|
القاهرة 01 سبتمبر 2026 الساعة 01:11 م

بقلم: د. هويدا صالح
ليس النهر في رواية الكاتب الكيني نغوجي وا ثيونغو "عند حدود النهر" مجرد مجرى ماء يشق جبال كينيا ويفصل بين جماعتين. منذ العنوان، يبدو النهر كأنه الشخصية الأكثر صمتًا في الرواية، حاضرًا في المشهد، لكنه يحمل في داخله المعنى كله. إنه الحد الفاصل بين ضفتين، بين رؤيتين للعالم، بين إيمان قديم ودين وافد، وبين مجتمع يحاول أن يحتفظ بما تبقى من صورته عن نفسه وقوة استعمارية لا تكتفي بالسيطرة على الأرض، بل تريد أن تعيد تشكيل الإنسان الذي يعيش عليها.
لهذا تبدو الرواية، التي صدرت عام 1965، أبعد من حكاية عن بدايات الاستعمار البريطاني في كينيا. إنها رواية عن الانقسام الذي يتركه الاستعمار وراءه في الوعي.
الاحتلال لا يحتاج دائمًا إلى أن يهدم البيت كي يغيّر أهله، يكفي أحيانًا أن يجعلهم يختلفون حول معنى البيت، ومن يملك الحق في تحديد شكله ومستقبله.
يختار نغوجي منطقة جبلية من موطن الكيكويو مسرحًا لروايته، حيث يصل المبشرون الأوروبيون محملين بالدين والتعليم، ويبدأ عالم قديم في مواجهة عالم جديد لا يعرف كيف يستقبله. لكن الجديد لا يدخل بوصفه قوة خارجية فقط؛ سرعان ما يجد طريقه إلى الداخل، إلى العائلة والجماعة والطقوس والعلاقات، ويعيد ترتيب مواقع الناس من بعضهم بعضًا. يفلح الاستعمار أن يقسّم المجتمع إلى جماعتين؛ واحدة تتمسك بموروث الأسلاف وترى في المسيحية تهديدًا لهويتها، وأخرى تنظر إلى الدين الجديد والتعليم باعتبارهما نافذة على عالم مختلف. ولا يمنح نغوجي أيًا من الطرفين براءة مطلقة، فالتشبث بالتقاليد يمكن أن يتحول إلى انغلاق، كما يمكن للانفتاح على الجديد أن يتحول إلى انفصال عن الجذور. وبين هذين الطرفين يتشكل التوتر الحقيقي للرواية.
في هذه المنطقة المعلقة يظهر واياكي، ليس واياكي بطلًا ثوريًا بالمعنى التقليدي؛ لا يحمل السلاح، ولا يبحث عن مواجهة مباشرة مع الرجل الأبيض. إنه يراهن على شيء أكثر هدوءًا وأبعد أثرًا.
يرى أن شعبه لن يستطيع مقاومة الهيمنة إذا ظل محرومًا من المعرفة، وأن بناء المدارس يمكن أن يكون فعل مقاومة بقدر ما تكون المواجهة السياسية المباشرة.ويصبح التعليم الأمل الذي يلوح في الأفق؛ ليخلّص المجتمع من نقاط ضعفه. لكن نغوجي لا يقع في فخ تمجيد التعليم باعتباره خلاصًا جاهزًا. فالتعليم نفسه جاء إلى المجتمع من بوابة الاستعمار والتبشير. ومن هنا تتولد المفارقة: الأداة التي يمكن أن تساعد المستعمَر على التحرر هي في الوقت نفسه واحدة من الأدوات التي يستخدمها المستعمِر لإعادة صياغة وعيه.
هذه المفارقة تمنح الرواية جانبًا كبيرًا من قوتها النقدية. فالمشكلة ليست في المعرفة، وإنما في من يملكها ومن يحدد معناها والغاية التي توجَّه إليها. ولذلك يصبح مشروع واياكي محاولة لاستعادة التعليم من يد القوة التي جاءت به، وتحويله من أداة للهيمنة إلى وسيلة لبناء الذات.
غير أن واياكي نفسه لا ينجو من التناقض.إنه يريد أن يجمع ما تفرق، وأن يصنع من التعليم طريقًا إلى الوحدة والحرية، لكنه يتحرك داخل مجتمع ممزق أصلًا. وكلما حاول أن يقف في المنتصف، بدا كأنه يقف فوق أرض لا تستقر تحت قدميه. إنه يريد أن يعبر النهر، لكن المشكلة أن الضفتين لا تريدان له أن يعبر.
وهنا تصبح شخصية واياكي أكثر تعقيدًا من مجرد "بطل مقاوم". فهو ابن عالمه، لكنه ليس أسيرًا له. يستمد قوته من تراثه، لكنه لا يريد أن يعيش داخله مغلقًا. يرفض الاستعمار، لكنه لا يرفض المعرفة التي جاء بها المستعمر. إنه ابن لحظة تاريخية لم يعد فيها ممكنًا العودة إلى الماضي، ولم يكن المستقبل قد اكتسب شكله بعد.
ولذلك فإن مأساة واياكي ليست في أنه اختار الطريق الخطأ فحسب، وإنما في أنه حاول أن يسلك طريقًا ثالثًا لم يكن المجتمع مستعدًا له. حتى الحب في الرواية لا يبقى خارج هذا الصراع. علاقة واياكي بنيوكي، الفتاة المنتمية إلى الجانب الآخر من الانقسام، تمنح الرواية بعدًا إنسانيًا لا يقل أهمية عن بعدها السياسي. فالعاطفة التي يفترض أن تجمع شخصين تتحول إلى مرآة للصراع الجماعي. وكأن نغوجي يقول إن الانقسامات الكبرى لا تظل في ساحات السياسة والدين، وإنما تتسلل إلى أكثر مناطق الحياة خصوصية، فتصل إلى الحب والأسرة والجسد والمصير الشخصي.
ومن اللافت أن نغوجي لا يرسم المجتمع المحلي باعتباره كتلة متجانسة تقف في مواجهة المستعمر. فهناك صراعات داخلية سابقة على الاستعمار، وهناك مصالح ومخاوف ورغبات مختلفة. والاستعمار، في جانب منه، لا يصنع كل هذه التناقضات، لكنه يعرف كيف يستثمرها ويعمقها.
النهر يمكن قراءته باعتباره استعارة للتاريخ الاستعماري نفسه. إنه يفصل، لكنه يكشف أيضًا أن الضفتين تنتميان إلى مجرى واحد. وما يبدو صراعًا بين عالمين هو، في الحقيقة، صراع داخل مجتمع واحد على تعريف المستقبل.
ومن هذه الزاوية، لا تبدو المسيحية في الرواية مجرد دين جديد، كما لا يبدو التعليم مجرد معرفة جديدة. كلاهما جزء من عملية أكبر لإعادة ترتيب العالم. فحين يتغير الدين تتغير علاقة الفرد بجماعته، وحين يتغير التعليم تتغير صورته عن نفسه وعن ماضيه، وحين تتغير اللغة التي يتعلم بها الإنسان يبدأ السؤال الأخطر: بأي لغة سيحكي قصته؟.
هذا السؤال سيصبح لاحقًا مركزيًا في مشروع نغوجي وا ثيونغو نفسه. فقد بدأ الكتابة بالإنجليزية، ثم عاد إلى الكيكويو، في موقف يرتبط برؤيته للاستعمار الثقافي ودور اللغة في استعادة الذاكرة والهوية. وبذلك يمكن النظر إلى «عند حدود النهر» بوصفها نصًا مبكرًا تتشكل داخله الأسئلة التي ستتسع في أعماله اللاحقة: من يملك المعرفة؟ من يملك اللغة؟ ومن يملك حق رواية تاريخ المكان؟
ولعل قيمة الرواية اليوم لا تكمن فقط في أنها تستعيد لحظة من التاريخ الكيني، وإنما في قدرتها على جعل تلك اللحظة قابلة للتأمل خارج حدودها الجغرافية. فكل مجتمع يمر بتحول عنيف يمكن أن يجد شيئًا من نفسه في هذا الصراع بين الماضي والمستقبل، وبين الحفاظ على الهوية والانفتاح على العالم، وبين الحاجة إلى التغيير والخوف من أن يكون التغيير نفسه شكلًا جديدًا من أشكال الهيمنة.
"عند حدود النهر" ليست رواية عن النهر بقدر ما هي رواية عن العجز عن العبور. الضفتان قريبتان، والماء بينهما ليس بحرًا، ومع ذلك تبدو المسافة شاسعة. وربما كان هذا هو جوهر المأساة التي أراد نغوجي أن يكتبها: ليس أصعب على الإنسان أن يعرف أن عالمه يتغير، بل أن يجد طريقة للعبور إلى العالم الجديد دون أن يفقد نفسه في الطريق.
وفي النهاية، لا ينتصر واياكي كما ينتصر أبطال الحكايات التقليدية، ولا تنتصر الجماعة، ولا يختفي النهر. يبقى الحد قائمًا، لأن المشكلة لم تكن في الماء، وإنما في البشر الذين جعلوا منه حدًا بينهم.إن الرواية لا تمنح القارئ حلًا مريحًا، بل تتركه أمام السؤال نفسه الذي ظل يطارد مجتمعات ما بعد الاستعمار: كيف يمكن بناء المستقبل من دون أن يصبح المستقبل استعمارًا آخر للذاكرة؟
|