|
القاهرة 06 سبتمبر 2026 الساعة 01:15 ص

كتبت: نهاد إسماعيل المدني
في إطار فعاليات المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته الثالثة والثلاثين، والمقامة تحت رعاية وإشراف الدكتور سامح مهران، استضاف مسرح الغد العرض المسرحي الألماني «أطفال اليوم» (The Children of Today).
العرض من إنتاج فرقة (Pinkmetalpetal Productions) بالتعاون مع مركز (HELLERAU) الأوروبي للفنون، قدّم تجربة بصرية وفلسفية مغايرة، تستكشف حدود التعبير الفني وجماليات الأداء في سياق يناهض المنظومات الرأسمالية، متخذاً من "المجهول" و"المستحيل" استعارة أيديولوجية لبناء عالم مسرحي يعيد التفكير في الفن والسلطة.
*فلسفة العرض: استدعاء التاريخ وتفكيك السلطة
ينطلق العرض من فكرة سينوغرافية ومفاهيمية تحاول التفتيش في الإمكانات التي يفتحها الفن حين يتحرر من الشروط والاقتصاديات التي تكبله. ويخوض العرض في عالم تتقاطع فيه أسئلة الفن والأداء مع التاريخ والسياسة عبر استدعاء شخصيتين أيقونيتين ينتميان لأزمنة متباعدة:
الراقص ومصمم الرقصات العالمي فاسلاف نيجينسكي والملكة المصرية كليوباترا السادسة.
من خلال هذه المقاربة، يضع العرض الحضور التاريخي للشخصيتين تحت المجهر؛ ليتساءل كيف للأنظمة الاجتماعية والقوى الاقتصادية والسلطوية أن تحدّ من أثر التجارب الإنسانية والفنية. ولا يكتفي العمل بالاستعادة التاريخية، بل يدمج معهما شخصية مفاهيمية ثالثة مستوحاة من الراقص ومصمم الرقصات الفرنسي "جيروم بيل"، تلعب دور الشاهد على تشكّل التاريخ، وتقود الجمهور عبر مسار العرض لتسليك خيوط العلاقة بين الفن والسلطة.
*الأحداث وصراع الخشبة: تساؤلات فلسفية وتفكيك للجدار الرابع:
على مستوى الأحداث والمجرى الأدائي، لا يعتمد العرض السرد التقليدي، بل يبني حركته على كثافة لغة الجسد كإعاقة للتحدث، متكاملة مع "الرفض المفاهيمي" الذي يجعل الجسد أداة لطرح الأسئلة وليس مجرد زينة بصرية أو استعراض.
يتحرك العرض عبر تساؤلات فلسفية واقتباسات صريحة، مثل: "هل على المؤدي أن يموت فوق خشبة المسرح؟" و*"هل على أي شيء أن يفعل أي شيء؟"*، متطرقاً إلى تفكيك العلاقات المركبة: بين الأب والابن، الجامد والحي، النص والجسد.
وفي واحدة من أبرز لحظات العرض دلالة على المفهوم التجريبي، لا يلتزم المؤديان بحدود الخشبة؛ بل يقتحمان قلب صالة الجمهور ليجلسا وسطهم، في محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين "المؤدي" و"المشاهد"، وإشراك الحضور أنفسهم في الحركة والرقص، مما يضع العلاقة المسرحية برمتها تحت الاختبار المباشر.
الرؤية البصرية: سينوغرافيا اختزالية، أزياء حيادية، وإضاءة "أدائية"
جاءت الرؤية البصرية للعرض متسقة تماماً مع طروحاته الفلسفية القائمة على التقشف والاختزال (Minimalism)، حيث يتجلى جوهر التجريب في أبهى صوره:
الديكور والفراغ: راهن العرض على مسرح عارٍ—تقريباً—من الديكور التقليدي. لم يكن الفراغ مجرد مساحة صامتة، بل تحول إلى شريك فاعل في صناعة المعنى، حيث يتحرك الجسدان بإيقاع دقيق متناغم يجسد الصراع مع الزمن والسكون.
رؤية الإضاءة (تنسيق: كريستين فيلدمان): خرجت الإضاءة من موقعها التقني الوظيفي لتصبح "فعلاً أدائياً" بحتاً؛ حيث يتحد الضوء مع حركة الممثلين، وتتفاعل الإضاءة البديلة كعنصر مبصر يغني عن الاقتصاد البصري، حتى تصل إلى لحظة تشتبك فيها الممثلة مع الضوء وكأنه شريك حركي على الخشبة.
رؤية الأزياء (تصميم: يوهانا شروندر): اعتمدت الأزياء على ألوان انحصرت في درجات (الأسود والرمادي)، لنسج حالة من الانسجام مع الفكرة الجمالية للعرض. جاء هذا الاختزال اللونى للتركيز على حركة الجسد وتجسيد الصراع دون تشتيت بصري.
التكنولوجيا والفيديو (إعداد: ألفونسين كوه): تداخلت التقنيات البصرية والفيديو والموسيقى لتخلق بنية متعددة العناصر يتداخل فيها الماضي بالحاضر.
*فريق العمل وصناع التجربة:
جاء هذا العمل الثري حصيلة تعاون فني وفكري دقيق بين نخبة من المبدعين:
الفكرة، الموسيقى، والإخراج: تشارلز أ. واشنطن (Charles A. Washington).
الكوريغرافيا والأداء المسرحي: تشارلز أ. واشنطن & إيولي كاسكاني (Ioli Kaskani).
تصميم الأزياء: يوهانا شروندر (Johanna Schroender).
التقنيات وتصميم الإضاءة: كريستين فيلدمان (Christin Feldmann).
الدراماتورجيا وإدارة الإنتاج: ألبا ت. ألفاريز (Alba T. Alvarez).
الفيديو: ألفونسين كوه (Alfonsine Koh).
الإنتاج: إنتاج مشترك بين Pinkmetalpetal Productions وHELLERAU – المركز الأوروبي للفنون، وبدعم من المؤسسة الثقافية لولاية سكسونيا (Kulturstiftung des Freistaates Sachsen).



|