|
القاهرة 25 أغسطس 2026 الساعة 01:03 م

تحقيق: مصطفى علي عمار
-
دور المكتبات العامة في تعزيز القراءة والثقافة في مصر
في ظل التحديات التي تواجه القراءة والثقافة في مصر، تبرز المكتبات العامة كمنارات للعلم والمعرفة، تسعى لتكون مراكز حيوية تجمع بين التعليم والترفيه والإبداع و تلعب دورًا حيويًا في تعزيز القراءة والثقافة، لكنها تواجه تحديات تحتاج إلى تضافر الجهود من المؤسسات الثقافية والمجتمع. التعاون بين المكتبات والمؤسسات الثقافية يمكن أن يعزز من تأثيرها ويوسع من قاعدة المستفيدين،
فالمكتبات العامة هي مراكز ثقافية وتعليمية مهمة تلعب دورًا كبيرًا في تعزيز القراءة والثقافة في المجتمع، في مصر، تواجه المكتبات العامة تحديات في جذب القراء وتقديم خدماتها بشكل فعال. في هذا التحقيق، نستكشف دور المكتبات العامة في تعزيز القراءة والثقافة، ونعرف على آراء الكتاب وأمناء المكتبات حول التحديات والفرص.
التقينا بكتاب وأدباء ومثقفين وأمناء مكتبات وعرضنا عليهم هذه الأسئلة..

-
أحمد رجب شلتوت: المكتبات العامة تدعم عادة القراءة وتكون فضاءً ديمقراطيًا للمعرفة وتسهم في تنمية الذاكرة الثقافية
ابتدرنا بالكاتب- أحمد رجب شلتوت يقول:
أعتقد أن الدور الأهم والمباشر للمكتبات العامة يتمثل في دعمها لعادة القراءة بوصفها ممارسة يومية. فهي تمثل فضاءً ديمقراطيًا مفتوحًا يتيح الوصول شبه المجاني أو منخفض التكلفة إلى المعرفة، بما يخفف من الفوارق الاجتماعية والثقافية بين الأفراد. لكن لا يجب أن تقتصر وظيفة المكتبة على إتاحة الكتب، بل المفروض أن تؤسس لقيام علاقة حيوية بين القارئ والكتاب، من خلال تنويع مصادر المعرفة من كتب ورقية ورقمية، ودوريات، ومواد سمعية وبصرية.
كما تسهم المكتبات العامة في تنمية وتقوية الذاكرة الثقافية، من خلال حفظ الوثائق والمخطوطات والأعمال الإبداعية التي تشكل هوية المجتمع. كما تتحول في أحيان كثيرة إلى مراكز ثقافية تنظم الندوات وورش العمل والأنشطة الفنية، مما يعزز الحوار المجتمعي ويشجع على التفكير النقدي. بهذا المعنى، تصبح المكتبة العامة مؤسسة فاعلة في إنتاج الثقافة وليس مجرد مستودع للكتب.
يضيف: أما فيما يتعلق بسبل جذب القراء وتقديم الخدمات بشكل فعال، فإن المكتبات العامة مطالبة اليوم بإعادة تطوير نفسها لتواكب التحولات الرقمية وأنماط الاستهلاك الثقافي الجديدة. يمكن تحقيق ذلك عبر تطوير خدمات رقمية مثل المكتبات الإلكترونية وتطبيقات الهواتف الذكية التي تتيح استعارة الكتب عن بُعد، مما يوسع قاعدة المستفيدين ويكسر الحواجز الجغرافية.
كذلك، من المهم تصميم برامج تفاعلية تستهدف فئات عمرية مختلفة، كأنشطة القراءة الجماعية للأطفال، ونوادي الكتاب للشباب، وورش الكتابة التي يمكن أن تفيد شباب المبدعين، ولا يقل أهمية عن ذلك تحسين البيئة المادية للمكتبة، من حيث الإضاءة، والتصميم الداخلي، وتوفير مساحات مريحة تشجع على البقاء والتفاعل. إضافة إلى ذلك، يلعب التسويق الثقافي دورًا حاسمًا، عبر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للترويج للأنشطة والخدمات، حتى تصبح المكتبة منصة تفاعلية متعددة الوسائط، وبالتالي تكون أكثر قدرة على جذب جمهور متنوع، وترسيخ مكانتها في المجتمع.

-
منى أنيس إبراهيم الشرقاوي: المكتبات العامة تجذب القراء وتخدم المجتمع بطرق مبتكرة من خلال فعاليات ثقافية متنوعة وموارد رقمية
وعن إمكانية المكتبات العامة جذب القراء وتقديم خدماتها بشكل فعال ترى منى أنيس إبراهيم الشرقاوي، أخصائي أول مكتبات بإدارة دسوق التعليمية محافظة كفر الشيخ، ومنسق المدرسة المتميزة بمبادرة تحدي القراءة العربي عن طريق:
1. تنظيم فعاليات ثقافية متنوعة: أمسيات شعرية، ندوات، ورش عمل، ومعارض ومناظرات كتب لجذب مختلف الفئات.
2. برامج تحفيزية للقراءة: مثل مسابقات القراءة أو "جواز القراءة" الذي يمنح جوائز رمزية للمشاركين.
3. تخصيص زوايا موضوعية: أركان للخيال العلمي، التنمية الذاتية، الأطفال، لتلبية اهتمامات متنوعة.
4. تسويق عبر وسائل التواصل الاجتماعي: نشر محتوى جذاب عن الكتب والأنشطة باستخدام فيديوهات قصيرة أو قصص مصورة.
5. توفير موارد رقمية: كتب إلكترونية، قواعد بيانات، ومكتبات صوتية لتسهيل الوصول للمعرفة.
6. إنشاء نوادي كتاب: لقاءات دورية لمناقشة كتب محددة، مما يعزز روح المجتمع القرائي.
7. شراكات مع المدارس والجامعات: التعاون في الفعاليات، تبادل الموارد، ودعم البحث العلمي.
8. تجربة تفاعلية داخل المكتبة: استخدام رموز QR، شاشات عرض، أو أنشطة تعليمية تجعل القراءة أكثر متعة.
بهذا الشكل تصبح المكتبة مركزًا ثقافيًا حيًا يجذب القراء ويخدم المجتمع بطرق مبتكرة.

-
محمد عبد الستار الدش: المكتبات العامة في مصر تحتاج تطوير شامل في التمويل، الرقمنة، دورها، موظفيها، وشكلها لمواكبة العصر وتقديم خدمة أفضل
وعن التحديات التي تواجه المكتبات العامة في مصر، يقول الكاتب المصري محمد الدش:
على الرغم من الأهمية الكبرى التي من أجلها أقيمت المكتبات العامة في مصر منذ زمن بعيد، إلا أنها في الوقت الحاضر تواجه مجموعة من التحديات تؤثر عليها بالسلب، ولا بدَّ من مواجهة هذه التحديات والتغلب عليها حتى تستمر هذه المكتبات في تأدية خدمتها بجودة عالية في الوقت الحاضر.
وغالبًا تتمثل التحديات في:
1. التمويل: هذه المكتبات العامة خدمية، لا بدّ لها من ميزانية محترمة حتى يتم تأدية الخدمة بشكل جيد بما يناسب طموح جمهورها الحديث. ومن الممكن أن يساهم بعض رجال الأعمال في التمويل، وكذلك بعض مؤسسات المجتمع المدني بشروط تصيغها وزارة الثقافة.
2. الرقمنة: في عصر التحول الرقمي، والجذب الشديد للقراء على اختلاف أعمارهم للمواقع الإلكترونية (صحافة - مكتبات - مؤسسات تعليمية... وغير ذلك)، لا بدّ من تطوير المكتبات العامة بما يواكب عصر الرقمنة حتى تستطيع تأدية دورها الفاعل. ويمكن الدمج بين الكتب والرقمنة.
3. تطوير دور المكتبة: حتى لا نصل بالمكتبات العامة إلى التخلص منها، فمن الضروري أن يتم تطوير دور المكتبة بحيث لا تكون مجرد مكان لقراءة الكتب أو إعارتها لكل محبي الكتاب وخاصة غير القادرين على شرائه. ولكن من الممكن تنظيم دورات تدريبية لفن ما، أو أي مجال بما يناسب المكان، وبرامج توظيف، ومسابقات... وغير ذلك.
4. جمود الموظفين: للعنصر البشري العامل في المكتبة العامة الذي يتواصل مع رواد المكتبة دور مهم في نجاح المكتبة. ومع العصر الجديد بتحولاته الرقمية والتكنولوجية، فمن الضروري التدريب المستمر لموظفي المكتبة العامة بما يلائم التطور الهائل في التكنولوجيا حتى يستطيعوا التعامل الناجح مع رواد المكتبة، وجذب المزيد منهم.
5. شكل المكتبة العامة: موقع المكتبة، وشكلها الخارجي، وتخطيطها الداخلي عناصر جذب مهمة، وضرورية في العصر الحديث عصر التحول الرقمي.

-
عبد الله الهواري: يجب تفعيل التعاون بين المؤسسات الثقافية والمكتبات العامة لتعزيز الفهم والوعي الثقافي والسياسي
وعن التعاون بين المكتبات العامة والمؤسسات الثقافية لتعزيز القراءة والثقافة يرى الشاعر عبد الله الهواري أنه يجب تفعيل التعاون بين المؤسسات الثقافية والمكتبات العامة رغم أن هناك بروتوكولات موقعة بالفعل لكن هناك تقلص فى الدور المنوط بين طرف وآخر بشكل شامل فلا بدَّ من تفعيل هذا التعاون. ويمكن تحقيق هذه المشاركة بشكل مستمر كطبع كتب ومجلات عن طريق المؤسسات الثقافية فى شتى المجالات وترويجها عن طريق المكتبات العامة وبأسعار تجعل القارئ يقبل عليها دون حساب لتأثير ذلك على الظروف المعيشية.
ينتج عن ذلك تعزيز الفهم والوعى الثقافى بالإضافة إلى المشاركة الفعالة في العملية الثقافية والسياسية أيضا خاصة فى ظل ما مرَّ بنا من أحداث عقب ثورة يناير ما زالت آثارها ممتدة إلى الآن خلفت بلبلة وتشويش لعقل المثقف العادى.
يوضح: فينتج من ترويج كتب ومجلات تعالج هذا الخلل تصحيح مفاهيم الوعي السياسي... فالوعي السياسي هو إدراك الفرد لواقعه السياسي والاجتماعي فيكون هناك تدريب للأفراد خاصة الشباب على التفكير بعقلانية وعدم الانسياق وراء الشائعات أو المعلومات المضللة من خلال تقييم المعلومات من مصادر متعددة التحقق من المعلومات وفحص مصادرها للتأكد من صحتها.
متابعة القضايا السياسية ومتابعة التطورات السياسية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي لفهم أبعادها وتأثيرها على المجتمع والفرد فهم آليات النظام السياسي. فالمؤسسات الثقافية لها أكبر التأثير في هذا الشأن بل كل التأثير وهذا أهم أدوارها وهي المسؤول الأول فى ذلك قبل أى جهة اخرى.
فينتج عن ذلك المشاركة الفعالة وانتقال الفرد القارئ أو المجموع من المعرفة النظرية إلى المشاركة السياسية العملية مثل التصويت والمشاركة في النقاشات العامة لتعزيز الفهم والمساهمة في تشكيل الرأي وتعزيز الانتماء للوطن ودرء الشائعات والقضاء عليها في مهدها قبل حدوث آثار سلبية ينتج عنها بلبلة وربما إرهاب وكل ما يعوق مصالح الوطن التي هي أساس مصالح الفرد والنبع الذى يستقى منه الفرد والمجتمع مصالحه.
كما يساعد ذلك أيضًا على مواكبة ما يحدث في العالم من تطورات شبه يومية إن لم تواكبها الأمم تخلفت وتأخرت تخلفًا ثقافيًّا واقتصاديا يؤدي إلى مستوى معيشى يضر بالفرد والمجتمع فيجب تفعيل دور المؤسسات الثقافية والمكتبات العامة معًا بشراكة مفيدة وغير مكلفة في آنٍ واحد.

-
د. السيد محمد محمد السعودي: المكتبات العامة في مصر تتجه نحو تطوير شامل يركز على التحول الرقمي وتعزيز الشراكات المجتمعية
وعن الخطط المستقبلية لتطوير المكتبات العامة في مصر يختتم دكتور السيد محمد محمد السعودي، موجه مكتبات بمديرية التربية والتعليم بمحافظة كفر الشيخ، ويقول: المكتبات العامة في مصر تتجه نحو تطوير شامل يركز على التحول الرقمي، تعزيز الشراكات المجتمعية، وتوسيع دورها كمراكز ثقافية وتعليمية. الخطط المستقبلية حتى 2027 تهدف إلى جعل المكتبات أكثر جذبًا، شمولية، واستدامة.
الخطط المستقبلية:
1. التحول الرقمي الكامل:
- رقمنة الفهارس والمجموعات، وتوفير منصات إلكترونية للكتب والمجلات وقواعد البيانات، بما يتيح الوصول عن بُعد للقراء والباحثين.
2. توسيع شبكة المكتبات العامة:
- إنشاء فروع جديدة في المحافظات والمراكز الريفية، لضمان وصول الخدمات إلى جميع فئات المجتمع.
3. برامج التنمية المستدامة:
- ربط أنشطة المكتبات بأهداف التنمية المستدامة (التعليم الجيد، المساواة، الابتكار)، لتصبح المكتبات جزءًا من خطة الدولة الشاملة.
4. تطوير الموارد البشرية:
- تدريب أمناء المكتبات على أحدث تقنيات المعلومات، مهارات القيادة، وخدمة المجتمع، لضمان كفاءة عالية في تقديم الخدمات.
5. تعزيز الشراكات المجتمعية:
- التعاون مع المدارس والجامعات والمراكز الثقافية لتنظيم فعاليات مشتركة، ودعم البحث العلمي والأنشطة الطلابية.
6. إطلاق مبادرات القراءة الوطنية:
- تنظيم مسابقات وطنية للقراءة، حملات توعية، ومهرجانات كتاب تستهدف الأطفال والشباب لتعزيز عادة القراءة.
7. إدماج التكنولوجيا التفاعلية:
- استخدام الواقع الافتراضي والمعزز، شاشات عرض ذكية، وتطبيقات الهاتف المحمول لتسهيل تجربة المستخدم داخل المكتبة.
8. تطوير البنية التحتية:
- تحديث المباني وتجهيزها بوسائل الراحة الحديثة، مساحات عمل جماعية، وقاعات متعددة الاستخدامات للأنشطة الثقافية.
9. توسيع الخدمات المجتمعية:
- تقديم خدمات استشارية، ورش عمل للتدريب المهني، ودعم رواد الأعمال عبر توفير مصادر معرفية متخصصة.
10. تعزيز التمويل والاستدامة:
- تنويع مصادر التمويل عبر الشراكات مع القطاع الخاص، المنح الدولية، والأنشطة المدرة للدخل لضمان استمرارية التطوير.
ويضيف: وأرى أن تطوير المكتبات العامة في مصر يجب أن يُنظر إليه كجزء من مشروع وطني للنهضة الثقافية والمعرفية، وليس مجرد تحديث للبنية التحتية أو إضافة خدمات رقمية. فالمكتبة العامة يمكن أن تكون القلب النابض للمجتمع إذا أُعيد تعريف دورها لتصبح:
- منصة للتعلم مدى الحياة، حيث يجد الطالب، والباحث، والموظف مصادر تساعده على النمو المستمر.
- مركزًا للهوية الثقافية الذي يعرض التراث المصري ويُعيد ربط الأجيال به عبر معارض وفعاليات.
- مختبرًا للإبداع والابتكار، يتيح للشباب استخدام التكنولوجيا، الواقع الافتراضي، والبرامج التفاعلية لتطوير أفكار جديدة.
باختصار، إذا ركزت الخطط المستقبلية على الإنسان قبل المبنى، وعلى المحتوى قبل الشكل، فإن المكتبات العامة في مصر يمكن أن تتحول إلى قوة حقيقية تدعم التعليم، الثقافة، والتنمية المستدامة. وأعتقد أن البداية العملية يجب أن تكون عبر مشروع تجريبي في كل محافظة، يدمج بين الرقمنة، الفعاليات الثقافية، والشراكات المجتمعية، ثم يُعمم النموذج الناجح على مستوى الجمهورية.
وعن العزوف عن القراءة وارتياد المكتبات والحل يقول:
أرى أن موضوع العزوف عن القراءة وارتِياد المكتبات هو انعكاس لمجموعة عوامل اجتماعية وثقافية وتقنية، وليس مجرد "كسل" من الناس. ونجد أن هناك مجموعة من العوامل تستحق النظر منها:
- هيمنة التكنولوجيا والترفيه السريع: فمنصات التواصل والألعاب والفيديوهات القصيرة تقدم محتوى سريعًا وممتعًا، بينما القراءة تحتاج وقتًا وتركيزًا.
- ضعف ربط القراءة بالتعليم: فكثير من الطلاب ينظرون إلى القراءة كواجب مدرسي، لا كمتعة أو وسيلة لاكتشاف الذات.
- صورة المكتبة التقليدية: نجد أن بعض المكتبات ما زالت تُرى كمكان جامد لحفظ الكتب، لا كمركز تفاعلي أو ثقافي حي.
- غياب القدوة القرائية: فعندما لا يرى الشباب نماذج ناجحة تربط القراءة بالنجاح الشخصي أو المهني، يقل دافعهم للقراءة.
لكن في المقابل، يمكن تحويل هذا التحدي إلى فرصة:
- المكتبات إذا أعادت تعريف نفسها كمراكز تجربة ثقافية وتكنولوجية، ستجذب الشباب.
- دمج القراءة في أنشطة ممتعة (نوادي، مسابقات، ورش عمل) يجعلها عادة لا واجبًا.
- ربط القراءة بالواقع العملي (قصص نجاح، مهارات حياتية) يعيد لها قيمتها.
أرى أن الحل ليس في لوم الناس على عزوفهم، بل في إعادة تقديم القراءة والمكتبة بشكل ينافس الترفيه الرقمي ويُظهر أن الكتاب يمكن أن يكون مصدر متعة وإلهام لا يقل عن أي منصة حديثة.
|