|
القاهرة 06 سبتمبر 2026 الساعة 1:04 ص

متابعة: مروة مدحت
تصوير : هبة عبد الوهاب
حين تتحول الرغبة إلى قيدٍ داخلي
لم تكن مشاهدة العرض الصيني «Purple Tail»، الذي احتضنه مسرح السلام ضمن فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، مجرد متابعة لحكاية أسطورية عن عالم الثعالب، وإنما بدت التجربة أقرب إلى رحلة بصرية ونفسية في أعماق الإنسان، بحثًا عن تلك المنطقة الملتبسة التي تفصل بين الرغبة المشروعة والاستسلام الكامل لها.
منذ اللحظات الأولى، بدا واضحًا أن العرض لم يتعامل مع الأسطورة بوصفها حكاية مكتملة الأركان، وإنما أعاد تفكيكها وتوظيفها ليطرح سؤالًا إنسانيًا أكثر اتساعًا: هل يصبح الإنسان عبدًا لرغباته حين يمنحها مساحة أكبر من قدرته على السيطرة؟
تدور الحكاية حول تشياو شنغ، الشاب الذي يجد نفسه في مواجهة عالم الثعالب بعد أن يخاطر بحياته من أجل إنقاذ فتاة مريضة، ويخوض رحلة بحث عن الأعشاب اللازمة لعلاجها.
وفي خضم هذه الرحلة، يتلقى «الذيل الأرجواني»، الذي بدا في البداية كأنه هدية تحمل وعدًا بالسعادة وتحقيق الأمنيات، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى عبء يفرض وجوده على صاحبه ويكشف الجانب الخفي من رغباته.
وهنا نجح العرض في نقل الصراع من مستواه الحكائي إلى مستوى أكثر عمقًا؛ فالذيل لم يعد مجرد عنصر عجائبي ينتمي إلى عالم الثعالب، بل أصبح تجسيدًا ماديًا للرغبة الإنسانية ذاتها. كلما ازداد ارتباط تشياو شنغ به، بدا وكأنه يبتعد خطوة جديدة عن ذاته الأولى، ويتحول من إنسان بسيط ومتوازن إلى شخصية أكثر تورطًا في الطموح والشهوة والرغبة في امتلاك ما يتجاوز حدود قدراته.
المسرح كمساحة للصراع الداخلي
أحد أبرز عناصر قوة العرض تمثل في قدرته على تحويل الخشبة إلى فضاء متحرك لا يستقر على دلالة واحدة.
فالمكان لم يُستخدم كخلفية للأحداث بقدر ما تحول إلى جزء أساسي من السرد المسرحي، وانتقلت الشخصيات داخله بين عوالم البشر والثعالب، وبين الواقع وما يشبه عالم الظلال.
وجاءت الإضاءة لتؤدي دورًا يتجاوز الجانب الجمالي، إذ ساهمت في خلق حالات نفسية متباينة، واستخدمت التحولات الضوئية للانتقال بين النهار والليل، وبين عالم الواقع والعالم الغرائبي.
كما شكل التركيز الضوئي على الشخصيات في بعض اللحظات وسيلة للكشف عن الصراع الذي كان يدور داخلها.
ولم يكن حضور اللون مجرد اختيار تشكيلي عابر؛ فالملابس البيضاء في بدايات رحلة تشياو شنغ عكست بساطته ونقاءه، بينما جاءت التحولات في مظهره وحركته وطريقة وقوفه واحتلاله للفضاء متزامنة مع تحوله الداخلي.
ومع تصاعد الأحداث، بدا الجسد نفسه وكأنه يسجل مراحل الانهيار النفسي للشخصية.
* الذيل الأرجواني.. بطل آخر على الخشبة
نجح العرض بصورة خاصة في تحويل الذيل الأرجواني إلى علامة مسرحية شديدة الكثافة.
ففي البداية ظهر باعتباره وسيلة لتحقيق الرغبات، لكنه سرعان ما أصبح رمزًا للجانب الخفي من الإنسان؛ ذلك الجزء الذي لا يراه الآخرون، لكنه يكبر في الداخل كلما استسلم صاحبه لإغراءاته.
ومن هنا اكتسب الذيل قيمته الدرامية الحقيقية. لم يكن الشر مفروضًا على تشياو شنغ من الخارج، وإنما كان موجودًا في داخله وقابلًا للظهور بمجرد أن وجد الوسيلة المناسبة.
وهذا ما جعل الصراع أكثر تعقيدًا؛ فالمواجهة لم تكن ببساطة بين الخير والشر، وإنما بين العقل والرغبة، الحرية والاستسلام، الإنسان وما يمكن أن يتحول إليه حين يفقد السيطرة على رغباته.
* الأداء.. الجسد يقول ما لا تقوله الكلمات
اعتمد العرض بدرجة كبيرة على الأداء الجسدي والإيماءات وحركة الممثلين، وهو اختيار بدا مناسبًا لطبيعته التجريبية. لم تكن الشخصيات بحاجة دائمًا إلى الحوار المباشر كي تشرح دوافعها؛ فقد تكفلت الحركة ونظرات العين ووضعيات الجسد وطريقة السير بتقديم جزء كبير من المعنى.
وبرز ذلك بصورة خاصة في شخصية تشياو شنغ، التي تغير أداؤها بالتوازي مع تحولها النفسي. فالشخصية التي ظهرت في البداية ببساطة وخجل وتواضع، بدأت تدريجيًا تكتسب قدرًا أكبر من الثقة والتحدي، قبل أن يصبح هذا التحدي نفسه مدخلًا إلى السقوط.
كما لعبت شخصيات الثعالب دورًا يتجاوز كونها شخصيات حكائية؛ فقد بدت أقرب إلى قوى رمزية تراقب الإنسان وتختبر اختياراته، وهو ما منح وجودها على الخشبة بعدًا فلسفيًا واضحًا.
* الموسيقى والصوت في خدمة الصورة
لم تكن الموسيقى والمؤثرات الصوتية منفصلة عن البناء البصري للعرض، وإنما جاءت جزءًا من منظومته التعبيرية.
وساهمت أصوات الرعد والتحولات الموسيقية في تصعيد الإحساس بالخطر، بينما عزز الصمت في بعض اللحظات من وطأة المواجهة الداخلية.
وكان توظيف الغناء والأداء الأوبرالي أحد العناصر التي منحت العرض خصوصيته، خصوصًا حين تراجعت الحركة الواقعية وتقدم الصوت ليصبح وسيلة للتعبير عن الحالة الداخلية للشخصيات.
وهكذا لم تعتمد الفرجة على الكلمة وحدها، وإنما تشكلت من الصورة والحركة والصوت والإضاءة واللون في بناء واحد، وهو ما يتوافق بوضوح مع طبيعة المسرح التجريبي الذي لا يضع النص في مركز العملية المسرحية على حساب بقية العناصر.
نهاية لا تقدم إجابة سهلة
بلغ الصراع ذروته عندما تحولت الهدية التي حملها الذيل الأرجواني في البداية إلى قيد حقيقي.
وفي اللحظة التي حاول فيها تشياو شنغ التخلص منه، لم يقدم العرض إجابة نهائية ومريحة، بل اختار النهاية المفتوحة.
وهذه النهاية بدت منطقية مع الفكرة الأساسية للعمل؛ فالتخلص من الرمز لا يعني بالضرورة التخلص من الرغبة التي يمثلها.
ولذلك ترك العرض المتلقي أمام سؤال أكثر إلحاحًا: هل يحتاج الإنسان فعلًا إلى قوة تحقق له رغباته، أم أن المشكلة تبدأ عندما يصبح تحقيق الرغبة أهم من القدرة على التحكم فيها؟
ولم يكن كسر الجدار الرابع في النهاية مجرد حيلة مسرحية، بل جاء امتدادًا طبيعيًا للفكرة، حين انتقل السؤال من شخصية تشياو شنغ إلى الجمهور نفسه، وكأن العرض أراد أن يقول إن «الذيل الأرجواني» ليس حكاية تخص شخصًا أو عالمًا خياليًا، وإنما شيء يمكن أن يحمله كل إنسان بداخله.
* تجربة تجريبية تعيد قراءة التراث
في النهاية، نجح «Purple Tail» في تقديم قراءة معاصرة لمادة تراثية وأساطيرية، دون أن يكتفي بإعادة سردها. فقد استخدم الأسطورة بوصفها نقطة انطلاق للتأمل في الطبيعة البشرية، وأقام جسرًا بين عالم الثعالب وعالم الإنسان، وبين الخيال والواقع، وبين الموروث والتجريب.
ورغم أن العرض كان يمكن في بعض لحظاته أن يكون أكثر اقتصادًا في بعض الإشارات البصرية والحركية، فإن قوته الأساسية جاءت من قدرته على تحويل فكرة مجردة مثل الرغبة إلى كيان مرئي يتحرك على الخشبة ويتضخم مع تطور الأحداث.
خرجت من العرض وأنا لا أتذكر الذيل الأرجواني باعتباره قطعة من عالم الحكاية بقدر ما أتذكره كصورة رمزية للإنسان حين يمنح رغباته سلطة أكبر من اللازم.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة التجربة؛ فـ**«Purple Tail» لم يسأل فقط: ماذا يحدث عندما يحصل الإنسان على ما يرغب؟ بل طرح السؤال الأصعب: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الحصول على ما يرغب فيه أهم من أن يظل حرًا؟
* الديكور: البساطة التي تتحول إلى علامة مسرحية
جاء الديكور في مجمله مقتصدًا ومجردًا، مع الاعتماد بصورة أساسية على مجموعة من الهياكل الخشبية أو المعدنية ذات اللون الأحمر، والتي ظهرت في أكثر من تشكيل داخل فضاء العرض. ولم يحاول الديكور بناء مكان واقعي متكامل بقدر ما سعى إلى تقديم علامات بصرية قابلة لإعادة التشكيل والتأويل.
ويبدو اللون الأحمر هو المفردة الأبرز في تصميم المكان؛ فظهوره في المقاعد والطاولات والهياكل المسرحية جعله يتجاوز وظيفته العملية ليصبح عنصرًا دلاليًا حاضرًا بقوة. وفي مقابل هذا الأحمر، جاء الفضاء الخلفي الأسود ليمنح العين مساحة من الفراغ ويجعل أجساد الممثلين وملابسهم أكثر بروزًا.
اللافت أيضًا أن بعض قطع الديكور لم تكن ثابتة الدلالة؛ فالكرسي أو الطاولة أو الهيكل الأحمر يمكن أن يتحول من مجرد قطعة أثاث إلى جزء من التكوين التشكيلي للمشهد. وهذا يتناسب مع طبيعة الإخراج الذي يميل إلى التجريد أكثر من المحاكاة الواقعية.
* الإضاءة: صناعة الحالة قبل صناعة المكان
الإضاءة كانت من أكثر العناصر قدرة على تشكيل المزاج العام للعرض. فقد اعتمدت على مناطق ضوئية محددة وسط عتمة واسعة، مع حضور واضح للأحمر والأزرق والبنفسجي، إلى جانب الضوء الأبيض أو الدافئ المسلط مباشرة على الممثلين.
في بعض اللحظات بدا الضوء الأحمر ممتدًا إلى أرضية المسرح، فخلق حالة مشحونة ودرامية، بينما منح الضوء الأزرق/البنفسجي المشاهد الأخرى إحساسًا أكثر هدوءًا وتجريدًا.
والأهم أن الإضاءة لم تكن وظيفتها مجرد كشف الممثل، وإنما كانت تعمل على عزل الشخصية عن الخلفية وتوجيه عين المتلقي. ففي المشاهد التي ظهر فيها عدد محدود من الشخصيات أمام خلفية سوداء، أصبح الجسد نفسه جزءًا من الصورة الضوئية.
كما أن الانتقال بين الإضاءة الدافئة والباردة ساعد على خلق تباين نفسي وبصري، خصوصًا مع الأزياء شديدة الزخرفة والألوان.
* الإخراج: كسر المسافة بين الخشبة والجمهور
من أكثر التفاصيل اللافتة في الصور أن الإخراج لم يحافظ دائمًا على الحدود التقليدية بين الخشبة وصالة المتفرجين. ففي إحدى اللقطات خرج أحد المؤدين إلى وسط الجمهور تقريبًا، وواصل الأداء بينهم.
وهذه الحركة تبدو ذات أهمية إخراجية؛ لأنها تنقل المتلقي من موقع المشاهد السلبي إلى موقع أقرب إلى المشارك في الحدث المسرحي. فحين يصبح الممثل وسط الجمهور، تتغير علاقة العين بالجسد، ويصبح المتلقي جزءًا من التكوين وليس مجرد متفرج عليه.
ويبدو أن المخرج اعتمد كذلك على التكوينات الجسدية والصور المسرحية (Tableaux)؛ فبعض اللقطات تبدو وكأنها لوحات متحركة، حيث تتجاور الشخصيات بأزياء مختلفة أمام الفراغ الأسود، بينما تتولى الإضاءة تحديد مركز الصورة.
وهناك أيضًا اعتماد واضح على المستويات الحركية؛ فالجلوس، والوقوف، والتمدد فوق قطع الديكور، والحركة في مواجهة الجمهور، كلها تصنع تنوعًا بصريًا داخل مساحة مسرحية محدودة.
ومن زاوية نقدية، فإن هذا الأسلوب يجعل الإخراج أقرب إلى المسرح التشكيلي/الفرجوي منه إلى الإخراج الواقعي التقليدي؛ فالصورة المسرحية أحيانًا تبدو مقصودة بذاتها، وليست مجرد نتيجة للحوار أو الحدث الدرامي.
* الملابس: هوية بصرية شديدة الحضور
الملابس هي ربما العنصر الأكثر لفتًا للنظر في العرض. فالأزياء تبدو مستلهمة بوضوح من الملابس التقليدية الآسيوية، وبالأخص التقاليد البصرية المرتبطة بالمسرح الصيني، مع الأكمام الطويلة، والطبقات المتعددة، والقصّات الواسعة، وأغطية الرأس والإكسسوارات المزخرفة.
وتتسم الملابس بدرجة عالية من الزخرفة والتفاصيل، خصوصًا في أزياء الشخصيات الرئيسية، حيث ظهرت التطريزات والنقوش والأقمشة اللامعة إلى جانب ألوان قوية مثل الأحمر والذهبي والأزرق والبنفسجي.
وفي المقابل، ظهرت شخصيات أخرى بأزياء يغلب عليها الأبيض أو الدرجات الفاتحة، وهو ما صنع تقابلًا لونيًا واضحًا بين الشخصيات.
وبالتالي لم تكن الملابس مجرد وسيلة لتعريف المتلقي بالشخصيات أو الزمن، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من بناء الصورة المسرحية.
ويُحسب لتصميم الأزياء أنه استفاد من حركة القماش نفسه؛ فالأكمام الطويلة والأقمشة المنسدلة تمنح حركة الممثل امتدادًا بصريًا، وتضاعف من تأثير الإيماءة، وهو أمر مهم جدًا في العروض التي تعتمد على الأداء الجسدي واللغة الإشارية.
القراءة النقدية العامة
إذا جمعتُ هذه العناصر الأربعة معًا، أجد أن العرض اعتمد على لغة بصرية أكثر من اعتماده على بناء واقعي للمكان.
فالأسود يمنح الفراغ، والأحمر يصنع العلامة، والإضاءة ترسم الحالة، بينما تتحول الملابس إلى لوحات متحركة فوق الخشبة.
وبهذا يصبح جسد الممثل هو مركز التكوين المسرحي، وتعمل عناصر السينوغرافيا من حوله على تأطيره وإبرازه.
ومن وجهة نظر المتلقي، كان من اللافت أن العرض استطاع أن يصنع عالمًا مسرحيًا واضح الهوية باستخدام عدد محدود من عناصر الديكور، وهي نقطة تحسب للتصميم والإخراج؛ لأن قوة الصورة لم تأتِ من كثرة التفاصيل، وإنما من العلاقة بين اللون، والجسد، والفراغ، والضوء والحركة.
ومن وجهي نظري لم يبحث العرض عن واقعية المكان بقدر ما بحث عن جماليات الصورة؛ فحوّل الديكور إلى علامات، والإضاءة إلى حالة، والملابس إلى امتداد لحركة الجسد، فيما بدا الممثل مركزًا لصناعة المشهد، سواء داخل الخشبة أو حين غادرها إلى قلب الجمهور.







|