|
القاهرة 06 سبتمبر 2026 الساعة 03:12 م

كتبت: د. إنجي عبد المنعم
تصوير: هبة عبد الوهاب
في ندوة «رد الجميل» بمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.. شهادات تستعيد الأستاذ والمفكر والمخرج الذي صنع أجيالًا من المسرحيين.
بعض الأسماء لا تغيب حين يرحل أصحابها، لأنها لا تعيش فقط في الكتب أو على خشبة المسرح، وإنما تستقر في ذاكرة تلاميذها، وفي تفاصيل حياتهم المهنية والإنسانية. هكذا بدا حضور الأستاذ الكبير والمخرج المسرحي سعد أردش خلال ندوة «رد الجميل»، التي أقيمت ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران.
جاءت الندوة احتفاءً بذكرى واحد من أبرز رموز المسرح المصري والعربي، ترك أثرًا ممتدًا في الحركة المسرحية والأكاديمية، وأسهم في تكوين أجيال من الفنانين والباحثين.
أدار الندوة الأستاذ الدكتور مدحت الكاشف، وشارك فيها الأستاذة الدكتورة رانيا فتح الله، والأستاذ الدكتور محمد زعيمة، والأستاذ الدكتور أيمن الشيوي، الذين قدموا شهادات إنسانية وفنية وأكاديمية عن أستاذهم، مستعيدين مواقفه معهم وتأثيره في مسيرتهم، إلى جانب إسهاماته الكبيرة في تطوير المسرح والتعليم الأكاديمي.
كشفت الشهادات الأربع صفحات من الذاكرة، وأظهرت كيف يمكن لأستاذ واحد أن يترك أثرًا مختلفًا في كل تلميذ، وأن تتحول المعرفة التي منحها إلى جزء من تكوين أجيال كاملة.
* مدحت الكاشف.. «جبل المعرفة» ومدرسة صنعت أجيالًا
استهل الأستاذ الدكتور مدحت الكاشف حديثه بالتأكيد على المكانة الاستثنائية للفنان والمفكر الكبير سعد أردش، واصفًا إياه بأنه «رجل المسرح والمفكر والمخرج والممثل وأستاذ الأساتذة والأجيال»، مؤكدًا أنه كان بحق «جبل المعرفة».
ستة عقود وأكثر من المسيرة جعلت سعد أردش، في رؤية الكاشف، مدرسة قائمة بذاتها. فقد أسهم خلالها في إثراء المسرح المصري والعربي، وكان معلمًا للأجيال، وصاحب ثقافة رصينة وفكر واعٍ، إلى جانب تجربته كمخرج وممثل.
ويرى الكاشف أن لقب «جبل المعرفة» هو الوصف الأقرب لأردش، الذي كان صرحًا فكريًا وثقافيًا أسهم في تشكيل ملامح المسرح العربي الحديث، وساهم في التعريف بالاتجاهات والأشكال المسرحية الجديدة، ومنها المسرح الملحمي ومسرح العبث.
وحتى السنوات الأخيرة من حياته، ظل سعد أردش منفتحًا على كل ما هو جديد، يستمع إلى الآراء المختلفة ويؤمن بالحوار. وكان مجرد الجلوس معه، كما يستعيد الكاشف، يمثل تجربة معرفية؛ إذ كان يطرح أسئلة تستفز الفكر وتدفع تلاميذه إلى البحث والتأمل في قضايا المسرح.
اتسمت علاقته بتلاميذه بالتواضع والقرب، حتى إن اللقاءات البسيطة خارج قاعات الدراسة كانت تحمل قيمة فكرية وإنسانية.
ترك رحيله فراغًا كبيرًا، وظل حضوره قائمًا فيما تركه من علم وفكر وتجربة وتلاميذ.
ومن هنا، رأى الكاشف أن استعادة سيرة سعد أردش تمثل محاولة لـ*«رد الجميل»* لفنان ومفكر ومعلم أسهم في صناعة أجيال من المسرحيين.
* رانيا فتح الله.. حين يصبح الأستاذ جزءًا من تكوين تلميذه
أما الأستاذة الدكتورة رانيا فتح الله، فجاءت شهادتها محملة بقدر كبير من الحب والامتنان.
وجهت الشكر لمن اختاروا عنوان الندوة «رد الجميل»، مؤكدة أهمية الاعتراف بفضل من سبقونا وتركوا أثرًا في حياتنا ومهنتنا.
وقالت إنها جاءت لتذكر جميل أحد أهم أساتذتها، الأستاذ الكبير سعد أردش، الذي كان له دور بارز في تكوينها العلمي والفني والإنساني، مؤكدة أن الحديث عنه بالنسبة إليها يمثل شهادة حب وامتنان لأستاذ ترك أثرًا عميقًا في حياتها.
كان سعد أردش مشرفًا على رسالتي الماجستير والدكتوراه، وكان دائمًا يوجهها إلى ربط البحث المسرحي بالواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وهو المنهج الذي كان له تأثير كبير في تكوينها العلمي وطريقة تعاملها مع البحث المسرحي.
كما شجعها على إصدار موضوع رسالة الماجستير في كتاب بعنوان «الاتجاه الملحمي في مسرح ألفريد فرج: دراسة في النص والعرض»، مشيرة إلى أهمية الكتاب بالنسبة إلى طلاب ودارسي علوم المسرح.
ذكرى من منزل سعد أردش
تحتفظ رانيا فتح الله بإحدى أكثر ذكرياتها تأثيرًا مع أستاذها خلال إعداد رسالة الدكتوراه.
فقد كان بصر سعد أردش قد ضعف في تلك الفترة، ولم يعد قادرًا على قراءة الأوراق، فكانت تزوره في منزله وتقرأ له ما كتبته، ليواصل توجيهها وتصويب مسارها العلمي.
وكان سعيدًا كذلك بربط موضوع رسالتها عن «الكوميديا» بالمتغيرات السياسية في مصر، في تأكيد على إيمانه بضرورة ارتباط الفن والبحث المسرحي بالواقع، وعدم التعامل مع الفن باعتباره منفصلًا عن المجتمع.
وترى فتح الله أن دعم سعد أردش كان يتجاوز نطاق تلاميذه المقربين، وينطلق من إيمانه الحقيقي بأهمية إعداد كوادر أكاديمية وفنية قادرة على تحمل مسؤولية الفن.
وتشير إلى دوره في دعم قسم المسرح بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، رغم ظروفه الصحية.
فقد كان أستاذًا أكاديميًا وفنانًا صاحب مشروع ورؤية لتطوير المسرح في مصر والعالم العربي.
وتستشهد بتجربته في إدارة مسرح الجيب، الذي جعله مساحة للتجارب المسرحية الطليعية والتعريف بالاتجاهات الحديثة، مع ربطها بالبيئة المحلية والهموم الاجتماعية.
كان سعد أردش يؤمن بأن التجريب الحقيقي يرتبط بالجذور، وأن المسرح يحتاج إلى التجدد المستمر حتى يظل حيًا وقادرًا على التعبير عن قضاياه.
كما كان مخرجًا مغامرًا خاض تجارب متنوعة بين مدارس واتجاهات مسرحية مختلفة، إلى جانب إسهاماته الفكرية، وفي مقدمتها كتابه «المخرج في المسرح المعاصر»، الذي يمثل أحد المراجع المهمة في دراسة الإخراج المسرحي.
وفي ختام شهادتها، أكدت رانيا فتح الله أنها جاءت لتقدم شهادة حب وامتنان لأستاذ ترك أثرًا عميقًا في حياتها، فمسيرته الفنية حاضرة ومعروفة، وكانت شهادتها تعبيرًا عن أثره الشخصي والعلمي في حياتها.
وقالت إنها تعلمت منه أن احترام الفن يبدأ باحترام الإنسان، وأن الموهبة تحتاج إلى العلم، وأن الإبداع يحتاج إلى مسؤولية.
كان بالنسبة إليها أكثر من أستاذ؛ كان صاحب فضل ومرجعًا وإنسانًا ترك أثرًا لا يزول.


|