|
القاهرة 01 سبتمبر 2026 الساعة 01:08 م

بقلم: محمد ناجى حبيشه
هناك مساحة واسعة بين الناقد والنص، فإذا دخل الناقد فى النص مباشرة يعتبر دخولاً غير شرعى. ويجب أن تعامل النص بما فيه من خواص. حيث الكتاب يظهر من عنوانه؛ بداية من الاهداء حين يقول : "إلى أبى الذى وهبنى للعلم وللتعليم وروح والدتى المحلقة فى سماء الكون، وإلى إخوتى وأبنائى ؛ وإلى شاعر سيناء وفارسها ..حاتم عبد الهادى. فتحية الوفاء من الشاعر لأمه وأبيه تُظهر طوية الشاعر؛ فالكلام يفوح منه الصدق والمحبة والوفاء.
لقد كان الأستاذ عبد الهادى محمد السيد يكتب قلبه؛ ونحن الاّن لسنا فى موقف نقد؛ ولكن البلاغة هى موافقة المقال لمقتضى الحال، والحال هو"عطر الأحباب" فى ذكرى شاعرنا المبجّل .
وإذا ما أردنا أن نقدم نبذة سريعة عن الشاعر/ عبدالهادي محمد السيد؛ فهو من مواليد سيناء عام 1934م . درس وتخرج في كلية الاّداب جامعة القاهرة؛ ثم عمل بوزارة الحربية بإدارة التجنيد ؛ وتدرج في الوظائف الحكومية فعمل مشرفًا على تهجير السكان في النوبة؛ وأشرف على الموظفين بمشروع السد العالي؛ ثم ترك وزارة الحربية؛ ثم هاجر أثناء فترة الاحتلال الاسرائيلي لسيناء؛ وسكن بالقاهرة والزقازيق؛ ثم استقر بمديرية التحرير بمحافظة البحيرة ؛ وعمل أمينًا عامًا للاتحاد الاشتراكي العربي؛ وعمل هناك مديرًا عامًا لمديرية الشئون الإجتماعية؛ ثم وكيلًا لوزارة الشئون الاجتماعية بشمال سيناء بعد عودة سيناء للسيادة المصرية عام 1979م .. كما تم تكريمه من عدة جهات. وله ديوان " قطوف من أوراق الحياة" الصادر عن هيئة قصور الثقافة؛ والديوان مكون من (36) قصيدة؛ تدور موضوعاتها في العديد من مناحى الحياة.
وسوف أقصر حديثي – هنا – عن المناسبات الوطنية والدينية وأهل العلم؛ وهي موضوعات تناولتها قصائد الشاعر .
أولا: القصائد الوطنية : وشاعرنا لم ينس مسقط رأسه " سيناء "؛ ولقد وصفها بأنها أرض الهدى والرسالات؛ ويتجلى ذلك في قصيدته " قصيدة عروس البلاد "؛ يقول : سيناء يا أرض الهدى بشراك الرب من عليائه أعطاك والبحر يجرى فى ربوعك مغدقًا ماء الحياة مسافرًا بثراك أنتِ ارتديتِ اليوم ثوبًا زاهيًا كل النجوم تلألأت بسماكِ. ولنا أن نلحظ رقة الكلمات : عروس البلاد...ماء الحياة..تلألأت. إنها نفس مشرقة ؛وسيناء فى حضرته يقول لها :" أنتِ ارتديت" فهى حاضرة ويخاطبها.
القصيدة الثانية : ذكرى عبد الناصر باسم "صقر العرب " : يا عين جودى بالدموع وودّعى بطل السلام محرر الأوطان هو للعروبة رمزها وملاذها هرمًا عظيمًا عالى الأركان لقد كان الشاعر رجلًا وطنيًا؛ قوميًا ؛ ولقد اتخذ من رمز "الصقر" – دليل الشموخ والعزة – سمة دالة على الرئيس ، الرمز؛ فعو رمز للعُلُوِّ والفخاروالقوة . وانظر إلى ربط اسم عبد الناصر برمز الحضارة، وهو الهرم.
القصيدة الثالثة : لقد تجلت العروبة في قصائد شاعرنا ؛ كما تجلت القومية العربية؛ واعتبار القضية الفلسطينية هي القضية المركزية للعرب والمسلمين بصفة عامة؛ ولمصر بصفة خاصة؛ ويتجلى ذلك في قصيدته : "دمعتان على خدّ فلسطين"؛ يقول : فلسطين أنتِ المُنى والأمل ونورُ الحياةِ وملء البصر وقُدسكِ يزهو على كلِ عصر فأنتِ السلامُ وبُعد النَّظَر فصهيون جاس بأرضك ُظلمًا حُرمتِ الهدوء وضوء القمر . ولتنظر إلى المقابلة بين الفعل "جاس"؛ وفيه معنى الفوضى؛ وبين"الهدوء، وضوء القمر" . فجاس تعنى الهجوم والعدوان، ويقابلها السلام ورمز الهدوء وضوء القمر ثم اختيار بحر المتقارب ؛ وهو بحر الحركة والقوة؛ وتأجيج المشاعر؛ وهذا يُذكّرنى بقول المتنبى : أنا ابن الفيافى .. أنا ابن القوافى أنا ابن السهول أنا ابن الرِعان والرعان هو أنف الجبل؛وترتبط بمعاني العزة والشموخ ؛ كما في القصيدة السابقة .
القصيدة الرابعة : وفي قصيدته : إلى روح الإمام "محمد متولي الشعراوى "؛ والتي أسماها...."البحر" ليدلل إلى فيضِ علمٍ؛ ورجاحة عقلٍ؛ وفيوضات الحكمة والمعرفة لفضيلة الشيخ الامام ؛ وتشبيهه بالبحر. والعنوان دلالي، والعلاقة بين النص والعنوان علاقة متحركة ؛ يقول: موسوعة الدين حيّا الله حاملها بحرٌ من العلم فيه لدُّرُ ألوان الِفقهُ شِيِمَتُهً .. والنَّحوُ صَنعَتُهُ واليُسرُ كَرْمَتُهُ .. تِبْرٌ وَمَرجَانُ ولننظر إلى الاستهلال الرائع ووصفع لفضيلة الامام بأنه "موسوعة الدِين...ثم الفقْه...ثم النحو"؛ فكأنّه هزّ بجذع النخلة، فساقطت عليه رُطبًا جَنيًّا ؛ والشاعر – كما يبدو – لديه نزعة دينية عالية نحو العلم والعلماء .
القصيدة الخامسة : وفى قصيدة : " من لى سواك مؤانس" يتحلى الشاعر بالحس الصوفيَ؛ عبر الأدعية الصوفية البحتة فى أوراد بعض الصالحين؛ حيث نورانية الكلمة؛ وصدق المشاعر الفطرية الجميلة؛ يقول : فيارب بالنور الذى أنت نُوره وأسمائك الحسنى تقبّل توبتى وبالعرشِ والكُرسِىّ والنور الذى عليه محمدٍ .. اغفرنّ خطيئتى. وبعد أن عرّجنا على بعض المناحى التى كتب فيها الشاعر أشعاره ؛ نرى أنّه لم يكن شيخًا جامد القلب؛ لايتذوق الغناء، ولكنه شدى بقصيدة يتغنى فيها ؛ مادحًا كوكب الشرق " أم كلثوم"؛ فيقول: صوتٌ شَجِىُّ هَزّ كُل كِيَانِى فنسيت حزنى وإنمحت اّلامى هو عبقرى الشرق تاج زمانه لحن البلاغة قد سرى بكيانى انظر سيدي؛ الى دقة اختيار الكلمات، فهو فى حالة غِناء....صوت شجِّى..هزّ...لحن البلاغة. ثم لنشاهد ونرى مثل تللك الحساسية اللغوية لشرح حالة الاستمتاع والبهجة ؛ وجمال الصوت الصادح في رُبى الكون والحياة . لقد كان رحمه الله ذوّاقًا ؛ راقى المشاعر، ورَقيقها .
القصيدة السادسة : وفي قصيدته " فى عيد سيناء"، نلمح العطر والحب والجمال حين يقول : عيد سيناء عَطّرَ اليومَ أرضًا وسماءً ويطلبُ الأمجادا فسيناء فى خيال الشاعر معطّرة فى الأرض؛ وكذلك معطّرة فى السماء ، إذ سيناء لها رائحة فوّاحة فى الأرض والسماء؛ فأى جمال هذا؟ وأى رقّة تلك؟ وأى حب وصدق نراه ؟!. القصيدة السابعة : وفي قصيدته "حَسّانُ سيناء" نلمح قيم الوفاء والحب لشيخٍ جليلٍ، وشاعرٍ فَذّ ، هو الشيخ "محمد عايش عبيد"؛ صديق الشعر والنوارس، والفراشات؛ يقول : حسّان سيناء ماذا يكتب القلم فى وصف أسطورة تسمو بها الهمم تغريدةٌ صاغها فى الروض عاطرة كأنها الدر والياقوت والعلم وهو – هنا – يحيلنا بكلماته المعبّرة عن شخصيّة من يكتب عنه؛ وعن علمه بإحالاتٍ عبقرية ، فهو يقول :" تغريدة صاغها" إشارة إلى ملحمة الشيخ محمد عايش عبيد فى مدح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ؛ حيث أسماها " تغريدة السيرة النبوية ".... ثم يحيلنا الى قامة شعرية مدحت الرسول، وكفّت ألسنة الكفارعن النبى وهو "حسان بن ثابت" – شاعر الرسول -؛حيث أوضح بأن الشيخ محمد عايش عبيد هو امتدادٌ لحسان بن ثابت، ليحقق مقولة النبى صلى الله عليه وسلم: " الخير فىّ وفى أمتى إلى يوم القيامة " صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وأخيرا أتسائلُ : هل انفصل الشاعر عن تراثه وحياة الناس؟! . وأقول : بكل تأكيد لا. فقد كتب عن " السامر السيناوى"، ولم ينفصل الشيخ عن بيئته ومجتمعه؛ .فتحدث عن السامر البدوى قائلا: يامرحبا بالحاشية..... يا بكرة ياشمالية صُفّى قدمك صفّيه... صفة القمحة الدبيّة بكرا ألقّي علي أهلكي كمنهم يدوكي ليا يا بكرة يللى صباحك.....زى اللبن فى الزبديّة ولقد جاءت هذه المقطوعة – على سبيل التضمين – حيث تحدث عن السامر وحركاته؛ وعن تراث أهلنا في سيناء .
وفى النهاية : وعبرهذه الإطلالة السريعة لسيرة الشاعر عبد الهادى محمد السيد، تشعر فعلاً بعطر الأحباب. فلم ألحظ كلمة واحدة قلقة، أو جافة، أو خشنة وقد كان كذلك دمث الخلق، ليّن الطباع ؛ فقد كان يكتب نفسه.
رحم الله الشاعر عبد الهادى محمد السيد، فقد كان أدبًا يمشى على الأرض. والآن : هل عرفتم سّر قوة العلاقة بينى وبين الشاعر حاتم عبد الهادى؛ ابن المُحْتفى به، مهما تباينت مواقفنا : فالعلم يكسو المرء أجمل حُلّة...والحب يشفى سائر الأسقام والحب هو هدية السماء للأرض، تصبّها فى كأس الحياة، لتُخفّفَ من مرارتها.
|