|
القاهرة 01 سبتمبر 2026 الساعة 12:55 م

بقلم: أميرة السمني
"اسمي فلسطين وسأحيا" .. لوحة آسرة للفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور، تقف فيها امرأة بمفردها وترفع علم فلسطين عاليًا خفاقًا. يعبر عنوان اللوحة ببلاغة وإيجاز عن فلسفة الفنان الفنية، ففي لوحاته تحيا فلسطين بأبهى صورها، تحيا بشعبها وأرضها وتاريخها وتراثها، تحيا رغم أنف الاحتلال والنكبات. يقاوم سليمان منصور الاحتلال على طريقته الخاصة، يسترد الحكاية ويمتلكها ويعيد سردها للعالم بالريشة والألوان.
عرفته وتابعته منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة أثناء قراءتي عن الفن التشكيلي الفلسطيني وبحثي عن رواده. سحرتني لوحاته بأسلوبها المميز الذي يجعلني أشم رائحة البحر وأشجار البرتقال وألمس بيدي الثوب المطرز، فجمعتها لدي مؤرشفة بالعناوين والتواريخ. كنت أسعد عندما أنشر أعمالًا له أو لفنانين آخرين على صفحتي الفنية على فيسبوك وتنال إعجابه، ووددت عندما علمت بمرضه أن أعيد نشر لوحاته لتكون رسالة محبة وتقدير، غير أن الوقت لم يسعفني للأسف.
ولد سليمان منصور عام 1947 في البيت الذي بناه جده عام 1918 ووُلد فيه أبوه في بلدة بيرزيت برام الله، حيث قضى سنوات طفولته الأولى إلى أن توفي أبوه وجده وهو في الرابعة من عمره. يصف منصور بيت الجد الذي تمتد جذوره لعقود من الزمن كقطعة من الجنة، تحيط به أشجار الزيتون والتين والرمان وتتوسطه عين ماء. ومن هذا البيت بدأت علاقته بالأرض وارتباطه الوثيق بها الذي ينعكس في لوحاته من خلال تجسيده لحقول وأشجار الزيتون والبرتقال وموسم القطف الذي يتشارك فيه الجميع وكأنه احتفال يقيمه أصحاب الأرض لها، كما في لوحة "حقل البرتقال" (2014)، ولوحة "يافا" (1979) التي تجسد فردوس يافا المسلوب، أو لوحة "من النهر إلى البحر" (2021) التي تحتضن فيها المرأة الفلسطينية شجرة زيتون وبرتقال للدلالة على تجذر الشعب الفلسطيني على أرضه.
رسم سليمان منصور وهو في السادسة والعشرين لوحته الأشهر "جمل المحامل" (1973) لرجل فلسطيني كبير يحمل على ظهره القضية الفلسطينية ولا يتخلى عنها مهما أثقلت ظهره، وصارت هذه اللوحة تزين كل البيوت الفلسطينية حتى في المخيمات. وعندما سئل في إحدى اللقاءات عن حمله الخاص الذي يحمله على ظهره أجاب أنه يحمل أرض جده وأبوه ويضع على عاتقه الحفاظ عليها كأرض فلسطينية. وقد رسم منصور عدة تنويعات لهذه الفكرة، لامرأة تحمل القدس فوق رأسها "ابنة القدس" (1978)، وأخرى تحتضنها بحنو أمومي كطفل لها "امرأة تحمل القدس" (1979).
يوثق سليمان منصور المذابح والجرائم الإسرائيلية في حق الشعب الفلسطيني في لوحات عدة، ففي لوحة "العرس الأخير في الطنطورة" (2022)، لا يصور ما أحدثه الاحتلال من قتل ودمار، وإنما يعرض لنا لمحة من حياة الفلسطينيين قبل أن يغتالها الاحتلال بيده السوداء، وذلك من خلال عرس شاب وفتاة يجمعهما الحب والزواج ويسلبهما الاحتلال الحق في الحياة والحلم بالسعادة.
ويضيف منصور إلى اللوحة نبذة تاريخية عن الطنطورة باللغة الإنجليزية على صفحته الرسمية على إنستجرام قائلًا: "كانت الطنطورة قرية صيد فلسطينية يبلغ عدد سكانها نحو 1500 نسمة، وتقع إلى الجنوب من حيفا. في الفترة ما بين 22 و23 مايو/ أيار 1948، وخلال النكبة، سقطت القرية في يد لواء ألكسندروني الذي نفذ عملية تطهير عرقي بحق أهلها. تشير الشهادات والروايات التاريخية إلى ارتكاب مجزرة أسفرت عن استشهاد أكثر من 200 شخص من أهالي القرية العزل والمناضلين غير المسلحين، حيث دُفنوا في مقابر جماعية."
وفي لوحة "عروس الوطن" (1976) يخلد منصور ذكرى استشهاد لينا النابلسي الطالبة الفلسطينية ذات السبعة عشر ربيعًا، التي استهدفها بالرصاص جندي صهيوني في طريقها للعودة من المدرسة إلى بيتها بعد مشاركتها في مظاهرة ضد الاحتلال. بخسة بات يعرفها ويشهد عليها العالم، تتبع الجندي الصهيوني لينا بعد أن احتمت من طلقات الرصاص أسفل طاولة وأطلق عليها النار عمدًا. وقد رسمها سليمان منصور بعد أن صادر الاحتلال صورتها وهي مضرجة في الدماء بمريلتها المدرسية لتبقى حية في ذاكرة الوطن.
ليست حكاية لينا استثناء، فالاستهداف يطال الجميع تحت حكم الاحتلال، وللأطفال أيضًا نصيبهم من الظلم والمعاناة. على غلاف مجلة "العودة" في الثمانينات جسد منصور ما يتعرض له الصغار من قتل وتجويع بفعل الإجرام الإسرائيلي، فبينما يتضور الأطفال جوعًا تنهال الصواريخ على رؤوسهم. وفي لوحة "كابوس الضباع" (1979) يسيطر الضباع على الأرض ويحيلونها إلى خراب، فتذبل أشجار الزيتون ويخيم الليل على المشهد ولا تسطع الشمس. لكن الصغير الذي لم يتبق له إلا موضع قدمه مازال يحتضن حلمه ببيت صغير آمن تحيط به أشجار الزيتون، كبيت الجد القديم في بيرزيت حيث ولد سليمان منصور قبل أن يولد الاحتلال.



|