|
القاهرة 30 أغسطس 2026 الساعة 06:12 م

بقلم محمد خضير
استقبل الفنان الدكتور رضا الوكيل، رئيس دار الأوبرا المصرية، الفنان الكبير علي الحجار، في لقاء جمع بين الرؤية الفنية والهمّ الثقافي، وتناول متابعة مشروعه الإبداعي والتوثيقي «100 سنة غنا»، الذي يواصل عبره الحجار رحلة فنية في عمق الذاكرة الموسيقية المصرية، مستعيدًا محطات مضيئة من تاريخ الغناء والموسيقى، ومقدمًا إبداعات كبار المبدعين للأجيال الجديدة برؤية معاصرة لا تفقد التراث روحه وأصالته.
ويأتي اللقاء في إطار حرص دار الأوبرا المصرية على دعم المشروعات الفنية الجادة التي تتجاوز حدود الحفل التقليدي، لتتحول إلى مشروعات ثقافية تسهم في حفظ الذاكرة الفنية المصرية وإعادة قراءة تراثها، بما يواكب ذائقة الجمهور المعاصر ويربط الأجيال الجديدة بجذور إبداعية صنعت جانبًا مهمًا من وجدان مصر والعالم العربي.
* الحجار يهنئ الأوبرا بنجاح مهرجان القلعة
وفي مستهل اللقاء، قدم الفنان علي الحجار التهنئة للدكتور رضا الوكيل بمناسبة النجاح الكبير الذي حققته الدورة الرابعة والثلاثون من مهرجان قلعة صلاح الدين الدولي للموسيقى والغناء، وما شهدته فعالياتها من حضور جماهيري واسع وتفاعل لافت مع مختلف الألوان الموسيقية والغنائية التي احتضنها المهرجان.
وأكد الحجار أن النجاح الجماهيري لمهرجان القلعة يعكس استمرار ارتباط الجمهور المصري بالفن الجاد، وقدرته على التفاعل مع التجارب الفنية الراقية، مشيرًا إلى أن المهرجان أصبح واحدًا من أبرز الفعاليات الفنية الجماهيرية التي تقدمها دار الأوبرا المصرية، لما يمثله من مساحة تلتقي فيها الفنون الرفيعة مع قطاعات واسعة من الجمهور.
وقال علي الحجار: «نجاح مهرجان القلعة هذا العام يؤكد أن الجمهور المصري ما زال متعطشًا للفن الحقيقي، وأن دار الأوبرا المصرية تقوم بدور كبير في الوصول بالفنون الجادة إلى مختلف فئات المجتمع، وأتقدم بالتهنئة للدكتور رضا الوكيل ولكل العاملين بالأوبرا على هذا النجاح الكبير».
* عمر خيرت.. محطة جديدة في «100 سنة غنا»
وشهد اللقاء استعراض تفاصيل الحفل المقبل ضمن مشروع «100 سنة غنا»، والمقرر إقامته في الثامنة مساء الجمعة 11 سبتمبر، والذي يخصص للاحتفاء بإبداعات الموسيقار الكبير عمر خيرت، أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمتها في الموسيقى المصرية والعربية المعاصرة.
ويقدم الحفل مختارات من أشهر مؤلفات عمر خيرت الموسيقية والغنائية، في محاولة للاقتراب من عالمه الإبداعي واستعادة عدد من الأعمال التي تحولت إلى علامات فنية ارتبطت بذاكرة ووجدان الجمهور، سواء من خلال الموسيقى التصويرية أو المؤلفات الموسيقية والغنائية التي امتدت آثارها إلى أجيال متعاقبة.
ويشارك في الحفل المطرب أحمد الحجار والمطربة ألحان، بقيادة المايسترو أحمد عاطف، وإخراج أحمد فؤاد، في أمسية تجمع بين الغناء والموسيقى والاستعراض البصري، وتقدم جانبًا من التجربة الثرية لعمر خيرت، بما تحمله من خصوصية موسيقية وقدرة على بناء علاقة استثنائية مع المتلقي.
«100 سنة غنا».. حين يتحول التراث إلى مشروع حي
وأكد علي الحجار أن «100 سنة غنا» لا يراه مجرد سلسلة من الحفلات الموسيقية، وإنما مشروع فني وثقافي يسعى إلى استعادة أجزاء من الذاكرة الموسيقية المصرية، وإعادة تقديمها بصورة تسمح للأجيال الجديدة باكتشاف قيمتها الفنية والإنسانية.
وقال الحجار إن المشروع يمثل رحلة ممتدة داخل تاريخ الغناء والموسيقى في مصر، ويهدف إلى الحفاظ على هذا التراث وإعادة اكتشافه وتقديمه للجمهور بأسلوب فني معاصر، مؤكدًا أن مصر تمتلك ثروة إبداعية هائلة من الأعمال والألحان والأصوات التي تستحق أن تظل حاضرة في الوجدان.
وأضاف أن أحد الأهداف الرئيسية للمشروع يتمثل في توثيق وإبراز إبداعات كبار الملحنين والمؤلفين الموسيقيين الذين أسهموا في تشكيل ملامح الموسيقى المصرية، والتوقف أمام تجاربهم باعتبارها جزءًا أصيلًا من تاريخ الثقافة والفن في مصر.
ومن هذه الزاوية، يبدو «100 سنة غنا» أشبه برحلة في الزمن، لا تستدعي الماضي لمجرد الحنين إليه، وإنما تعيد طرحه باعتباره مادة حية قابلة للقراءة والاستماع والاكتشاف، وتمنح الأعمال القديمة فرصة جديدة للعبور إلى جمهور لم يعاصر أصحابها، لكنه قادر على اكتشاف قيمتهم من خلال تقديم فني جديد.
* رضا الوكيل: مشروع يوثق تاريخ الغناء والموسيقى
من جانبه، أشاد الدكتور رضا الوكيل بمشروع «100 سنة غنا»، معتبرًا أنه يحمل قيمة فنية وثقافية وتوثيقية، ويتقاطع مع الدور الذي تقوم به دار الأوبرا المصرية في رعاية الفنون الجادة والحفاظ على عناصر الهوية الفنية المصرية.
وقال: «دار الأوبرا المصرية تدعم كل مشروع حقيقي يحافظ على الهوية الفنية المصرية، ومشروع 100 سنة غنا يعد من المشروعات المهمة التي توثق تاريخ الغناء والموسيقى في مصر وتعيد تقديمه بصورة تليق بقيمته ومكانته».
وأضاف رئيس دار الأوبرا أن الحفاظ على التراث لا يعني الاكتفاء بتكرار الأعمال القديمة، وإنما تقديمها بصورة تجعلها قادرة على الوصول إلى وجدان الأجيال الجديدة، مؤكدًا أن الفن يظل واحدًا من أهم أدوات بناء الإنسان وصناعة الوعي.
وأوضح أن ربط الشباب بتراثهم الفني يمثل مسؤولية ثقافية، خاصة في ظل التحولات السريعة التي تشهدها الساحة الفنية والموسيقية، مشيرًا إلى أن تعريف الأجيال الجديدة برموز الموسيقى والغناء المصري يسهم في ترسيخ الوعي بتاريخ الإبداع الوطني، ويؤكد امتلاك مصر رصيدًا فنيًا قادرًا على الاستمرار والتأثير عبر الزمن.
* تعاون مستمر وذاكرة لا تموت
وأكد الدكتور رضا الوكيل استمرار التعاون مع الفنان علي الحجار لإنجاح مشروع «100 سنة غنا» ودعم مسيرته، باعتبار المشروع تجربة تجمع بين الإبداع والتوثيق، وتفتح نافذة جديدة على مراحل مهمة من تاريخ الموسيقى والغناء المصري.
ويأتي هذا التعاون في إطار رؤية تسعى إلى تحويل الحفل الموسيقي من مناسبة عابرة إلى تجربة ثقافية متكاملة، تستعيد الرموز والأعمال التي أسهمت في صناعة الوجدان المصري والعربي، وتمنحها فرصة جديدة للحضور أمام جمهور اليوم.
وبين صوت علي الحجار وذاكرة الألحان المصرية، يواصل «100 سنة غنا» رسم خريطة مختلفة للتراث الموسيقي؛ خريطة لا تنظر إلى الماضي باعتباره زمنًا مضى، بل باعتباره نبعًا مفتوحًا للإبداع، يمكن كل جيل أن يكتشف فيه شيئًا جديدًا.
ومع تخصيص الحفل المقبل لإبداعات عمر خيرت، يفتح المشروع فصلًا جديدًا من هذه الرحلة، محتفيًا بموسيقار استطاع أن يجعل الموسيقى لغة قائمة بذاتها، وأن يمنح اللحن المصري المعاصر مساحة واسعة في ذاكرة الجمهور.
وهكذا يظل جوهر «100 سنة غنا» قائمًا على فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن التراث الذي لا يُروى ويُسمع ويُعاد اكتشافه، معرض لأن يتحول إلى ذاكرة صامتة، بينما التراث الذي يجد طريقه إلى الأجيال الجديدة يظل حيًا وقادرًا على صناعة المستقبل.


|