|
القاهرة 25 أغسطس 2026 الساعة 12:13 م

بقلم: إيناس محمد عتمان
حين نسج الكاتب الألماني باتريك زوسكيند بنيان روايته المذهلة «العطر» في ثمانينيات القرن العشرين، لم يكن يصوغ مجرد حكاية تشويق مثيرة عن قاتل يتتبع أجساد العذارى في فرنسا القرن الثامن عشر؛ بل كان يضع مِشرط الأدب الفلسفي على أشد مناطق الوعي البشري عتمة، ليشرح معضلة الهوية وعلاقة الذات بـالآخرين من خلال حاسة الشم.
يولد البطل "جان باتيست غرينوي" في أكثر بقاع باريس نتانة، محروماً من رائحة جسدية تخصه، لكنه يمتلك في المقابل أنفاً عبقرياً يستطيع تفكيك أدق شفرات الروائح المحيطة به.
إن الصدمة الوجودية الكبرى لغرينوي لا تكمن في نبذ المجتمع له، بل في اللحظة التي يكتشف فيها وسط عزلته الطويلة في الكهف أنه بلا رائحة، أي أنه كائن بلا أثر، هلامي، لا وجود له في وعي من حوله.
ومن هذا الرعب الفلسفي، يبدأ رحلته الشيطانية لسرقة روائح البشر وصناعة عطر خارق يمنحه حباً مزيفاً وقبولاً مطلقاً لدى حشود كانت تبصق عليه بالأمس، ليثبت أن المجتمعات تمنح صكوك الاعتراف للقشور المصنوعة والواجهات الزائفة، بينما تسحق الجوهر الإنساني الحقيقي وتتجاهله.
ومن خلف غبار تلك الحكاية الفرنسية، نفتح نافذة على واقعنا المعاصر، لنكتشف أن مأساة غرينوي هي الوباء النفسي الأكثر تفشياً في مجتمعاتنا الحديثة.
إننا نعيش في عصر تزييف الحضور؛ حيث تحول الفضاء الاجتماعي إلى فاترينة عرض كبرى، يُطالب فيها الإنسان باستمرار بصناعة "رائحة افتراضية" أو هوية بصرية مصبوغة تماماً برغبات الآخرين وما تفرضه خوارزميات القبول الاجتماعي.
كم من البشر اليوم يشعرون بأن ذاتهم الحقيقية، بعفويتها وبساطتها، غير كافية لنيل الاحترام أو الحب، فيندفعون إلى سوق المصالح الرأسمالية لارتداء أقنعة مستعارة، وصياغة مشاعر معلبة، وتزييف تفاصيل حياتهم اليومية لتبدو متطابقة مع المعايير الجاهزة التي يقدسها زيف المجتمع؟
إن الإنسان المعاصر يمارس جناية غرينوي ذاتها ضد نفسه؛ يعادي فطرته الأولى، ويحذف تجاعيد روحه، ليصنع واجهة براقة تضمن له كم التفاعل وضغطات الإعجاب الباردة، ليسقط متأخراً في فخ الفراغ الحاد والاغتراب العاطفي، لأنه يعيش بـرائحة ليست له، ويحصد حباً موجهاً لقناعه لا لكينونته.
إن الأنكى في هذه المواجهة الكابوسية بين وعي زوسكيند الحاد وسماسرة الوعي الحديث، هو أن هذا الحضور المزيف ينتهي بصاحبه إلى ذات الانتحار المعنوي الذي آل إليه بطل الرواية.
في عالم تذوب فيه ملامحنا الأولى وسط الزحام الطافح بالوجوه، يتحول السعي خلف البرستيج والمنفعة الاجتماعية إلى حصار غير مرئي يخنق أنفاس الذات.
نرى البشر اليوم يتحركون كالجزر المنعزلة تحت سقف واحد؛ يجلسون في الغرفة ذاتها تفصلهم سنتيمترات معدودة، لكنهم يغرقون في صمت رقمي مطبق، يفتشون في شاشاتهم الصغيرة عن اعتراف وهمي من غرباء في أقاصي كوكب الإنترنت، بينما يفقدون حبل الوعي الممتد والإنصات الصادق لأقرب الناس إليهم.
إنها الفردانية الشرسة التي تفرغ البيوت من دفئها، وتجعل الأرواح تموت غياباً خلف الأبواب المغلقة دون أن يشعر بوجعها أحد، لأن الجميع مشغول بتلميع فاترينته الزجاجية الفارهة بعيداً عن حقيقة الهشاشة الإنسانية.
وتوثق سطور الرواية الأصلية تلك اللحظة اللاهبة التي يصطدم فيها الوعي بـعقم الانتصار الزائف القائم على المظهر، واليقين المر بأن الحشود تعشق الوهم وترفض الحقيقة، حين يصف الكاتب مشهد ذروة تفوق غرينوي قائلاً:
«كان يرتدي عطره الخارق، ويقف كالإله وسط الساحة، والحشود من حوله تبكي تنبئاً بالورع والذهول، جاثية على ركبها تطلب صفحه وتمنحه حباً جنونياً مطلقاً؛ غير أن غرينوي في تلك الثواني الفاصلة لم يكن يشعر بالانتصار، بل كان يختنق بـمرارة وسخرية مرعبة؛ لقد أدرك أن هذا الحب الطاغي ليس موجهاً إليه، بل إلى هذه الرائحة الزائفة التي سرقها وصنعها بيده، وأنهم لو عرفوا حقيقته العارية لبصقوا عليه ومزقوه. لقد حصد بريق العالم كله، لكنه ظل في عمقه ذلك الكائن المنبوذ، خاوي الروح، تلتهمه وحشة لا تداويها صرخات الإعجاب ولا ترفع ثقلها كلمات الثناء الباردة».
هذا الاقتباس الشجي يتنبأ بدقة بـمأزق إنسان الحداثة اليوم؛ الذي يملك مئات المتابعين ويحصد التفاعل العام، لكنه يظل غارقاً في صمته الفردي، يكابد معاركه وانكساراته وحيداً في العراء، لأن المحيطين به يحبون "الصورة المعدلة" التي يعرضها، ولا يملكون وقتاً أو حباً لـجوهر روحه الجريحة.
في نهاية المطاف، تظل محاكمة العطر وتزييف الحضور صرخة نقدية ملحة تحذرنا من الانزلاق نحو التشيؤ وتآكل الهوية الأصيلة.
إن النجاة الحقيقية التي تهمس بها لنا السطور تكمن في امتلاك الجسارة لنبذ الأقنعة المعلبة، والعودة إلى الينبوع الأول؛ إلى طين الأرض التي نبتنا منها، والجرأة على العيش بعفوية وصدق بعيداً عن حسابات الربح والخسارة وأعين شاشات الرصد الحديثة.
يعلمنا الأدب أن المأوى الآمن لآدميتنا المشتركة هو أن نملك الشجاعة لتقاسم هشاشتنا الإنسانية دون تزييف، وأن ندرك أن قيمتنا لا تُقاس بمدى تطابقنا مع فلاتر العصر، بل بقدرتنا على صون مساحاتنا الدافئة والتمسك بالروابط الصادقة التي تحيا بقطع الاتصال، لكي يدرك العالم أننا مررنا من هنا بملامحنا الحقيقية.. وأننا ما زلنا بشرًا نتنفس.
|