|
القاهرة 25 أغسطس 2026 الساعة 11:14 ص

بقلم: د. هويدا صالح
عندما نشرت أوليف شراينر روايتها "قصة مزرعة إفريقية"، عام 1883 تحت الاسم المستعار "رالف آيرن"، لم تكن تضع بين يدي القارئ الذي تعوّد على الأدب الفيكتوري رواية أخرى عن الحياة في جنوب أفريقيا، بل كانت تفتح، من داخل الرواية نفسها، شقوقاً في اليقين الديني والاجتماعي والأخلاقي لعصرها. وقد بدت الرواية، منذ ظهورها، عصية على الاستقرار داخل تصنيف أدبي واحد؛ فهي رواية تكوين، وتأمل فلسفي، واحتجاج على السلطة، وبيان نسوي مبكر، وفي الوقت نفسه نص شديد الحساسية تجاه المكان والطبيعة والعزلة والمصير الإنساني.
لهذا تجاوز أثرها حدود الحكاية الاستعمارية التي تدور أحداثها في مزرعة نائية بمنطقة الكارو، لتصبح نصاً رؤيوياً يستشرف بعض أسئلة الحداثة الأدبية: أزمة الإيمان، وانهيار اليقين، والتمرد على الأدوار الاجتماعية، والعزلة الفردية، والبحث عن معنى يتجاوز المؤسسات والقوالب الجاهزة. وفي قلب هذه الأسئلة جميعاً تقف الأرض؛ أرض قاحلة واسعة، لا تمنح أبناءها وعداً بالعودة ولا عزاءً بالانتماء.
لا يمكن فهم الرواية من دون التوقف طويلاً أمام المكان. فالمزرعة المعزولة في منطقة الكارو شبه الصحراوية بجنوب أفريقيا ليست خلفية صامتة للأحداث، وإنما قوة فاعلة تتداخل مع مصائر الشخصيات وتعيد تشكيل وعيها. إن اتساع المكان وجفافه وقسوته وعنف طبيعته ينعكس على العالم الداخلي للشخصيات، حتى يبدو المشهد الطبيعي، في كثير من الأحيان، صورة خارجية لقلقها الروحي.
الكارو أرض للتناقضات الحادة: جفاف ممتد تعقبه عواصف عنيفة، واتساع يوحي بالحرية فيما يحاصر سكانه بالعزلة. ولذلك لا يبدو المكان رعويةً بالمعنى التقليدي؛ فليس فيه ذلك الريف الذي تستعيد فيه الذات ذاكرتها أو تجد فيه جذورها، ولا ذلك الحضور الحميم للأرض الذي يمنح الإنسان شعوراً بالانتماء. إنه مكان يكاد يخلو من الحنين.
وهنا تكمن إحدى أكثر أفكار شراينر عمقًا: الأرض لا تمنح الإنسان وطنا بالضرورة، فالمزرعة نفسها ليست بيتاً مكتمل الدلالة، ولا مجتمعاً عضوياً تتصل فيه الذاكرة بالمكان. إنها نموذج مفكك للوطن، مملوك لامرأة لا ترتبط الشخصيات بها ارتباطاً حميماً، ويعيش فيها الأطفال البيض من دون أن يشعروا بأن الأرض تستعيدهم أو تنتمي إليهم. وحتى الآثار القديمة، ومنها الرسوم الصخرية التي خلفها فنانو الخوي سان، تبدو كعلامات على تاريخ غائب يستحيل استعادته.
بهذا المعنى، تقف شراينر على مسافة بعيدة من التقليد الرعوي الإنجليزي الذي غالباً ما يجعل الطبيعة فضاءً للذاكرة والانسجام والعودة. فالكارو عندها ليست أرضاً تستقبل العائد، وإنما هي أرض تكشف للإنسان هشاشته ووحدته. إنها أرض بلا وعد بالعودة.
لذلك تبدو المزرعة، في الوقت نفسه، مجتمعاً استعمارياً مصغراً ومسرحاً لدراما وجودية تتجاوز حدود الاستعمار نفسه. فالأطفال الذين ينشأون فيها يواجهون سؤالاً أكبر من سؤال المكان: كيف يمكن للإنسان أن يجد معنى لحياته حين لا تمنحه البيئة التي يعيش فيها يقيناً جاهزاً؟
تتمحور الرواية حول شخصيات هم: ليندال ووالدو، وإيم، هؤلاء ليسوا مجرد شخصيات مختلفة، إنما يمثلون طرائق تعبير عن التمرد، البحث الروحي، الامتثال.
تبدو ليندال الشخصية الأكثر وعياً في الرواية، والأكثر اقتراباً من مشروع شراينر الفكري. إنها ذكية وطموحة ومتمردة، وتدرك منذ وقت مبكر أن المجتمع لا يرى في المرأة فرداً مستقلاً، وإنما يحدد لها وظيفة اجتماعية مسبقة: أن تكون زوجة وأماً، وأن تجد اكتمالها في الآخرين.
لكن ليندال ترفض هذا المصير. إنها لا تريد زواجاً يختزلها، ولا حباً يتحول إلى امتلاك، ولا معرفةً تُمنح لها بوصفها امتيازاً من الرجل. إنها تبحث عن الاستقلال والمعرفة وعن شكل من الحب لا يلغي الذات. ومن هنا تأتي قوة خطابها حول المرأة؛ فهي لا تطالب بمجرد تحسين موقع المرأة داخل النظام القائم، بل تشكك في الأساس الذي يجعل المجتمع قادراً على تعريف المرأة نيابة عنها.
غير أن شراينر لا تحول ليندال إلى بطلة أيديولوجية مكتملة. فتمردها نفسه يمر بتحولات عميقة. وفي أيامها الأخيرة، تتراجع عن بعض فرديتها الصارمة، وتصل إلى إدراك مختلف يقوم على الترابط بين الكائنات والحياة. وبذلك تتحول تجربتها من مجرد رفض للسلطة الأبوية إلى تصور أوسع للعلاقة والمسؤولية.
هذه النقلة مهمة؛ لأنها تجعل نسوية شراينر أكثر تعقيداً من مجرد المطالبة بالاستقلال الفردي. فالحرية، في نهايتها، لا تعني أن يعيش الإنسان منفصلاً عن الآخرين، وإنما أن يعيد بناء علاقته بهم على أساس من الاعتراف المتبادل لا الهيمنة.
إذا كانت ليندال تمثل التمرد الاجتماعي والفكري، فإن والدو يمثل التمرد الروحي، إنه فتى فقير التعليم النظامي، لكنه يمتلك حساسية فلسفية عميقة. يعيش أزمة إيمان مبكرة، لأن الدين الذي يحيط به يقدم له إلهاً غاضباً، عقابياً، لا يعرف الرحمة إلا بوصفها استثناءً. ومن هنا يبدأ سؤال والدو: هل يمكن أن يكون الإله الذي يُراد للإنسان أن يخشاه هو الحقيقة الوحيدة الممكنة؟
يرفض والدو هذا الإله، لكنه لا يتوقف عن البحث. إنه يحاول أن يعثر على المقدس في الطبيعة والفن والعمل والإبداع. وتتحول آلة قص الصوف التي اخترعها إلى رمز لهذا النزوع؛ فالإبداع بالنسبة إليه ليس مجرد وسيلة عملية، وإنما محاولة لإنتاج معنى في عالم يبدو خالياً منه. وعندما يدمر بونابرت بلينكينز هذا الاختراع، لا يكون ما تحطم مجرد آلة، بل صورة من صور الروح الخلاقة.
والدو، بهذا المعنى، هو حالم جريح؛ روح تحاول أن تجد النظام والمعنى في كون يبدو، في ظاهره، غير مبالٍ بالإنسان . ومن أكثر الأفكار الفلسفية إثارة في الرواية ذلك التحول من البحث عن الخلاص الفردي إلى تصور الوحدة الكونية. فالمعنى لا يعود مرتبطاً ببقاء الذات منفردة إلى الأبد، وإنما بانتمائها إلى كل أكبر منها. إن موت الفرد لا يصبح النهاية المطلقة إذا أدرك الإنسان نفسه باعتباره جزءاً من وحدة تتجاوز حدود الأنا.
وهنا تتحول أزمة الإيمان من رفض بسيط للدين إلى محاولة لبناء تصور بديل للوجود.
أما إيم فتقف على الطرف المقابل من ليندال ووالدو. إنها لطيفة، مطيعة، قليلة الطموح، وتقبل الدور الذي رسمه لها المجتمع من دون صدام كبير.
لكن شراينر لا تقدمها بوصفها شخصية سلبية تستحق الإدانة. على العكس، تتعامل معها بتعاطف واضح، وكأنها تقول إن البشر ليسوا جميعاً مطالبين بالتمرد بالطريقة نفسها، وإن الإنسان قد يجد قدراً من السعادة في حياة بسيطة لا تتطلب منه خوض المعارك الفكرية الكبرى. ومن هنا تكتسب إيم وظيفتها الرمزية: فهي لا تمثل فشل التمرد، بقدر ما تمثل إمكان العيش داخل النظام..
وإذا كانت ليندال ووالدو يبحثان عن حياة مختلفة، فإن إيم تستطيع أن تجد معنى للحياة المتاحة.
توجه شراينر نقداً قاسياً إلى المؤسسات التي تحول العقيدة إلى نظام للسيطرة. ويظهر ذلك بوضوح في التصوير الساخر للصرامة الدينية الكالفينية التي تحيط بوالدو. فالدين الذي يتلقاه الطفل لا يفتح أمامه العالم، وإنما يغلقه داخل الخوف من العقاب الأبدي.
إن الأزمة هنا ليست في الإيمان نفسه، وإنما في احتكار المؤسسة الدينية لتعريف الحقيقة.
ومن هذه الزاوية، يصبح رفض والدو للدين العقابي جزءاً من مشروع الرواية الأوسع في مقاومة كل سلطة تريد أن تفرض معنى واحداً على الإنسان.
وتتجسد السلطة الفاسدة في شخصية بونابرت بلينكينز، ذلك المحتال المتلون الذي يستولي على المزرعة ويستخدم الدين والمظهر الاجتماعي وسيلة لتحقيق مصالحه. إنه شخصية كاريكاتورية، لكنها ليست سطحية؛ فخداعه يقوم على حقيقة اجتماعية مريرة: كثيراً ما تستطيع السلطة أن تختبئ خلف الخطاب الأخلاقي. ولهذا يصبح بلينكينز صورة مصغرة للجشع والاستغلال والإمبريالية؛ إذ يجمع بين النفاق الديني والرغبة في السيطرة والقدرة على استثمار سذاجة الآخرين.
تكمن حداثة شراينر في أنها لا تكتفي بطرح أسئلة جديدة، وإنما تغير الطريقة التي يمكن أن تُروى بها هذه الأسئلة. فالبنية السردية غير المستقرة، والمقاطع التأملية والخطابية، والرموز التي تتخلل الحكاية، والحضور القوي للصوت الفلسفي، كلها عناصر تجعل الرواية تتجاوز الواقعية الفيكتورية التقليدية.
ولا يأتي هذا التجريب الشكلي منفصلاً عن مضمون الرواية؛ فالنص الذي يتحدث عن انهيار اليقين لا يستطيع أن يبقى أسير بنية سردية تمنح القارئ يقيناً نهائياً. لذلك تبدو الرواية نفسها، في شكلها، مثل عالم شخصياتها: عالم مضطرب، غير مكتمل، مفتوح على الاحتمالات.
ومن هنا تأتي أهمية المقاطع الرمزية، ومنها مقطع «الصياد»، الذي يتحول إلى صورة للبحث عن الحقيقة. فالحقيقة في عالم شراينر ليست شيئاً جاهزاً ينتظر من يعثر عليه، وإنما مطاردة لا تنتهي.
ربما يكون أكثر ما يميز الرواية رفضها للحل المريح.
لا تجد ليندال مكانها في العالم. ولا يعثر والدو على يقين نهائي. وتمضي حياة الشخصيات الرئيسية نحو الموت والخسارة بدلاً من الوصول إلى المصالحة التي تتوقعها الرواية التقليدية.
تموت ليندال مبكراً، ويموت والدو في أثر حزنها، وكأن الرواية تتعمد أن تحرم القارئ من النهاية التي تعيد ترتيب العالم وتمنحه معنى مستقرا. لكن هذه النهاية ليست تشاؤماً خالصا.
إنها رفض لفكرة أن كل سؤال يجب أن ينتهي بإجابة، وأن كل تمرد ينبغي أن يقود إلى انتصار، وأن كل رحلة يجب أن تنتهي بالعودة إلى الوطن. فالرواية لا تعد بالخلاص، وإنما تمنح قيمة لفعل البحث نفسه..
ومن هنا تصبح الكارو، مكاناً للإمكان بقدر ما هي مكان للفقد. فغياب الوطن الجاهز يفتح المجال لتخيل أشكال جديدة من الانتماء، وغياب الحقيقة النهائية يفتح المجال لمواصلة البحث، وانهيار العلاقات القائمة يسمح بإعادة التفكير في معنى العلاقة نفسها..
تقف "قصة مزرعة أفريقية" على العتبة بين أدب القرن التاسع عشر والحداثة القادمة. إنها رواية عن انهيار الإيمان، لكنها ليست رواية عدمية؛ وعن تمرد المرأة، لكنها لا تختزل النسوية في شعار؛ وعن الاستعمار، لكنها لا تقف عند حدود الرواية التاريخية؛ وعن الطبيعة، لكنها لا تستخدمها مجرد خلفية جمالية.
إنها، في جوهرها، رواية عن الإنسان حين يفقد الخرائط التي كانت تدله على الطريق.
ولهذا تبدو ليندال ووالدو شخصيتين متجاورتين في رحلة واحدة: هي تبحث عن حرية الإنسان داخل المجتمع، وهو يبحث عن معنى الإنسان داخل الكون. وكلاهما يكتشف أن الطريق لا يؤدي إلى خلاص بسيط. أما إيم فتمثل إمكانية أخرى: أن يعيش الإنسان داخل العالم كما هو، وأن يعثر، رغم محدوديته، على قدر من السعادة.
تمنح شراينر البطولة الحقيقية، في النهاية، لا لمن يجد الإجابة، بل لمن يجرؤ على طرح السؤال.
في عالم قاحل لا يقدم عزاءً جاهزاً، تصبح مقاومة الجهل والخوف والسلطة شكلاً من أشكال الأمل. وحين تغيب العودة إلى الوطن، يصبح المستقبل هو المكان الوحيد الذي يمكن أن يُبنى فيه معنى جديد.
لهذا تظل »قصة مزرعة أفريقية» أكثر من رواية عن مزرعة في الكارو؛ إنها رواية عن أرض لا تمنح الإنسان وطناً، وعن إنسان يضطر، رغم ذلك، إلى أن يصنع لنفسه معنى. وفي هذا التوتر بين القفر والبحث، وبين الفقد وإمكان التحول، تكمن قوة شراينر الأدبية والفكرية، كما يكمن السبب في بقاء روايتها نصاً مبكراً ومؤثراً في تاريخ الحداثة الأدبية والنسوية.
|