|
القاهرة 01 سبتمبر 2026 الساعة 12:52 م

بقلم: إيناس محمد عتمان
في روايته الخالدة «موسم الهجرة إلى الشمال»، يأخذنا الأديب الكبير الطيب صالح إلى رحلة سيكولوجية عاصفة تتجاوز مجرد الحكاية عن السفر؛ ليرصد شروخ الروح الإنسانية وهي تتأرجح بين عالمين.
من خلال شخصية "مصطفى سعيد"، نرى ذلك البدوي الذكي الذي سافر إلى الشمال البارد مستنداً إلى عقل جبار، ليدخل في مواجهة مع حضارة الغرب، لا ليتحاور معها، بل ليغزوها وينتقم منها.
لكن الغرب ببروده وجاذبيته يبتلعه، فيعود إلى قريته النيلية الهادئة بجسد حي وروح ممزقة، حاملاً غرفته السرية المليئة بالكتب الإنجليزية وموقد المدفأة كأطلال لزمن غريب، ليموت في النهاية غرقاً في مياه النيل التي عجزت عن غسل اغترابه.
ومن عمق تلك التراجيديا النيلية، نطل على إنسان العصر الحالي، لنكتشف أن مأساة "موسم الهجرة إلى الشمال" لم تعد حكراً على من ركبوا الطائرات وعبروا البحار، بل هي مأساة جيل كامل يهاجر افتراضياً ونفسياً كل يوم وهو جالس في بيته.
إننا نعيش صدمة حضارية صامتة؛ حيث تتجاذبنا قيم الغرب المادية الجافة عبر الشاشات والعولمة، فندير ظهورنا لبساطة جذورنا ودفء علاقاتنا الإنسانية بحثاً عن بريق الحداثة.
نركض خلف لاهوت الاستهلاك والآلية، حتى إذا ما امتلأنا بعلوم الغرب ومظاهره، التفتنا إلى أنفسنا لنشعر بوحشة مرعبة، فلسنا نحن الذين حافظنا على نقاء هويتنا الأولى، ولا نحن الذين ذبنا تماماً في جليد العالم الحديث، بل صرنا كائنات هجينة معلقة في الفراغ.وتوثق الرواية هذا التمزق الوجودي الرهيب، ولحظة الوعي القاتل بالضياع بين ضفتين،
في هذا الاقتباس اللفظي الدقيق لمصطفى سعيد وهو يواجه محكمته التاريخية في لندن تلخيصاً لأزمة هويته: «إنني أسمع في هذه المحكمة صدى عواء ذئب في براري إيرلندا... أنا لست أوثيلو. أوثيلو كان كذبة!».
هذا النص يجسد بدقة شرخ الإنسان المعاصر الذي يكتشف متأخراً أن التخلي عن الجذور وتقمص أدوار الآخرين بحثاً عن قشرة التمدن الخارجي ليس سوى انتحار روحي بطيء، يترك الإنسان غريباً في وطنه، ومغترباً في منفاه، مجرد أكذوبة أو قناع صُنِع ليرضي ثقافة أخرى لا تنتمي إليه.
في نهاية المطاف، تظل «موسم الهجرة إلى الشمال» صرخة نقدية ملحة تدعونا لإنقاذ ذواتنا من الغرق في نهر التبعية الفكرية والروحية.
إن النجاة الحقيقية التي تعلمنا إياها الرواية تتجلى في المشهد الختامي للبطل الآخر الذي يجد نفسه وسط النهر يوشك على الغرق، فيقرر فجأة أن يسبح بكل قوته نحو الشاطئ ويصرخ صرخته الشهيرة: "النجدة!".
يعلمنا الطيب صالح أن الحياة تكمن في خيار المواجهة والتشبث بـ "الحاضر"، وأن نأخذ من حضارة العصر أدواتها دون أن نسمح لها بأن تسرق منا طين الأرض التي نبتنا منها، ودفء الحكاية الأولى التي جعلت منا بشراً يملكون قلوباً تنبض.
|