|
القاهرة 25 أغسطس 2026 الساعة 12:08 م

عاطف محمد عبد المجيد
الحكاية الخرافية الشعبية أحد الأشكال الأدبية المتميزة، حيث تلتقي فيها سمتان من سمات الطبيعة الإنسانية، السمة الأولى هي الميل إلى العجيب والغريب، أما الثانية فتتجسد في الميل إلى المنطقي والواقعي، وحيثما تلتقي الظاهرتان معًا توجد الحكاية الخرافية.
هذا ما نقرأه في مقدمة كتاب "الحكاية الخرافية في إقليم أذربيجان..دراسة بنيوية" للباحثة الدكتورة فاطمة الزهراء جمال الدين، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة، وفيه ترى أن الحكايات الخرافية الأذربيجانية تميزت بصبغتها وأسلوبها الخاص في الحكي إضافة إلى تصوير كثير من خصائص أهل هذا الإقليم، مشيرة إلى أن الحكاية الخرافية مهما ظلت واحدة في عمومها فإن كل شعب يحكيها بطريقته المختلفة عن غيرها، ذاكرة أن الحكاية الخرافية الفارسية التي يحكيها أهل إقليم أذربيجان تتميز بسمات تخصها وحدها، وتحمل في طياتها سمات هذه المنطقة إلى جانب أحلام أهلها وآمالهم.
هنا تُرجع الباحثة السبب في اختيار هذه الحكايات للبحث والدراسة إلى ما يتمتع به إقليم أذربيجان على مدى التاريخ الإيراني من سمات جغرافية وسياسية خاصة جعلته مطمعًا لكل من طمح إلى السيطرة على إيران وملكها، كذلك ظهر فيه العديد من مشاهير الأدباء والشعراء والعلماء الإيرانيين مثل الشبستري، نظامي الكنجوي، فضولي البغدادي، بروين اعتصامي وغيرهم كثيرون، مشيرة إلى أنه لم يتم في عالمنا العربي عامة وفي مصر خاصة تناول الحكايات الأذربيجانية من قبل بالترجمة والدراسة، لذا رأت أنها مجال خصب للبحث حاولت طرقه والتعرف عليه وتوضيح معالمه للباحثين الآخرين.
في بحثها عن هذه الحكايات تذكر جمال الدين أن أذربيجان تقع في الجزء الشمالي الغربي من إيران، وهي نقطة اتصال بين إيران وتركيا والعراق ودول الاتحاد السوفيتي، مثلما تعد الطريق البري الذي يربط إيران بأوروبا قبل الوصول إلى عصر الطائرات، كما أن الشعب الأذربيجاني يتكون من أمشاج من العرقيات البشرية المختلفة حيث يسكنها الآريون، الأتراك، الأذريون، التركمان، والأرمن وبعض القبائل العربية، كذلك يعتنق سكانها عدة أديان ومذاهب، فمنهم المسلم الشيعي والمسلم السني، ومنهم المسيحي بطوائفه المختلفة، وبقايا الزردشتيين، ذاكرة أن الطبيعة الجغرافية لمنطقة أذربيجان تتسم بالتنوع بين سهول وهضاب وجبال وبحيرات ومناطق ساحلية، ونتيجة لهذا التنوع، ترى الباحثة، تتباين حِرف سكانها ما بين زراعات ومصايد سمكية ورعي وصناعات نفطية في العصور الحديثة، معتقدة أن هذا التنوع جعل أهلها يتميزون عن غيرهم من سكان إيران، وجعل حكاياتهم وأساطيرهم مختلفة عن حكايات بقية الأقاليم الإيرانية.
الباحثة التي تثبت هنا أن الخرافات تمثل جزءًا واسعًا من ثقافة الشعب الإيراني وأدبه الشفاهي، تشير إلى أن الخرافات العامية بمثابة مرآة جلية تنعكس على صفحتها تجارب الحياة وعادات البشر وسلوكهم على مدى التاريخ، وأن مخاوف الإنسان وصراعاته مع الطبيعة ومع الآخرين وحتى مع ذاته تتجلى على هذا النحو، ورغم أننا نعتبر في أيامنا هذه الخرافات قصصًا خيالية إلا أن زمنها يعبر عن جزء من معتقدات البشر الحقيقية، واختلاف الأجناس والأنساب على الأرض لا يؤثر فقط في عدد الخرافات وشكلها وإنما يؤدي إلى وجود اختلافات في بناء هذه الخرافات ودلالاتها التي تبرز تماثل ثقافة الناس أو تناقضها في إيران على مر العصور التاريخية.
من خلال صفحات هذا الكتاب / البحث نعرف أيضًا أن الخرافات يمكن تقسيمها على أساس زوايا رؤى متباينة: خرافات علم النفس الروحانية أو الملائكية وهي الخرافات المليئة بالرموز والأسرار، وهي تمثل خرافات السحر والتشويق، خرافات أسطورية وحماسية، خرافات الحب، خرافات العدالة، خرافات التربية والنصح، كما نعرف أن عالم الحكاية الخرافية يتميز بأنه يختلف كثيرًا عن عالم الواقع لما له من طبيعة خاصة ترتبط بشخصياته وأحداثه، فالخرافة في مجملها هي المجهول، ولا تخلو الخرافات من الحيوانات التي تبدو في هيئتها الحقيقية أو في هيئة خرافية جديدة، ومنها الثعلب والذئب والحمل والحمار والحمام والفأر والقطة والحصان والأسد والجمل وغيرها، مؤكدة أن الطيور كائنات أساسية في الخرافات الإيرانية وللبقرة أيضًا دور بارز خاصة لدى الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم، فهي الأم البديلة لديهم، كما يحظى الثعلب بمكانة خاصة في تلك الخرافات إذ يمثل رمزًا للدهاء والخداع، غير أنه لا يثير الكراهية بل نجده محبوبًا.
مثلما تخبرنا جمال الدين أن جمع الخرافات الأذربيجانية وطبعها ونشرها يعود إلى أواسط القرن التاسع عشر وقد نشرت في البداية في الجرائد الروسية عام 1825 ثم نشر الكثير منها في أوائل القرن العشرين في مجلات "مكتب"، "ملا نصر الدين"، "كشكول"، "دبستان"، وأن الناقد والباحث في الفلكلور الأذربيجاني حميد سفيد كَر يرى أن الخرافات الأذربيجانية من أقدم الخرافات الفارسية وأجملها من ناحية المضمون، وتعد جزءًا من أفضل قصص الأدب الشعبي العالمية وأكثرها ثراءً من حيث المحتوى، وتبدو في هذه الخرافات صورة واضحة عن تجربة أهل أذربيجان وأسلوب تفكيرهم وسماتهم الاجتماعية من عادات وتقاليد وأسلوب معيشة إضافة إلى طموحاتهم وآمالهم على مر العصور، وأبرز خصائصها لعلها هي عبارات البداية أو المقدمات التي تأتي في بداية القصص، كذلك تتشابه عبارات البدايات مع عبارات النهايات في كونها مليئة بالكنايات والاصطلاحات الجميلة والبديعة، يستخدمها الفنان الشعبي والراوي لجذب انتباه المستمعين وطلب رضاهم.
جمال الدين متحدثة عن مقدمات الحكايات وخواتيمها تذكر أن في كل القَصَص الشعبي العالمي تؤدي بداية الحكاية ونهاياتها وظيفة مهمة، حيث تصنعان معًا طرفي الحلقة التي تضم في إطارها كل الأحداث والمواقف، وعلى أساس من البداية تتوالى الأحداث وتتراكم، ثم تأتي النهاية فتكون تتويجًا لهذه الأحداث، كذلك حين تقترن البداية مع النهاية في ذهن المتلقي تساعدان على إدراك المغزى وتفهّم الهدف المقصود من الحكاية، الهدف الذي لا ينفصل عن هدف المتعة التي يستشعرها السامع عند سماعه للقصص بصفة عامة.
أيضًا تلفت الكاتبة انتباهنا إلى أن النساء في الأدب الشعبي الإيراني قادرات على الاعتناء باهتماماتهن لأنهن يصلن إلى أهدافهن بالخداع والحيلة والبصيرة والعقل والحكمة والشجاعة والشهامة، وهذا ما يؤدي إلى تقسيمهن إلى نساء طيبات ونساء سيئات الطوية، مشيرة إلى أن الشخصية في الحكايات الخرافية الأذربيجانية لاقت عناية في رسم صورتها إذ يسبغ عليها الراوي من الصفات سواء بطريقة مباشرة أو غير ماشرة ما يجعلها حية في ذهن المتلقي وتجعله يستحضر من موروثه الثقافي والتاريخي ما يماثل هذه الشخصية.
هنا ومع معرفتنا أن هناك أمكنة وشعوب زالت من التاريخ لأنها لا تحمل في ذاتها قوة التجديد وقانون الحياة البقاء للأفضل والأقوى، وأن المكان الذي يحمل في ذاته بذور البقاء لا يخشى من زواله، وأي نص أدبي لا يتميز بخصوصية المكان وفاعليته لا يمكن أن يتميز بهوية اجتماعية يرغب القارئ أيًّا كان مستواه في معرفتها واكتناه خصوصيتها، نعرف كذلك أن الخط المشترك بين الحكايات هو أنها تؤكد كلها على أن الأخلاق هي الوسيلة الحتمية لإيصال المرء إلى هدفه ومبتغاه، وأن هذه الحكايات استخدمت كوسيلة لتأصيل القيم الأخلاقية والتمسك بالعادات والتقاليد الأذرية في ظل محاولات لمحو القومية الأذربيجانية.
الخلاصة التي توصلت إليها جمال الدين في كتابها هذا هي أن الحكاية الشعبية في أذربيجان ليست مجرد خرافة وخيال بعيد عن الواقع المجرد، بل هي ملتصقة بصفة وثيقة بالحياة السياسية والاجتماعية والجغرافية في تلك المنطقة، وقد انتقل الكثير من تلك الحكايات إلى العديد من دول العالم الأخرى نظرًا إلى أن هذا الإقليم كان مطمعًا دائمًا للعديد من الأمم القوية إلى جانب وقوعه على طريق الحرير الذي كان ولا يزال له دوره التجاري المهم في دول آسيا الوسطى وشرق آسيا وغربها وصولًا إلى خارج آسيا، أما
في نهاية كتابها فتطلعنا فاطمة الزهراء جمال الدين على نماذج مترجمة من هذه الحكايات منها حكاية الدرويش والسيدة ميوميو والفتاة راعية الإوز، حكاية ماذا فعلت كل بسناور، ماذا فعل سناور بكل، حكاية إلياس، حكاية قصة الأخوات الثلاث.
|