|
القاهرة 25 أغسطس 2026 الساعة 01:09 م

بقلم: سوزان سعد
في صمت الصحراء الممتدة حول الفيوم، حيث يحتفظ الرمل بأسراره مثل أمّ تحتضن أطفالها، ظهرت وجوه لم يطفئها الزمن، ولم تستطع القرون الطويلة أن تطمس نظراتها. تلك هي وجوه الفيوم؛ لوحات لا يعرف القلب كيف يتعامل معها: أهي أثرٌ؟ أم حياة؟ أم بقايا حلم ظلّ معلقًا بين عالمين؟
حين تقع العين على أحد هذه الوجوه، يتملّك الإنسان إحساس غريب يشبه اللقاء الأول مع شخص يعرفه منذ زمن لكنه لا يذكر كيف أو متى. النظرة حقيقية إلى درجة تُربك الروح، والملامح دافئة كأنها خرجت لتوّها من تحت يد فنان ما زال يقف قبالتها، يلمّس الشمع بإصبعه ويتأكد من أن الضوء يسكن في موضعه الصحيح. ليس الأمر مجرّد بورتريه جنائزي كما اعتادت الكتب تسميته؛ بل محاولة إنسانية شديدة الرقة لصنع تذكرة عبور إلى الأبدية، تذكرة تُبقي الإنسان حاضرًا حتى حين يختفي جسده.
الفنان الذي رسم هذه الوجوه لم يكن ينجز "عملًا". كان يحاول إنقاذ ملامح من الضياع، كأنه يخشى أن يموت الإنسان مرتين: مرة حين يغادر الحياة، ومرة حين تُنسى صورته. لذلك كان يبذل جهدًا لا يشبه ما نراه في فنون تلك الفترة: طبقات من الشمع الساخن، مزجٌ بين الألوان والضوء، لمسات دقيقة تشبه الهمس. كل ضربة فرشاة فيها محبة، وفي كل خط حول العين اعترافٌ بأن الوجوه تظلّ مرآة الروح حتى بعد أن تصير جزءًا من سكون المقابر.
هذا الحس العاطفي ليس مجرّد قراءة شاعرية؛ بل هو ما تؤكده العديد من الدراسات التي تناولت هذه الأعمال. فالباحثون، ومنهم مرزوق والصيرفي والصاوي، يكادون يتفقون على أن الوجوه لم تُصنع لتزيين المومياوات فقط، بل لتحفظ هوية الإنسان كما هي، دون تزوير أو تجميل، في الوقت الذي كانت فيه حضارات كاملة تهتم بالمظاهر أكثر من الحقيقة. هنا، في الفيوم، يواجهنا فن صادق، لا يعرف الزيف، ولا يرسم إلا ما يشعر به.
وقد كانت تلك الوجوه ثمرة تلاقٍ فريد بين ثلاث حضارات صنعت هوية مصر الرومانية:
من المصري القديم ورثت فكرة الخلود.
ومن اليوناني أخذت جماليات الوجه الإنساني ونسبه.
ومن الروماني استعارت واقعية التفاصيل الدقيقة وجرأة النظر مباشرة إلى المشاهد.
نتيجة هذا الامتزاج كانت ولادة لحظة فنية نادرة؛ لحظة انتصر فيها الإنسان على الزمن عبر صورة تمتلئ بالحياة. لذلك، حين نتأمل العيون الواسعة التي تطلّ من تلك اللوحات، ندرك أن الفنان لم يكن يحاول رسم "عين". كان يكتب رواية كاملة بلون واحد. عيونٌ تحمل شيئًا من الخوف، وشيئًا من الأمل، وشيئًا من الصمت الذي يسبق الرحيل. عيونٌ تقول ببساطة: "أنا هنا… لا تنسني".
ومن أجمل ما تكشفه تفاصيل هذه الوجوه هو أن الإنسان، منذ ألفي عام، لم يكن مختلفًا كثيرًا عمّا نحن عليه اليوم. ما زلنا نحب، ونخاف، ونحلم، ونتشبث بذكرى تجعل وجودنا ذا معنى. وما زلنا نبحث عن طريقة نترك بها أثرًا لا يُمحى. وحتى حين كانت هذه الوجوه تُرسم في سياق جنائزي، فإنها كانت أشبه بصوت أخير ينطلق من قلب صاحبه: "احتفظوا بوجهي… ففيه جزء من حياتي".
ويقدّم كتاب «وجوه الفيوم: فنون مصر في العصر الروماني» للدكتور محمد عبد العزيز مرزوق قراءة تاريخية عميقة لهذا الفن، تكشف لنا سياقًا أوسع. فالفيوم في تلك المرحلة لم تكن مجرد منطقة زراعية، بل كانت مجتمعًا مزدهرًا تنامت فيه طبقة ثرية متعلمة، ترغب في الحفاظ على تقاليدها المصرية، لكنها منفتحة على الفلسفة اليونانية، وخاضعة للنظام الروماني. هذا الخليط الاجتماعي والثقافي جعل الفن ينمو في اتجاه غير مسبوق، اتجاه لم يُقلّد الماضي ولم يذُب في تأثيرات الخارج، بل صنع لغة جديدة تُشبه مصر وحدها.
ويروي مرزوق قصة اكتشاف هذه الوجوه لأول مرة على يد فليندرز بيتري في القرن التاسع عشر، ذلك العالم الذي وقف مذهولًا أمام الوجوه كأنه يلتقي بأناس من زمن آخر. كان الأمر غريبًا حتى عليه؛ فالفن هنا لم يكن يشبه الفن المصري الذي عرفه، ولا الفن الروماني التقليدي، ولا حتى الأيقونات المسيحية المبكرة. لقد كان شيئًا مستقلًا، ناضجًا، فيه حرارة الحياة وقوة الموت في آن واحد.
ولم تكن تقنيات الرسم شيئًا عابرًا؛ فقد استخدم الفنانون تقنية الإنكوستيك، وهي مزج الألوان بالشمع الساخن، مما يمنح البشرة ذلك اللمعان العميق الذي لا يزال صامدًا حتى بعد مرور ألفي عام. كما استخدموا التمبرا لتثبيت الملامح الدقيقة وإضفاء طبقات من الضوء على الجفون والشفاه. هذه التقنيات، كما تشير الدراسات الأثرية، تدلّ على وجود مدارس فنية حقيقية في الفيوم، وليست مجرد محاولات فردية.
ثم يأتي الجانب الأكثر إنسانية: التعبير. فبعض الوجوه يحمل سكينة من يعرف طريقه، وبعضها يحمل حزنًا خفيفًا يشبه نغمة موسيقى بعيدة، وبعضها تبدو ملامحه شابة إلى حدٍّ مؤلم، كأن الموت اختارهم في لحظة لم يكونوا مستعدين لها. كل وجه قصة، وكل لمعة في العين اعترافٌ لم يُكتب، وكل خط قرب الفم ذكرى لا نعرفها لكنها لا تزال حيّة.
ولعل أجمل ما تكشفه هذه الوجوه هو أنها لم تُرسم للموت، بل للحياة. كانت جزءًا من طقس مصري قديم يؤمن بأن الروح تحتاج إلى صورة دقيقة كي تتعرّف إلى جسدها في العالم الآخر. لذلك كانت الوجوه تُرسم بحرص شديد، كما لو أن ضياع تفصيلة واحدة يمكن أن يربك رحلة الروح كلها.
واليوم، حين تُعرض هذه البورتريهات في المتاحف العالمية، يقف الزائر أمامها كما لو كان يقف أمام إنسان حيّ، لا أمام قطعة أثرية. هذه العلاقة العاطفية التي تصنعها اللوحات لا تأتي من الجمال أو التقنية فقط، بل من صدق النظرة الإنسانية التي عبرت إلينا رغم المسافة الهائلة بيننا وبين من رحلوا.
وفي النهاية يمكن القول إن وجوه الفيوم هي الرسالة الأكثر صدقًا التي تركها لنا الماضي.
إنها فنجان ماءٍ قُدّم للعطشى عبر الزمن.
إنها يدٌ تلوّح من بعيد كي لا ننسى أن الإنسان يظل إنسانًا مهما تغيّر الزمن.
إنها اعترافٌ قديم يقول لنا:
"نحن لم نختفِ… ما دمتم تنظرون إلينا".
-
مرزوق، محمد عبد العزيز. وجوه الفيوم: فنون مصر في العصر الروماني. الهيئة المصرية العامة للكتاب.
-
الصيرفي، محمد. فن البورتريه في مصر القديمة واليونانية الرومانية. دار الكتب العلمية.
-
الصاوي، أحمد. فن التصوير في مصر الرومانية: دراسة تقنية وجمالية.
-
Petrie, Flinders. Roman Portraits and Their Techniques. London, 1890.
-
Walker, Susan. The Mummy Portraits of Roman Egypt. British Museum Press.





|