|
القاهرة 25 أغسطس 2026 الساعة 12:16 م

حاورها: مصطفى علي عمار
-
شاعرة التراث التي مثّلت مصر في فنزويلا
من «حياة» عام 2016 إلى «آدم بين الكتلة والفراغ» عام 2025.. تسع سنوات وتسعة دواوين. بينهم رحلة شاعرة لم تكتب فقط، بل سألت.. تعلمت أن الصمت أحياناً أقسى من الكتابة، وأن الخروج من الأرض لا يعني نسيانها، وأن التراث ليس متحفاً نغلق عليه الباب، بل ذاكرة حية نمشي بها في الشارع ونسمعها في حكايات الناس.
ضيفتنا اليوم حملت الكلمة سلاحاً، والتراث قضية. عضو مجلس إدارة أتيليه القاهرة، وعضو اتحاد كتاب مصر، وعضو لجنة تحكيم جائزة زكي عمر لشعر العامية. حاصلة على دبلوم الدراسات العليا في التراث الشعبي، وشهادة الألكسو الدولية عن حصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي.
كانت الوجه الذي مثّل مصر في معرض كتاب فنزويلا 2025، وصوتها كان حاضراً في ملتقيات شباب المناطق الحدودية وورش القصة والشعر.
بين الشعر والقصة، بين الديوان والسرد، ظلت عزة رياض تبحث عن السطر الصادق. السطر الذي يُكتب ونحن وحدنا، بعيداً عن القارئ والناقد والجائزة.
إنها الشاعرة عزة رياض... فماذا قالت لنا ونحن معها؟
-
من ديوان "حياة" عام 2016 إلى ديوان "آدم بين الكتلة والفراغ" عام 2025، كيف تغيّرت عزة الشاعرة والإنسانة خلال هذه الرحلة؟
أظن أنني لم أتغير بقدر ما انكشفت لي نفسي أكثر. في «حياة» كنت أكتب من منطقة الدهشة الأولى، كان الشعر بالنسبة إليّ اكتشافاً للعالم ومحاولة للإمساك بما يفلت منه. ومع السنوات أصبحت الكتابة أكثر وعياً بأسئلتها، وأقل احتفالاً بالإجابات.
أما الإنسانة فقد تعلمت أن الحياة لا تُعاش مرة واحدة؛ نحن نعيد اكتشافها في كل خسارة، وكل علاقة، وكل خيبة، وكل بداية جديدة. لذلك أشعر أن المسافة بين «حياة» و«آدم بين الكتلة والفراغ» ليست مسافة تسعة أعوام فقط، وإنما مسافة عمر كامل من الأسئلة.
-
حصلتِ على دبلوم الدراسات العليا في التراث الشعبي من أكاديمية الفنون. إلى أي مدى يؤثر التراث في لغتك الشعرية واختياراتك الموضوعية؟
التراث بالنسبة لي ليس مجموعة من الحكايات القديمة نضعها في متحف ونغلق عليها الباب، وإنما ذاكرة حية تسكن طريقة الناس في الفرح والحزن والخوف والحب والموت.
دراسة التراث جعلتني أكثر انتباهاً للتفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عابرة، لكنها تحمل تاريخاً اجتماعياً ونفسياً طويلاً. لذلك قد تظهر في شعري مفردة شعبية أو صورة مأخوذة من الذاكرة الجمعية، لكنني لا أتعامل مع التراث باعتباره زينة لغوية، وإنما باعتباره طريقة لفهم الإنسان.
-
شاركتِ في ملتقى أهل مصر لشباب المناطق الحدودية وورش القصة والشعر. ما أكثر ما لامس وجدانك من حكاياتهم؟
أكثر ما لامسني هو أن الإنسان، مهما اختلفت جغرافيته ولهجته وظروف حياته، يحمل الأسئلة الإنسانية نفسها تقريباً: الخوف، والانتماء، والحب، والرغبة في أن يُرى ويُسمع ويُعترف بوجوده.
اكتشفت أن المناطق البعيدة عن المركز ليست مناطق فقيرة بالحكايات، وإنما نحن الذين لا نذهب إليها بما يكفي لنسمع. هناك ذاكرة شفهية غنية جداً، وحكايات لو لم تُروَ الآن ربما تختفي مع أصحابها. والقرب منهم ضرورة لتعزيز الهوية.
-
تسعة إصدارات في تسع سنوات. هل هو اندفاع إبداعي أم ضرورة للكتابة للنجاة؟
ربما هو الاثنان معاً. أنا لا أكتب لأن لديّ فائضاً من الكلام، بل لأن الصمت أحياناً يصبح أكثر قسوة من الكتابة.
الكتاب بالنسبة لي ليس مجرد إصدار جديد في قائمة، وإنما مرحلة من مراحل حياتي. وكل ديوان هو محاولة لإنقاذ شيء ما من النسيان: إحساس، سؤال، امرأة، رجل، مكان، أو حتى نسخة قديمة مني.
-
صدر لكِ ديوان "آيل للصمت" عام 2021 ثم "على مرمى كلمة" عام 2023. ماذا كان يثقل هذا الصمت؟
كان يثقله الكثير مما لا نستطيع قوله في وقته.
الصمت ليس دائماً عجزاً عن الكلام، أحياناً يكون نتيجة معرفة أن بعض الأشياء حين تُقال تفقد معناها، وبعض المشاعر تحتاج إلى أن تنضج بعيداً عن اللغة قبل أن تصبح قصيدة.
«آيل للصمت» بالنسبة لي لم يكن ديواناً عن الصمت فقط، وإنما عن الأشياء التي تقف على حافته؛ الأشياء التي نكاد نقولها ثم نتراجع، والعلاقات التي تنتهي دون إعلان، والأسئلة التي لا تجد إجابة.
-
قدمتِ مجموعة قصصية بعنوان "أشخاص قد تعرفهم" وسط مسار شعري. لماذا لجأتِ إلى السرد؟ وهل هناك شخصيات حقيقية تخشين البوح بها؟
السرد جاء لأن بعض الشخصيات لم تكن تحتمل أن أضعها داخل قصيدة. هناك حكايات تحتاج إلى زمن ومساحة وتفاصيل، والشعر أحياناً يكون أكثر تكثيفاً مما تحتمل الشخصية.
أما الشخصيات الحقيقية، فكل كاتب لديه أشخاص يعرفهم، لكنني لا أكتب اعترافات شخصية مباشرة. أنا أستعير من الواقع ثم أعيد تشكيله. الشخصية الأدبية ليست بالضرورة الشخص الذي قابلته في الحياة، وإنما ما تبقى منه في الذاكرة والخيال.
وربما أخطر الشخصيات التي أكتبها هي تلك التي أكتشف بعد انتهائها أنها تشبهني.
-
"آدم بين الكتلة والفراغ" عنوان فلسفي وعميق. أي آدم تقصدين؟ وما الذي يحمله من أثقال هذا العصر؟
آدم هنا ليس شخصاً بعينه، وإنما الإنسان في صورته الأولى والراهنة معاً.
هو الإنسان الذي يقف بين ما هو مادي وما هو روحي، بين ما يمتلكه وما يفتقده، بين الكتلة التي تثقل وجوده والفراغ الذي يحيط به.
أعتقد أن إنسان هذا العصر يحمل أثقالاً كثيرة: السرعة، والاستهلاك، والوحدة، وضغط الصورة، والخوف من المستقبل، وفقدان المعنى. لذلك كان «آدم» بالنسبة لي سؤالاً عن الإنسان أكثر منه شخصية.
-
في ديوان "أشياء قابلة للتمني"... ما هي الأشياء الثلاثة التي لا تزالين تتمنينها ولم تتحقق بعد؟
أتمنى أن يظل لديّ ما أكتبه، وأن يظل داخلي قادراً على الدهشة.
وأتمنى أن أرى الثقافة المصرية أكثر حضوراً وتأثيراً، لا باعتبارها ماضياً عظيماً فقط، وإنما باعتبارها مشروعاً للمستقبل.
أما الأمنية الثالثة فهي شخصية جداً: أن أصل في يوم ما إلى درجة من السلام مع نفسي لا أحتاج معها إلى تفسير كل شيء.
-
حصلتِ على شهادة الألكسو الدولية بالمشاركة في الملتقى الإقليمي حول حصر التقاليد الحرفية في الوطن العربي. برأيك، لماذا تندثر الحرف اليدوية؟ ومن يتحمل المسؤولية؟
الحرف لا تندثر لأن الناس لم تعد تحبها فقط، وإنما لأن منظومة كاملة حولها اختلت.
الحرفي يحتاج إلى سوق، وتدريب، وخامات، وتسويق، وتقدير اجتماعي، وحماية للمعرفة التي يحملها. وعندما يصبح المنتج الصناعي أسرع وأرخص، يجد الحرفي نفسه في مواجهة غير عادلة.
المسؤولية مشتركة بين المؤسسات الثقافية والتعليمية والاقتصادية، وبين المجتمع نفسه. وأعتقد أن إنقاذ الحرفة لا يكون بتحويلها إلى قطعة متحفية، وإنما بجعلها قادرة على الاستمرار والإنتاج والحياة.
-
شاركتِ في معرض كتاب فنزويلا 2025 حيث كانت مصر ضيف الشرف. كيف رأيتِ نظرة العالم إلى مصر عبر الأدب والشعر؟
مصر لا تزال تمتلك مقومات الريادة الثقافية، لأنها تمتلك تراكماً تاريخياً ومؤسسات ومبدعين وجمهوراً واسعاً وذاكرة ثقافية ممتدة.
لكن الريادة ليست حقاً مكتسباً إلى الأبد. لكي تظل مصر في موقعها، يجب أن تستعيد فكرة المشروع الثقافي، وأن تمنح المبدع مساحة أكبر، وأن تتعامل مع الثقافة باعتبارها قوة ناعمة واستثماراً في الإنسان، وليس نشاطاً هامشياً.
أنا مؤمنة بأن مصر تستطيع، لكن القدرة وحدها لا تكفي؛ نحن بحاجة إلى إرادة ثقافية حقيقية ومشاركة الجميع في مستقبل الثقافة.
شعرت أن صورة مصر في الخارج أكبر بكثير من الصور النمطية التي قد نتصورها.
عندما يقرأ الآخر مصر من خلال أدبها وشعرها، فهو لا يراها فقط باعتبارها الأهرامات والنيل والتاريخ القديم، وإنما يكتشف مصر الإنسان: المرأة، والمدينة، والريف، والقلق، والحب، والتحولات الاجتماعية.
الأدب يجعل الآخر يرى مصر من الداخل، وهذه واحدة من أهم وظائف الثقافة؛ أن تخلق حواراً إنسانياً لا تستطيع السياسة أحياناً أن تصنعه.
وقد أسعدني الحظ أيضاً في عرض جانب تراثي ثقافي خاص بالممارسات الاعتقادية الشعبية في مصر، ولاقت استحساناً وتجاوباً وعرض المقابل من تراثهم الثقافي.
-
أنتِ عضو مجلس إدارة أتيليه القاهرة. هل لا يزال الأتيليه قادراً على صناعة المثقفين أم تحوّل إلى فضاء اجتماعي فقط؟
أتيليه القاهرة بالنسبة لي ذاكرة ثقافية حية، ولا أعتقد أن دوره انتهى.
لكن المؤسسات الثقافية لا تستطيع أن تعيش على تاريخها وحده. عليها أن تجدد أدواتها، وتفتح أبوابها للأجيال الجديدة، وتعيد إنتاج الحوار بين الأجيال.
الأتيليه يمكن أن يكون مكاناً لصناعة الوعي وليس فقط لاستضافة الفعاليات، إذا ظل مساحة حقيقية للاختلاف والنقاش وحرية التفكير.
-
أنتِ عضو اتحاد كتاب مصر وعضو جمعية الأدباء وعضو لجنة تحكيم جائزة زكي عمر لشعر العامية. هل تنصف هذه المؤسسات الموهبة الحقيقية أم تقف عائقاً أمامها؟
لا أحب الأحكام المطلقة. المؤسسات الثقافية مثل البشر؛ فيها تجارب ناجحة وتجارب تحتاج إلى مراجعة.
المؤسسة تكون عادلة عندما تجعل الموهبة هي معيارها الأول، وتكون عبئاً عندما تتحول العلاقات أو الشللية أو الأسماء إلى بديل عن النص.
وأنا أؤمن أن الكاتب الحقيقي يستطيع أن يختلف مع المؤسسة دون أن يعاديها، وأن المؤسسة الناجحة هي التي تسمح بالنقد وتراجع نفسها باستمرار.
-
ككاتبة وامرأة في المشهد الثقافي، ما أصعب باب أُغلق في وجهك بحجة "ليس هذا دورك"؟
ربما أصعب الأبواب هو ذلك الذي يُغلق في وجه المرأة عندما تحاول أن تكون صاحبة قرار، لا مجرد حضور جميل في المشهد.
هناك أدوار ما زال البعض يتعامل معها وكأنها امتياز ذكوري، بينما المرأة تستطيع أن تكون مبدعة وناقدة وصاحبة موقف وإدارة في الوقت نفسه.
لكنني تعلمت ألا أقف طويلاً أمام باب مغلق. إذا لم يُفتح الباب، أبحث عن باب آخر، وإذا لم أجده، ربما أصنع نافذة.
-
لو طُلب منكِ الاحتفاظ بديوان واحد فقط من أعمالك الثمانية، أي ديوان ستختارين؟ ولماذا؟
سأختار الديوان الذي أشعر أنه الأقرب إلى التحول الداخلي في تجربتي، وربما «آيل للصمت».
لكن كل ديوان يحمل جزءاً من عزة التي كتبته. قد أكون تجاوزت بعض النصوص فنياً، لكنني لا أستطيع أن أتنكر للإنسانة التي كانت تحتاج إلى كتابتها في ذلك الوقت.
-
"الخروج من الأرض" كان عنوان ديوانك عام 2018. هل خرجتِ فعلاً من الأرض أم لا نزال نبحث عن سقف يحمينا؟
كلما ظننت أنني خرجت من الأرض اكتشفت أنني أحملها معي.
الأرض بالنسبة لي ليست المكان فقط؛ هي الذاكرة والجذور والخوف والأمان والانتماء. لذلك ربما لا يكون الخروج منها ممكناً تماماً.
نحن نبحث عن سقف يحمينا، لكننا نكتشف مع الوقت أن الإنسان يحتاج أيضاً إلى جذور تثبته، وإلى مساحة يستطيع فيها أن يحلق دون أن يفقد أرضه.
-
التراث الشعبي يندثر، والشعر يزاحمه التيك توك. كيف يمكن إنقاذ الثقافة في هذا الزمن؟
لا أعتقد أن الحل هو أن نحارب تيك توك أو أي وسيلة جديدة. الثقافة التي تخاف من التكنولوجيا تكون قد اعترفت مسبقاً بضعفها.
المطلوب أن نذهب بالتراث إلى المنصات التي يذهب إليها الناس، وأن نحكي الحكاية الشعبية بطريقة جذابة، وأن نحول المعرفة التراثية إلى محتوى معاصر دون أن نفرغها من معناها.
التراث لا يحتاج إلى أن يعيش في الماضي؛ يحتاج إلى أن يجد طريقه إلى الحاضر.
والشعر أيضاً لا ينبغي أن يطلب من الناس أن يأتوا إليه؛ ربما عليه أن يذهب إليهم.
-
ما رسالتك إلى شاعرة في العشرين من عمرها تقول: "لا جدوى من الكتابة"؟
سأقول لها: اكتبي حتى لو لم يقرأك أحد.
ليس لأن الكتابة ستغير العالم بالضرورة، وإنما لأنها قد تغيرك أنتِ، وهذا في حد ذاته ليس قليلاً.
لا تكتبي لتصبحي مشهورة، ولا لتدخلي سباقاً مع أحد. اكتبي لأن لديك شيئاً لا تستطيعين العيش بدونه إلا إذا قلته.
والأهم: لا تستعجلي النشر. اقرئي أكثر مما تكتبين، واكتبي أكثر مما تنشرين، ودعي الزمن يختبر موهبتك.
إذا بقيتِ بعد عشر سنوات راغبة في الكتابة، فاعلمي أن الشعر كان اختيارك الحقيقي.
-
في الختام نوجه لك سؤالا شخصيًّا جداً: ما آخر سطر كتبتِه وكان خارجاً من القلب بحق؟
ربما لا أستطيع أن أفصل آخر سطر عن كل ما كتبته؛ لأن الكتابة الحقيقية لا تأتي من مكان واحد.
لكنني أؤمن أن أصدق سطر هو الذي لا أستطيع أن أكتبه وأنا أفكر في القارئ، ولا في الناقد، ولا في الجائزة، ولا في صورتي أمام الآخرين.
السطر الصادق هو الذي أكتبه وأنا وحدي، ثم أكتشف بعد انتهائه أنه قال شيئاً كنت أخفيه حتى عن نفسي.
وربما لهذا السبب أواصل الكتابة؛ لأنني في كل مرة أظن أنني أعرف نفسي، تأتي قصيدة لتقول لي إن هناك جزءاً آخر مني لم ألتقِ به بعد.
|