|
القاهرة 18 أغسطس 2026 الساعة 03:27 م

حاورها: مصطفى علي عمار
-
ابتهال الشايب: لستُ فعالية أدبية.. مشروعي أكبر من المدينة.
من مدينة الآثار والسياحة إلى ضجيج العاصمة، من قصر ثقافة الأقصر إلى صالات النقاش في القاهرة، قطعت القاصة والروائية والمترجمة ابتهال الشايب طريقها بهدوء وعناد.
ابنة الأقصر التي بدأت تكتب في المرحلة الإعدادية، وحصلت على جائزة الدولة التشجيعية للآداب في القصة القصيرة عام 2014، لم تكن يومًا مجرد اسم في مؤتمر أو فعالية. مشروعها، كما تقول، أكبر من ذلك بكثير: مشروع يحتاج إلى تركيز واهتمام وعزلة... بين "نصف حالة" و"يزن" وصولًا إلى "شوك وحيد"، وبين ترجمة "زمن البانوبتيكون" و"7 أيام في حياة كلارا"، وبين مقالات "القاهرة" و"أخبار الأدب" و"المصور"، رسمت الشايب خريطة خاصة بها. خريطة مزجت فيها بين هدوء الأقصر وانفتاحها، وبين قسوة القاهرة ودعمها، بين لغة الفرنسية التي درستها حبًا في الترجمة، وبين موسيقى المهرجانات التي اكتشفتها في شوارع المدينة الكبيرة..
في هذا الحوار تتحدث ابتهال الشايب عن الأقصر التي منحتها الكرامة والانفتاح، وعن القاهرة التي منحتها الأصدقاء والوجع، وعن الكتابة كلعبة تتحول إلى معاناة، وعن الشقاء الذي هو لعنة في الحياة ونعمة في الأدب. كما توجه نصيحة لكل شاب يكتب ليلاً ويعمل نهارًا من أجل لقمة العيش: لا تقلد أحدًا، واملك قضية تحارب من أجلها.
-
أنتِ من مواليد الأقصر، وبدأتِ مسيرتك في "قصر ثقافة الأقصر" و"نادي القصة بالأقصر". ما الذي منحته لكِ الأقصر ولم تستطع القاهرة أن تمنحه؟
أعطتني الأقصر الكثير، وساهمت في تكويني. أحببت الآثار الفرعونية، ومن ثم اهتممت بالفن، وأدركت أن على الإنسان أن يكون له إبداع خاص به يقدمه دون خوف. بالإضافة إلى وجود مجال السياحة في المدينة، والذي كان سببًا في دراستي اللغة الفرنسية واهتمامي بالترجمة. كذلك أضافت المدينة سهولة الانفتاح على الثقافات الأخرى، وعدم التعصب، وضرورة احترام الآخر، ومراعاة ثقافة المكان، والبساطة والرقي في التعامل. وغيرها من الأمور، إلى جانب سمات المجتمع الجنوبي نفسه مثل الكرامة والمروءة. استطاعت الأقصر أن تمنحني في بداية طريقي الدعم، وتعلمت فيها كتابة القصة القصيرة، وأدركت جيدًا طبيعة الوسط الأدبي والمثقفين، تعلمت أن الكاتب الحقيقي هو من يمتلك ضميرًا حيًا، ويدافع عن الإنسانية، ولا يبيع نفسه، ربما لم أجد ذلك الأمر بشكل كبير في المجتمع الثقافي؛ لأن المصلحة الشخصية تطغى في أغلب الأحيان على كل شيء وهي صاحبة الكلمة الأولى.
-
هل كان رحيلك إلى القاهرة بحثًا عن فرصة أم محاولة للخروج من دائرة الصمت في الصعيد؟
لم يعد السفر إلى القاهرة فرصة كبيرة، لأن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت في كثير من الأمور. غالبية من يتابع أعمالي ويدعمني هم نقاد الجنوب، أمثال الناقد د. محمد سمير عبد السلام، أحد المتخصصين في مذهب التجريب الذي أستخدمه بشكل موسع في كتابتي. كذلك الناقد د. محمود فرغلي الذي يؤمن بكتابتي، والناقدة د. أسماء خليل، التي حصلت على جائزة ابن خصيب عن دراستها في روايتي "يزن". والراحل أشرف البولاقي الذي كتب كثيرًا عني، والناقد د. الضوي محمد الضوي، والناقد د. منتصر نبيه، بجانب بعض أصدقائي من الكتاب. ما زلت أحب مدينتي الأقصر وأعتز بها كثيرًا.
-
علاقتك بالقاهرة قديمة ومتشعبة. كيف أثرت المدينة عليكِ إنسانياً وأدبياً، رغم أنك ترين مشروعك أكبر من مجرد فعالياتها؟
أنا أسافر إلى القاهرة منذ أن كنت طفلة، عمل والدي كان يتطلب السفر إلى هناك باستمرار، وكذلك والدتي، فهي ولدت في حي شبرا، وعاشت هناك وقتًا طويلًا قبل زواجها من أبي، وجزء كبير من أقاربي يعيشون فيها. أحببت حضور مناقشات الأعمال السردية، لأنني أستفيد منها. في النهاية أنا لست مجرد فعالية أدبية أو مؤتمر، سواء في القاهرة أو الجنوب أو أي مكان آخر، ولا أزيد أو أنقص باهتمام الآخرين. مشروعي الأدبي أكبر من ذلك بكثير، وفي حاجة إلى الاهتمام والتركيز.
في الوقت نفسه منحتني القاهرة قدرًا كبيرًا من الاهتمام والمحبة والدعم، ووجدت التفاهم والأصدقاء الحقيقيين.
على المستوى الشخصي جعلتني أستمع إلى موسيقى المهرجانات بدلا من الأغاني الغربية التي اعتدت سماعها نظرًا لطبيعة المنشآت السياحية في مدينتي، جعلتني أشعر بالبساطة، ودفعتني أن أقترب أكثر من معاناة الإنسان، وشاهدت بعض النماذج البشعة من البشر، وكنت أظن أن كل العالم هادئ وراق مثل مدينة الأقصر.
-
لماذا تفضلين التنقل بين القصة والرواية؟ وما الذي تجدينه في كل منهما؟
لأنني أعتبر الكتابة لعبة، فمرة أكتب قصة ومرة أحب كتابة الرواية، حسب حالتي المزاجية.
-
هل كان الدافع الأول للكتابة عند ابتهال الشايب "وجع" الأشجان والفقد، أم "فرحة" الاكتشاف والانبهار؟ وما اللحظة التي أمسكتِ فيها القلم للمرة الأولى وشعرتِ فيها بضرورة الكتابة؟
الكتابة كانت هواية بالنسبة لي، ثم تعمقت فيها أكثر، وتحولت إلى لعبة ثم معاناة.
بالتأكيد فرحة الاكتشاف والانبهار. بدأت الكتابة في آخر سنة في المرحلة الإعدادية.
-
جائزة الدولة التشجيعية للآداب - فرع القصة القصيرة عام 2014، هل كانت نقطة تحول في مسيرتك؟ وما الذي تغيّر بعدها في تعامل الوسط الأدبي والنشر معكِ؟
كانت نقطة تحول، لأنني شعرت بمسؤولية كبيرة وعبء. وأشياء كثيرة تغيرت في التعامل مع الوسط الأدبي، سواء بشكل إيجابي أو سلبي، لكنني كثيرًا ما أفضل العزلة. أما بالنسبة لدور النشر، فطبعت غالبية أعمالي الأدبية في الدار نفسها "دار النسيم" ولم أغيرها.
-
صدرت مجموعتك القصصية الأولى "نصف حالة" عام 2013، ثم الطبعة الثانية عام 2015. ما هي "نصف الحالة" التي كنتِ تعيشينها وقتها؟ ولماذا احتاجت إلى طبعة ثانية بعد عامين فقط؟
المجموعة القصصية "نصف حالة" هي مجموعتي الأولى. لم تكن هناك حالة معينة أعيشها، كنت في بداية الطريق، وكنت أستمتع بشدّة بما أفعله من كتابة وتجريب وسرد أفكار.
-
انتقلتِ من القصة القصيرة إلى رواية "يزن" 2015، ثم إلى رواية "شوك وحيد" 2024 بعد تسع سنوات. ما الفرق بين وجع كتابة القصة ووجع كتابة الرواية؟ وما سبب هذا الغياب تسع سنوات؟
القصة تمتلك وجعًا أخف من الرواية، لأنها محدودة. لكن الرواية مليئة بالأحداث والتفاصيل، فهي تمثل معاناة كاملة تبدأ من أول صفحة حتى آخر صفحة.
-
عنوان "شوك وحيد" عنوان قوي وموحٍ. لمن الشوك؟ وهل الوحدة التي يتحدث عنها العنوان اختيار أم فرض؟
الشوك في الرواية يمثل الفرص التي لم تُستغل، والوحدة شيء اختياري بحت.
-
أنتِ مترجمة مستقلة من اللغة الفرنسية، ولكِ ثلاثة كتب ترجمة: "زمن البانوبتيكون"، و"7 أيام في حياة كلارا"، وكتاب تحت الطبع. لماذا اخترتِ اللغة الفرنسية تحديداً؟ وهل الترجمة ملاذ للكاتب أم منافس للكتابة الأصلية؟
عندما انتهيت من المرحلة الثانوية حصلت على مجموع 93%. كنت أدرس في قسم علمي علوم، نظرًا لحبي لدراسة الأحياء والكيمياء، لكنني لم أكن أنوي دخول كلية الطب أو الصيدلة. كنت أريد دراسة اللغات، ومجموعي لم يتناسب مع كلية الألسن حينها لأن دراستي كانت في قسم علمي علوم، فاخترت كلية الآداب قسم لغة فرنسية. وجدت أن اللغة الإنجليزية تكاد تكون معروفة، وليست في حاجة إلى التوسع في دراستها على عكس اللغة الفرنسية.
الترجمة عالم آخر من الإبداع والاطلاع والثقافة والمتعة، ولا تساوي الكتابة الأصلية. الترجمة أكثر سهولة منها.
-
عملتِ في الصحافة، وكتبتِ في "القاهرة" و"أخبار الأدب" و"المصور". ماذا علمتكِ الصحافة في مجال الأدب؟ وماذا خسر الأدب من الصحافة؟
الصحافة أيضًا إبداع خاص. تعلمت كتابة المقال على يد الكاتب الصحفي طارق رضوان، وتعلمت فنيات الترجمة الصحفية على يد المترجم والروائي أحمد عبد اللطيف. في كتابة المقال أستطيع أن أمارس قدرًا من جنوني.
كذلك ساعدتني الترجمة في الصحف على التعرف على أساليب جديدة في النصوص الفرنسية. تعلمت من الصحافة السرعة والإنجاز والمتابعة والدقة ومعرفة اهتمامات القارئ وما يحتاجه.
كل هذه الخبرة أفادتني في أن أترجم في مجلات أخرى كالمصور وعالم الكتاب. لم يبخل عليّ أحد في متابعتي ونصحي ودعمي.
لم تنقص الصحافة من الأدب في شيء، بل بالعكس هي بمثابة تمرين على الكتابة وتنمي أفكار الكاتب. باختصار العمل في مجال الصحافة يجعلني أتنفس.
-
يُقال إن المرأة الصعيدية تواجه "مطارق" كثيرة. من خلال مشاركتك في ورشة "القضاء على العنف ضد المرأة" بالأقصر، وبصفتك مبدعة من هناك.. أين وجدتِ الاحترام وأين وجدتِ التشدد؟
الأقصر مدينة منفتحة. تعامل فيها المرأة باحترام، وتُعامل المرأة زوجها برقي وأدب، الاحترام متبادل بينهما. نشأت في أسرة تعمل في مجال السياحة. عائلتي ليست متشددة، متحررون لكن بحدود. والدي وأخي مثقفان، يحبان القراءة، ويجيدان اللغات الأجنبية. غالبية العائلات التي تسكن مدينة الأقصر تشبه عائلتي.
لم أعرف الأفكار الذكورية المتشددة إلا عندما تعاملت مع بعض الأشخاص ممن ينتمون إلى بعض المناطق الريفية، سواء في الجنوب أو الدلتا أو القاهرة.
-
كما يُقال "الكتاب أشقياء".. هل توافقين ابتهال الشايب على هذه المقولة؟ هل الشقاء في الكتابة نعمة أم لعنة؟ ومتى كانت آخر مرة أبكتكِ فيها الكتابة؟
الشقاء لعنة في الحياة بالنسبة للكاتب، لكنه نعمة في الكتابة، فهو ملهم بشدة. بكيت منذ نحو شهرين وأنا أحاول أن أكتب قصة جديدة. لم أبك بسبب القصة ذاتها، بكيت هكذا دون سبب.
-
أصدرتِ كتاب "مياه كوكب الأرض - أساطير شعبية" للأطفال. لماذا عدتِ إلى الأسطورة والطفل بعد القصة والرواية للكبار؟
أحب قصص الأطفال ومازلت أقرأها حتى الآن. اعتادت أمي أن تقرأ لي القصص، وكنت أستمع إليها برفقة "دبدوبي". أنا أترجم منذ كنت طالبة في كلية الآداب، وبدأت بترجمة قصص الأطفال لأن كلماتها سهلة وبسيطة. لذلك اخترت إحدى الأساطير الشعبية الأجنبية، لكي أحفز خيال الأطفال مثلما كانت تفعل أمي معي.
-
كنتِ ضيفة شرف في مهرجان وادزا الثقافي الدولي بالمغرب 2025، وحصلتِ على درعه. ما الذي اكتشفتِه عن الأدب المصري خارج مصر؟
اكتشفت اهتمامًا كبيرًا بالأدب، والإخلاص، وضرورة التواصل مع كتاب آخرين خارج نطاق مجتمعنا، وأهمية الحفاظ على الهوية.
-
كلمة أخيرة توجهينها لكل شاب يكتب ليلاً ويعمل نهاراً من أجل "لقمة العيش"؟ وما نصيحتكِ لجيل الشباب الذي تنتمين إليه، ليكتبوا أسماءهم من نور؟ كما استطاعت ابتهال بنت الأقصر أن تجعل اسمها عالياً في سماء الأدب، ما وصفتكِ السحرية لهم؟
أتمنى أن يمتلك القدرة والطاقة والصبر والتوفيق، وأن يستفيد من معاناة البحث عن لقمة العيش ويستغلها في الكتابة، لأن هذا البحث سيفتح له طرقًا كثيرة ويعطيه أفكارًا وموضوعات، وأن يستمتع بقدر الإمكان أي يلهي ذاته.
أن يمتلك قدرا من الكرامة والضمير والأخلاق والمبادئ، وألا يقلد أحدًا، فلكل منا له طريقه الذي قُدر له. نحن لسنا متشابهين، وكثرة المقارنات تفسد الموهبة، ولا تحقق النجاح. ثم الاجتهاد والقراءة في مجالات كثيرة، وأن يكون ذا شخصية قوية ومستقلة، له رؤيته الخاصة في الأمور ويمتلك قضية يدافع عنها ويحارب من أجلها.
|