القاهرة 25 أغسطس 2026 الساعة 07:26 م
بقلم: محمد عطية محمود
- محمد الجمل، وكتابة الاعتراف
ثمة ارتباط وثيق بين الكتابة عن تجربة السجون، وتقنية أدب الاعتراف التي تمثل وعاءً شديد الخصوبة يعمل بمفرداته وإحداثيات التاريخ الخاص المشتبك بالتاريخ العام، على تغذية الواقع المأزوم للحالة الشخصية التي ربما تقاطعت مع العديد من نماذج الشخوص الواقعين تحت تأثير هذا الواقع مع اختلاف مسببات هذا التواجد من خلال إحداثيات المكان المغلق، وهو فضاء السجن الذي يشعل المخيلة والذاكرة على نحو من التوثب/ الانطلاق الذاتي المعاكس والمضاد لحالة الكمون والتقوقع في السجن، في محاولة من محاولات الخروج النفسي من أجواء الأزمة من خلال تقنية البوح أو الاعتراف.
وربما تعلق هذا كله بنوع من الممارسة السياسية التي تفرضها أجواء رواية "حفنة من الأرذال" للكاتب الروائي محمد الجمل، والتي تحمل عنوانا مخاتلا واشيا بماهية السياسي فيها، إذ انطلقت من حقبة سياسية فارقة وعصيبة تحمل معها أيضا سمات التاريخ الآني للوطن، والمحدد زمنيا ببدء الاعتقالات في أوائل سبتمبر 1981، وما يستتبعه من استنطاق التاريخ السابق والتسجيل السياسي من خلاله، فالسياسة تحضر هنا بمعناها التاريخي، وليس بالممارسة السياسية الآنية، أي بما هي أشكال الوعي وممارسة الحياة الاجتماعية، ليكون الأدب بهذا المعنى هو ممارسة سياسية أيضا ومن ثم فإن محمد الجمل من خلال تلك الشخوص يمارس السياسة في كتاباته مما يطرح إلى حد كبير رؤية ما سياسية قد لا تفارقها شبهة الابتعاد عن الحيادية!
لكن ثمة اختلاف واضح بين الممارسات الضاغطة التي قد تمارس من خلال السجن وآليات التعامل به من تعذيب وتقييد وممارسات ضد الكيان الإنساني، لتصير ناعمة بحسب الشخوص المتقاطعة في متن الرواية الذين قد يمثلون صفوة المجتمع من أنماط اقتصادية وصحفية وسياسية وعلمية ووطنية وما إلى ذلك ليكون ما يجمعهم هو السجن كأحد الأطر التي ربما رمز بها الكاتب إلى واقع/ حقبة جعلت من الوطن سجنا كبيرا يضيق على طاقات مواطنيه، ليمثل السجن هنا نمطا من أنماط التعبير عن الأزمة من زاوية أخرى تتجاور ولا تتلاقى مع روايات مثل "شرق المتوسط" لعبد الرحمن منيف التي تناولت التعذيب في السجون العربية، وإن كان أيضا من منظور سياسي، وأيضا "تلك الرائحة" لصنع الله إبراهيم، والتي اتخذت نمطا نفسيا ومعالجا اجتماعيا شاذا وإن تلاقت أيضا في الحيز السياسي.. وغيرها وغيرها من روايات أدب السجون
ومن ثم أيضا فإن كتابة الاعتراف هنا في هذا المقام تأخذ حيزا تحليليا يتمازج بين السرد المعتاد والمسترسل وبين حديث الذكريات، ومن ثم التقاطع بالحوارات الرابطة بين أوصال تلك الشبكة من الرؤى/ وجهات النظر المرتبطة بتجارب حياة متعددة، ولكنها تمس عصب الوطن، لأنها تشكلت من لحمة المعاناة اليومية والممارسة السياسية أو المرتبطة به.
حيث تمثل شخصية الصحفي الشهير "حسنى هلال" مرتكزا سرديا مهمًّا ورابطا تتحلق حوله كل شخوص الرواية سواء بالسلب أو بالإيجاب أو بالقبول والتنافر على حد السواء، حيث يمثل دور الشاهد والمعاصر لحقب متعددة من تاريخ مصر امتدت من أواخر النصف الأول من القرن العشرين وحتى حدوث الأزمة الطاحنة سبتمبر 1981 التي أدت إلى اعتقال هذه المجموعة من رموز العمل السياسي والوطني والاقتصادي ووصمها من قبل الإدارة السياسية للبلاد بالأرذال، وهو الشخصية الجاذبة أيضا التي استطاعت من خلال إدارة/ سلطة السجن أن تعقد معها صفقة ذكية للم شمل هذه الحفنة من الأرذال في زنزانة واحدة أو بوتقة يتجمع فيها تاريخ الوطن خلال ما يقارب المائة عام!!
هي علاقة ناعمة مع نوع مختلف من أنواع السلطة من خلال الشخصية الوحيدة التي لم يكن لها دور في الاعتراف وهي شخصية مأمور السجن المسيحي المثقف الشاعر الذي ربما قد يمثل ذراعا خفية كلاعب بلياردو مشاهد يشارك هامشيا في اصطياد الكرات والمساعدة في توجيهها نحو الوقوع في شبكة الأسرار الخفية القابعة في نهاية منضدة البلياردو.. هذا الثنائي الذي تأتي علاقته على خلفية السرد والبوح والاعتراف، لتمثل عنصرا هاما من عناصر دفع سيل الرؤى والتشابك والتطابق والاختلاف بينها:
"بعد حوالي ساعة جاءني ضابط كبير، وشت ملامحه بأنه يعرفني، وينوي أن يعاملني معاملة خاصة ودودة. قدم لي نفسه. فهمت أنه العقيد "لبيب جبران" مأمور السجن، وأنه قد قرأ بانتظام كل ما كتبته، ويحترم وجهات نظري بصرف النظر عن الظروف. شعرت بأن الرجل صاحب موقف أخلاقي، لا يتعارض مع عمله المهني. نبهني برقة إلى أنه ليس هناك طعام غير ذلك طوال اليوم ثم أضاف متلطفا: "أعلم أن هذه أول مرة لك في السجن، ولذلك سوف تتعود"
تلك الشخصية التي يفتتح بها الكاتب سرده/ شهادات شخوصه الفاعلة في مضمار الحياة السياسية والاجتماعية، ليختتم بها نصه نهاية في توثيق أشمل وأعم وكحلقة واصلة جامعة لكل الحلقات التي توالت من تلك السلسلة..
لكن ما يبرز منها جليا كمرتكز آخر وهام ومشارك في احتلال تلك البؤرة المشعة للعمل هو شخصية الجيل الجديد الذي يمثل في تلك الحقبة من ثمانينيات القرن العشرين روح أكتوبر وروح الانتصار العظيم، المنطلق، في شخصية "طلعت منصور" ذلك التأسيس الجديد للمشروع الحلم الناهض الذي يجب كل ما قبله بحسب النظرة المتطلعة دوما إلى الإقصاء الطبيعي لكل تلك الأجيال السابقة بما يحقق الاستمرار وتجدد الدماء من هذا المنظور للبقاء.
وهو لا ينفصل كلية عن هذا النسيج المتواجد على ساحة المعتقل، فضلا عن تمثيله لجيل الشباب فهو ابن لمنظومة متصارعة الأضداد متنازعة الاتجاهات تتمثل في أبيه "منصور فايق" المعتقل معه، ضابط الجيش القديم الذي شارك في حرب فلسطين 1948، وجده لأمه المجاهد الإخواني المتشدد "مختار مجاهد"، المناقض والعدو اللدود لوالده، والذي قام بتفريقه عن زوجته، ابنته، بفعل الإقصاء ورفض الآخر، المنفصل عن السرب، بدعوى الخروج على تقاليد الجماعة والكفر بها، إلى جانب أستاذه الفقيه الدستوري المخضرم "يحيي كامل".. هذا الثالوث الذي يقع هذا الجيل المتمثل في "طلعت منصور" بين مطرقته وسندانه وتحت رحاه، ليمثل هذه العلاقة المبتسرة، التي تكاد تكون مفقودة بين تلك الأجيال التي كانت نتيجة تصارعها هو تواجدها في هذا المستنقع كمجرد حفنة من الأرذال انفصلت عن كونها بؤر هامة في نسيج المجتمع وانفصلت عنه، وكل في اتجاهه..
شخوص تقع بين المركز والمحيط
ليسجل هذا الجيل/ الرمز اكتشافاته وشهادته عن المزيد والمزيد من الشخوص الأخرى التي ربما لاحت من خلال السجن وتلك الزمرة المتآلفة بحكم المعتقل لتتوالى نماذج الشخوص:
"لم أستغرب وجود الدكتور عبد العزيز أمين معنا في الزنزانة ضمن المعتقلين كنت أتابع نشاطه الجامعي والسياسي، منذ أن التحقت بكلية الحقوق عام 1967، وكان أستاذا متميزا بكلية العلوم، يفيض بعلمه الأكاديمي وثقافته الموسوعية على طلبته.. كنت أعرف شريكي في الزنزانة الأستاذ إبراهيم بهجت من خلال اطلاعي على إبداعاته كأديب وشاعر ومحدث ممتاز في الندوات والمؤتمرات.. لم أكن أعرف الكثير عن البراجماتي المحترف "وهبي خميس"، لم يكن عنده ما يجمعني به أو يتوافق مع أفكاري، ومع ذلك كنت أتابع أخباره في الصحف وإعلاناته في التلفزيون لأتعرف على النموذج الأمريكي الاستهلاكي الذي دهمنا باسم الانفتاح بعد حرب أكتوبر المجيدة، والذي عبر عنه السادات بقولته الشهيرة:"من لم يغتن في زمني، فلن يرى الغنى من بعدي" ص145
هذه المقاطع التي تنقل نبض هذا الجيل ورؤيته السياسية والاجتماعية عن أجيال متعاقبة تكاد تكون انفصلت عنه إكلينيكيا بفعل الزمن وتضارب المصالح والأيديولوجيات، لتلوح من خلال الاتجاهات التي تتضارب ولا تصلح إلا لكونها متواجدة على ساحة الوطن بتواجدها المتباين بين النافع للوطن والعامل على رفعته سواء سياسيا أو فكريا أو دعويا، أو المستنزف لقواه والعامل على إجهاض محاولات النهوض بالاتكاء على توازناته الداخلية والخارجية.