|
القاهرة 01 سبتمبر 2026 الساعة 01:06 م

بقلم: حمدي مهدي عمارة
الشِّعرُ الشَّعبيُّ أو شعرُ اللغةِ الدارجةِ ، أو ما يُسمى فى الأوساط الأدبية " بالشعر العامي " ، كُتب أو قاله الأجدادُ أو الأعمامُ أو الأخوالُ – بدْءًا - شفاهةً لتفهمه العامة ، فهو مرادف الحكاية الشعبية ؛ فى قالبها المموسق، فحكايات الجدات فى القرى لأحفادهن ، وحكايا النساء أمام كُوَّات أفران " العيش الشمسي " وحكايا الأمهات لأطفالهن ليسكتوا عن البكاء أو ليناموا وحكايا أفراد العائلة فى ديوانها وحكايا الأجداد فى ظلال اشجار النخيل أو ظلال الحوائط والسقيفات فى فصل الصيف أو مقابل شمس صباحات الشتاء حول رقعة السيجة الترابية ، كلها تعابير لغوية عن ضمير الجماعة الشعبية وعن آلامها وآمالها وحياتها اليومية المعاشة ، وهو الحقيق بصفة أو مصطلح " الشعر العامِّي " .
أما عَمَّنْ يريد أن يصُبَّ مشاهدَ حياته الخاصة : " أرستقراطية " كانت أم " نخبوية " أو مشاهد مستهلكة لحياة الأجنبى الغربى أو مفرداته هو " الطلسمية " فى قالب اللغة الدارجة ، فهذا من قبيل من أراد أن يستكتب فصيح الحروف ، فتمنَّعت الحروف عليه ، ومن أراد أن يستنطق لسانه العربية َ المبينة ، فسلطت غوايتها على مجمل بنانه ولسانه اللغة الدارجة ، فأضحى طاووسا يحجل على قائمي غراب ، فلا هو أجاد حين إعادته استهلاك مفردات ومصطلحات الحضارة الغربية المستوردة ، ولا هو أحسن إلى السواد الأعظم من بني جلدته ، حينما كتب نصوصه التى يسميها إبداعا شعريا عاميا ، فطوحت رؤوسهم ذات اليمين وذات اليسار ، إعجابا أو ردَّ جميل ، لتناوله قضاياهم أو تعبيره عن آلامهم وآمالهم فى حضرة المشهد الشعري بلُسُنِهم .
فإنْ كان هناك وصف لما أنتجه صاحب القلم المتقدم الذكر ، فهو الطلاسم الكلامية أو " الفوازير " التى تبهج كل متلق لما ينتجه اللاعبون بالكلمات ،والمهرة بتخطي حدود المجازات وتضفير العبارات ومحترفو نسج الأساطير حول مستجلب النظريات ،فما شأن " الشعبي " ب " يوتوبيا " أفلاطون ؟
وما شأنه ب " نظرية أرسطو" فى الشعر ؟ وما شأنه بكائنات الفضاء ؛ التى تسبح حول موقعه المتسامي فى برجه العاجي الذى شيده فوق ذروة سنام جبل إفرست ؟! أين الشعبية فى كل ذلك ؟ وأين الشعب البسيط الكادح تحت سياط صهد شمس الصعيد ؛ من خزعبلات ونظريات من يدَّعون زورا وبهتانا أنهم شعراء العامية فى بر مصر؛ الذى ما أوتي سواد قاطنيه الأعظم من التعليم والثقافة ؛ ما يؤهله لفهم مفردات نصوص هؤلاء ، أو ما يعيره النقاد فى نصوصهم التفاتا ذا بال ؟! .
وليت الأمر قد وقف حذا حد تحميل النص الشعري؛ المكتوب باللغة العامية فوق طاقته الاستيعابية بما هو دخيل على عناصره البنيوية ؛ من حيث اللغة والتراكيب والدلالات المعنوية بل تخطاه إلى الشكل ، فكان ما يُعرف – بين أوساط المُنَظِّرين - بقصيدة النثر العامية ، وهو ما يُعَدُّ خرقا صارخا لأعراف كتابة القصيدة بالقالب العامي ؛ الذى تعد الغنائية سمته المميزة ، الأمر الذى به توارثته الجماعة الشعبية وصار متواترا جيلا بعد جيل ، فكان خزانة تاريخها المُغنَّى ، يسير الحفظ والتداول بين طبقات غير المتعلمين أو المثقفين ثقافة منهجية ، لذا عُرفتْ سِيَر أبي زيد الهلالي والزير سالم وأدهم الشرقاوي وعلي الزيبق ، وغيرها من ملاحم أبطال السير الشعبية بل وتاريخ نضال الأمة ، وكفاحها فى مقاومة الغزاة والمعتدين ،على مر سني التاريخ .
إذن فهؤلاء الذين يتبنون الاتجاهات المغايرة؛ لبناء وشكل القصيدة العامية ، لامتلقٍ لإبداعاتهم ؛ إلا أرباب الغرف المكيفة المغلقة؛ الذين يتلقَّونَه ويتداولونه فيما بينهم ، فقط ليحققوا لأنفسهم متعة الظفر بالقبض على تلابيب لحظةِ مغايرةِ الجماعة الشعبية ، ومن يعبِّرون عنهم بصدق التجارب، لا أن يُسهِمُوا فى التعبير عن هؤلاء المعنيين الحقيقين بالقصيدة المكتوبة باللغة الشعبية ؛ التي تُعَدُّ مَكْنَزًا لمُخرجات الوعي الشعبي على الأرض!
|