احتفاءً بذكرى سعد أردش، أحد أبرز رموز المسرح المصري والعربي، وصاحب إسهامات ممتدة في المسرح والحركة الأكاديمية وتكوين أجيال من الفنانين والباحثين.
* محمد زعيمة.. «تعلمنا منه العلم والإنسانية والإدارة»
اختصر الدكتور محمد زعيمة أثر سعد أردش في ثلاثة أبعاد، قائلًا: «تعلمنا منه العلم، وتعلمنا منه الإنسانيات، وتعلمنا منه الإدارة».
ويعود زعيمة بذاكرته إلى أواخر ثمانينيات القرن الماضي، عندما شاهد أحد عروض سعد أردش المسرحية.
كانت التجربة كافية لأن تترك داخله انطباعًا كبيرًا، وتدفعه، وهو في بداية شبابه، إلى أن يحلم بأن يصبح مخرجًا مثله.
ومع مرور السنوات، اكتشف زعيمة جانبًا آخر من شخصية أستاذه؛ قدرته على اكتشاف الطاقات الشابة ودعمها، دون تمييز بين الأقسام أو التخصصات.
كان يبحث عن الطالب المجتهد، وصاحب الرغبة الحقيقية في التعلم والعمل.
وأتاح سعد أردش لعدد من الشباب فرصًا للعمل والتدريس في بداية حياتهم الأكاديمية، وكان حريصًا على إعدادهم وتأهيلهم ليصبحوا أساتذة قادرين على تحمل المسؤولية.
ويستعيد زعيمة تجربة تعليمية مميزة؛ فقد كان أردش يتابع أداء معاونيه بعد انتهاء المحاضرة، ثم يحلل معهم ما قدموه، ويوجههم في كيفية إعداد المحاضرة، وضبط الوقت، والتعامل مع الطلاب والأسئلة.
وكانت هذه التجربة من أهم ما تعلمه في بداياته الأكاديمية؛ إذ علمه سعد أردش أن التدريس يتطلب إعدادًا جيدًا، وفهمًا لطبيعة الطالب، وقدرة على التواصل معه، إلى جانب تقديم المعلومات.
وخلال مرحلة الدراسات العليا، اقترح عليه سعد أردش موضوعًا بحثيًا، تطور مع مرور السنوات ليصبح أحد أبحاث ترقيته إلى درجة أستاذ مساعد.
ويرى زعيمة في ذلك نموذجًا لقدرة أستاذه على اكتشاف إمكانات طلابه وتحفيزهم على البحث والتفكير.
كما يؤكد أن سعد أردش كان منحازًا إلى طلابه والباحثين الجادين، ويدافع عن حقوقهم داخل المجالس واللجان العلمية.
ويستعيد موقفًا تدخل فيه الأستاذ بنفسه لتجاوز عقبة واجهته في مشروعه البحثي، وهو موقف كشف له جانبًا آخر من شخصيته: «سعد أردش الإنسان»، الذي كان مستعدًا للدفاع عن طلابه طالما كانوا أصحاب حق، ومساعدتهم على تجاوز العقبات التي قد تعترض طريقهم العلمي.
* المخرج الذي يصنع الدهشة
وعن سعد أردش المخرج، يؤكد زعيمة أنه كان صاحب قدرة كبيرة على التجديد وصناعة الدهشة، رغم ما قد يوحي به مظهره الكلاسيكي.
كان يمتلك رؤية فنية متجددة انعكست في عروضه التي تركت أثرًا كبيرًا لدى أجيال من المسرحيين.
ولهذا اتسمت تجربته بالبحث والمغامرة والتجديد، وابتعدت عن القوالب التقليدية.
واختتم محمد زعيمة شهادته بالتأكيد على أن سعد أردش كان معلمًا وإنسانًا ترك أثرًا ممتدًا في تلاميذه، وأسهم في صناعة أجيال من الفنانين والأكاديميين الذين حملوا جانبًا من رؤيته ومنهجه.
* أيمن الشيوي.. «أب وأستاذ ومعلم»
أما الدكتور أيمن الشيوي، فكانت علاقته بسعد أردش، بحسب وصفه، حالة خاصة تجاوزت حدود العلاقة التقليدية بين الأستاذ وتلميذه.
قال عنه إنه كان «أبًا وأستاذًا ومعلمًا».
والمفارقة أن الشيوي لم يكن من الطلاب الذين يدرسون على يديه خلال مرحلة البكالوريوس، ولم يكن ضمن مجموعاته الدراسية.
ومع ذلك، تبناه سعد أردش علميًا وإنسانيًا منذ سنوات الدراسة.
كانت البداية عقب عودته من أداء الخدمة العسكرية، عندما واجه مشكلة بسبب تأخره عن الدراسة، ووصل الأمر إلى رفض أحد الأساتذة دخوله أحد الدروس.
وحين علم سعد أردش بما حدث، تدخل فورًا، مؤكدًا أن أداء الخدمة العسكرية واجب وطني، وأن الطالب يستحق فرصة لتعويض ما فاته، وتكليفه بما يثبت جدارته، والحصول على حقه إذا حقق النجاح.
كان ذلك الموقف بداية علاقة قوية جمعت الشيوي بأستاذه.
دعم سعد أردش وتشجيعه دفعاه إلى مزيد من الاجتهاد، حتى حصل على تقديرات «امتياز» خلال سنوات دراسته اللاحقة.
ثم واصل أردش دعمه خلال مرحلة الدراسات العليا، وعمل معه لسنوات طويلة، تعلم خلالها معنى الفن والإخراج والتمثيل.
وخلال تلك السنوات، اكتشف الشيوي في أستاذه نبعًا عميقًا للفن، وفنانًا صاحب رؤية وفكر وأيديولوجية واضحة.
* «الفنان دائمًا على يسار المجتمع»
ومن بين أهم الأفكار التي تعلمها الشيوي من سعد أردش مقولته:
«الفنان دائمًا على يسار المجتمع».
ويوضح الشيوي أن أردش كان يقصد بها انحياز الفنان إلى الفقراء والمهمشين والشعب، وموقفه الدائم في مواجهة القهر والظلم، دفاعًا عن قيم العدل والحق والخير والجمال، بعيدًا عن المعنى السياسي الضيق للمقولة.
كانت هذه الرؤية إحدى القواعد التي بنى عليها سعد أردش منهجه الفني والتعليمي؛ فالفنان يرتبط بمجتمعه، والفن الحقيقي يحمل موقفًا إنسانيًا وأخلاقيًا تجاه الإنسان.
* «الحقني يا أيمن».. درس آخر في البروفة
وفي العمل مع الممثل، كان لسعد أردش منهج خاص.
كان يضغط على الممثل فنيًا، ويختبر قدراته من مختلف الاتجاهات، ويدفعه إلى أقصى طاقته، حتى يصل إلى مرحلة جديدة من الاكتشاف والتطور.
ويتذكر الشيوي إحدى عباراته الشهيرة التي كان يرددها له خلال البروفات: «الحقني يا أيمن».
عبارة يقول الشيوي إنها لا تزال ترن في أذنيه حتى الآن.
كانت تعني انتهاء مرحلة من العمل، وانتقال المسؤولية إليه لاستكمال مرحلة جديدة، قبل أن يعود سعد أردش مرة أخرى لمتابعة المشروع وتطويره.
وفي الصورة الأوسع، يؤكد الشيوي أن سعد أردش كان فنانًا ومفكرًا ومعلمًا أسهم في تأسيس أقسام المسرح داخل الجامعات المصرية وعدد من الدول العربية، وخرّج أجيالًا من المسرحيين الذين انتشروا في مختلف أنحاء الوطن العربي.
* إرث يمتد من قاعة الدرس إلى خشبة المسرح
بين شهادة محمد زعيمة وشهادة أيمن الشيوي، تتسع صورة سعد أردش لتشمل الأستاذ والمخرج والمفكر والإنسان.
كان يكتشف الطاقات الشابة، يمنحها الفرصة، يتابع أداءها، يدافع عن الباحثين الجادين، ويختبر الممثل حتى يصل إلى أقصى إمكاناته.
وفي الوقت نفسه، حمل تصورًا واضحًا لدور الفنان وعلاقته بالمجتمع، وآمن بأن الفن يرتبط بالإنسان وقضاياه.
ولهذا يؤكد تلاميذه أن قيمة سعد أردش ستظل حاضرة فيهم وفي الأجيال التي تعلمت على يديه، باعتباره واحدًا من رموز المسرح المصري والعربي، وصاحب تجربة فنية وأكاديمية وإنسانية تركت أثرًا ممتدًا.
فقد يرحل الأستاذ، وتواصل دروسه الحياة في تلاميذه؛ في محاضرة يقدمونها، وبحث ينجزونه، وممثل يوجهونه، وموقف يتخذونه، وذاكرة تستعيد صوته بعد سنوات.
وهكذا يتحول «رد الجميل» إلى فعل متواصل، تكتبه الأجيال التي تعلمت من سعد أردش، وتحمل شيئًا من علمه وفكره وتجربته إلى من يأتي بعدها.


|