القاهرة 01 سبتمبر 2026 الساعة 12:41 م

بقلم : حسن غريب أحمد
?تتأسس التجربة الشعرية في ديوان "لا أرى الأشياء كما هي" للشاعر أحمد عايد على مفارقة وجودية وإستيتيقية حادة، تحاول إعادة تشكيل الوجود عبر تفكيك المرجعية الواقعية المباشرة، وإحلال المرجعية الذاتية التأويلية محلها.
لا يكتفي الشاعر هنا بممارسة الانزياح اللغوي المتداول في قصيدة النثر المعاصرة، بل يتجاوزه إلى "إزاحة إبستمولوجية" تطال طرق إدراك العالم والأشياء، معيدًا صياغة الكائنات والموجودات في ضوء رؤية شاعرية مشحونة بالسخرية السوداء والنزوع الفلسفي.
- ?أولاً: عتبة العنوان والمفارقة التناصية (تقويض السائد)
?ينفتح الديوان على عنوان مفتاحي يمارس فعل النفي المباشر: « لا أرى الأشياء كما هي».
تكمن القوة التأويلية لهذا العنوان عند مقارنته بالعتبة الموازية المقابلة في نهاية الديوان، حيث يصدر الشاعر ديوانه باقتباس من صيد الخاطر لابن الجوزي: «اللهم أرنا الأشياء كما هي».
?النفي في مقابل الدعاء: يمثل النص التراثي مطمحًا يتطلع إلى اليقين والحقيقة المجردة الصافية، بينما يمثل عنوان أحمد عايد موقفًا حداثيًا يقطع مع اليقين، آخذًا بفكرة أن رؤية الأشياء "كما هي" أفق مستحيل أو غير مرغوب فيه شعرًا.
?شعرية إعادة الأنسنة: الرؤية هنا لا تطمح لإدراك المادة في حقيقتها الفيزيائية، بل تخلع عليها الذات الشاعرة حمولات روحية وشورية. فالكتاب يغدو «شجرة تبكي وهم ينتزعون أحشاءها»، والمكتبة تُستحال إلى «توابيت للأشجار المحنطة»، والشال يصير «خروفًا سعيدًا بقصة شعره الجديدة».
- ?ثانياً: تفكيك "الميراث الوجودي" وفلسفة الصدفة
?في نص «ميراث»، يجري الشاعر عملية قلب درامي لمفهوم الحياة والقدر؛ فبدلاً من التعاطي مع الحياة بوصفها منحة مجانية أو مكرمة وجودية، يتناولها باعتبارها نتيجة لـ "سلسلة من أخطاء الموت" أو الصدف التي نجت بالذات رغماً عنها:
?«أخطأوا... كُلُّهُمْ أَخْطَؤُوا
مُعَلَّمَةُ الرِّيَاضِيَّاتِ الَّتِي لَمْ تَثْقُبْ قَلْبِي بِسِنَّ الْبَرْجَلِ
مُدَرِّسُ الْكِمْيَاءِ عِنْدَمَا لَم يُلْقِ عَلَيَّ حِمْضَ النَّيْتِرِيكِ
وَالسائِقُ الَّذِي ضَغَطَ الْفَرَامِلَ قَبْلَ خَمْسَةِ سَنْتِيمِيتْرَاتٍ مِنِّي...
سِرْتُ فِي طَرِيقِي بِدِقَةٍ... وَأَوْرَثُونِي الْحَيَاةَ»
?يتقاطع هذا النص مع اتجاهات الفلسفة العبثية والوجودية؛ فالوجود هنا ليس اختيارًا، والقدر ليس نظامًا صارمًا بل حركة عشوائية تتفادى القتل بالصدفة الدقيقة، مما يضع الذات في حالة اغتراب مبكر عن العالم الذي أُلقيت فيه.
- ?ثالثاً: دراما المكان والنكوص إلى النواة الأولى
?يظهر المكان في تجربة الشاعر أحمد عايد بوصفه كائنًا يتآكل بالزمن، يفقد حمايته الأولى ليتحول إلى شواهد على الخسران:
?المكان المفقود (ميت الكرام): في نص «في بيت جدتي»، تنكسر العودة إلى المنبع؛ فالذاكرة تتصادم مع تحولات الواقع المادي المتمثل في اختفاء أشجار الجوافة والتين والرمان وغياب عبق الليمون.
أمام هذا الخراب المادي، يمارس الشاعر نكوصًا باتجاه الذاكرة لا الواقع، صارخًا في وجه السائق: «خُذْنِي إِلَى أَوَّلِ نَاصِيَةٍ فِي ذَاكِرَتِي!».
?ثنائية السكون والارتحال: تتجسد الحركة المكانية في نصوص أخرى عبر انسداد آفاق السفر («خَذَلَتْنَا سِكَكُ السَّفَرِ الَّتِي فِي فَنَاجِينِ الْقَهْوَةِ»)، أو الحبس داخل الجمال ذاته كما في نص «الحبس وسط الجمال»، حيث تتحول النوتة الموسيقية إلى سجن يُلزم النغمة بالتصنيع والدوزنة السلوكوية الصارمة.
- ?رابعاً: استئناس الموت والتهكم الوجودي
?يمتلك الشاعر قدرة على تجريد الموت والغياب من الهيبة والمأساوية المعتادة، مائلًا نحو صياغته أسلوبيًا بآلية السخرية السوداء (Black Comedy):
النص الشعرية آلية الاشتغال النقدية
محاولة استئناس الوحش الضاري أنسنة الموت وتحويله إلى ضيف ثقيل ولكن مهذب؛ يُستقبل بالقهوة ثم يُترك في صالة الانتظار بينما ينصرف الشاعر للنوم.
الهروب من مأزق القرون الوسطى تحويل العقارب والتوقيت إلى كائنات تلتهم الحياة وتفسدها، ربطًا بين عقارب الساعة الكائنة وسُمّ العقارب الحشرية.
مقص يلتقم بشراهةتجريد الذكريات وجعلها ذات فاعلية حادة وشرهة كمقص يمزق الثياب والجسد دون رحمة.
- خامساً: التشكيل البصري والبنية الأسلوبية
?التكثيف والضربة الختامية :
تميل أغلب قصائد الديوان إلى قصر العبارة والتكثيف الشديد، معتمدة على التقديم والتأخير المفاجئ للوصول إلى مفارقة مدهشة في نهاية النص.
?التشكيل الطبوغرافي على المساحة البيضاء: كما في نص «كيف تنقطع الحبال»، تعمد الشاعر بعثرة الحروف وتشتيتها على الصفحة، ليماثل الشكل البصري المعنى المضموني المتمثل في الانقطاع والتمزق اللغوي والتواصلي.
?المفردة اليومية والمشهدية: يمزج أحمد عايد بأناقة بين التفاصيل اليومية البسيطة (لعبة الطفل، حذاء العيد، بائع الأيس كريم، الغسيل، بواب العمارة) وبين التأملات الفلسفية العميقة حول مجرى الوجود، متفاديًا المباشرة أو التقريرية الجافة.
?يمثل ديوان "لا أرى الأشياء كما هي" إضافة لافتة لحركة قصيدة النثر المصرية والعربية المعاصرة؛ إذ يستغني فيه أحمد عايد عن الفخامة اللفظية والبلاغة القديمة لحساب رؤية بصرية وحسية حادة، تعيد كشف عورة الوجود، وتضع الموت، والزمن، والأشياء في مواجهة عارية مع ذات شاعرة ترفض التعاطي مع العالم بغير عينيها الخاصتين.