|
القاهرة 06 سبتمبر 2026 الساعة 12:08 ص

كتبت: د. إنجي عبد المنعم
تصوير: هبة عبد الوهاب
يندرج العرض المسرحي الصيني «لياوتشاي: الذيل الأرجواني» (Liaozhai: Purple Tail)، الذي قدّمته فرقة مسرح «ووشي شيجو» على خشبة مسرح السلام ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، في خانة التجريب الذكي القائم على تفكيك التراث وإعادة تركيبه عبر رؤية إخراجية للشركاء تشانغ لي ويو سيهان. يخوض العرض، الممتد لـ 85 دقيقة، في المساحة الفاصلة بين العالم البشري وعالم الخوارق عبر حكاية بطلها العالم "تشياو شنغ" والفتاة الثعلبة "آزي"، حيث يتحول "الذيل الأرجواني" السحري الممنوح كرمز للامتنان إلى محرّك للصراع الأخلاقي ومأزق بين الحب والإغراء والقدر.
* جماليات السينوغرافيا والتجسيد الرمزي
تتجلى الجوانب الإيجابية للرؤية الإخراجية في القدرة على تحويل المفهوم التجريدي للرغبة إلى عناصر بصرية ملموسة. اعتمد الإخراج على لغة الجسد الدقيقة المستمدة من أصول أوبرا «شيجو» العريقة، مع تطعيمها بجماليات معاصرة تعتمد على التضاد الأسلوبي؛ فبينما يطغى الثبات والوقار الإمبراطوري على عالم البشر المتمثل في شخصية "باي يو" بملابسها الحمراء والخضراء ذات الخطوط الحادة، يتسم عالم الأرواح بخفة الحركة والانسيابية الحركية واللونية المتمثلة في الأزياء البنفسجية والبيضاء الخفيفة لـ "آزي" ورفيقها "جيوشوانغ". كما نجح المخرج في توظيف قطع ديكور خشبية بسيطة باللون الأحمر الصارخ تمثل الطاولات والمقاعد التقليدية، لتحويل الفراغ المسرحي بسهولة بين الغرفة البشرية وعزلة عالم الثعالب، مع التركيز على إضاءة بؤرية حادة تُبرز تعبيرات الوجوه المكياجية الدقيقة وتمنح الصراع النفسي عمقاً سينمائياً.
* فخ التجريد ووتيرة الصراع الممتد:
على الجانب الآخر، تجسدت الملاحظات السلبية أو النقاط التي شابت الرؤية الإخراجية في تغليب المباشرة التشكيلية على حساب التطور الدرامي المتنامي لبعض الشخصيات، حيث أدت المبالغة في الاعتماد على التشكيلات الأفقية والميلودراما التعبيرية الممثلة في رفع الأيدي الممتدة والأوشحة الحمراء إلى إبطاء وتيرة الإيقاع في المنتصف الثاني من العرض. إضافة إلى ذلك، فإن المبالغة في اختزال الصراع بين عالم البشر وعالم الخوارق عبر عناصر رمزية محدودة جعلت البطل "تشياو شنغ" يبدو في بعض المشاهد كعنصر سلبي محاط بتشكيلات حركية بدلاً من كونه المحرك الفعلي للمأزق الأخلاقي، مما أضعف من حدة التوتر بين خياراته البشرية المتمثلة في الزواج ورغبته الخارقة المتمثلة في الذيل.
* التجريب كجسر بين التاريخ والمعاصرة.
رغم هذه الملاحظات، يحسب للرؤية الإخراجية نجاحها في تحقيق المعادلة الصعبة للمسرح التجريبي؛ إذ لم يستنسخ العرض تقاليد مسرح «ووشي شيجو» التاريخي الممتد لأكثر من سبعة عقود كتحفة متحفية جامدة، بل أعاد صياغتها بروح شبابية استوعبت طاقات الممثلين الأربعة (هوي هايفنغ، لي مينغهنغ، تشو يان، وفينغ جياو). لقد أثبت العرض أن التجريب الفعال ينطلق من فهم عميق للتراث الحركي والشفاهي وتوظيفه لمخاطبة أسئلة الراهن حول الهوية والواجب والرغبة، بدلاً من القطيعة الشاملة مع التقاليد الأدائية.
* المسرح الصيني يرسخ حضوره التجريبي بالقاهرة.
يؤكد عرض «الذيل الأرجواني» على الدور المحوري الذي يلعبه مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي برئاسة الدكتور سامح مهران كمنصة لالتقاء التجارب المسرحية العالمية؛ إذ إن استضافة مثل هذه العروض القادمة من شرق آسيا تمكن الجمهور والنقاد العرب من الاطلاع على المدارس الأدائية الآسيوية الحديثة، كـ "أسلوب بينبين" و"أسلوب مي"، وفهم كيفية توظيف القضايا الأخلاقية والفانتازيا الشعبية ضمن قالب مسرحي يمزج بين الشمولية الإنسانية والخصوصية الثقافية الصينية.





|