|
القاهرة 18 أغسطس 2026 الساعة 02:45 م

بقلم: أميرة السمني
يتضمن طيف التعاطف الإنساني مع الآخرين عدة درجات، تبدأ بالشفقة وهو إحساس سلبي بالأسى من بعيد، يليه التعاطف الذي يعبّر عن إدراك ألم الآخرين دون التفاعل الكامل، ثم المشاركة الوجدانية وتتضمن فهم ومشاركة الآخرين مشاعرهم والقدرة على وضع نفسك مكانهم، أما الأعلى والأنبل فهي الرحمة لأنها تتجاوز مجرد الشعور إلى الفعل لتخفيف معاناة الآخرين. لذا استحق الكاتب الصحفي الكبير الأستاذ عبد الوهاب مطاوع لقب "صاحب القلم الرحيم" عن جدارة، وإذ تحل ذكراه في هذا الشهر، فإنني أودُّ أن أشارك في إحياء سيرته الطيبة بكتابة هذا المقال.
تبدأ حكاية كاتبنا مع بريد الجمعة، كما يرويها في فيديو مصور له، عندما تولي عام 1982 الإشراف على بريد الأهرام اليومي الذي كان يتلقى شكاوى المواطنين التي تختص بالخدمات والمرافق وغير ذلك من المشكلات الاجتماعية، ويخصص يوم الجمعة لرد المسؤولين عليهم، ثم خطرت له فكرة نابعة من إيمانه بأن كل ما يخص الإنسان ويؤرقه يستحق الاهتمام، فقرّر أن يجرب عرض مشكلة إنسانية في يوم الجمعة.
وكانت المشكلة الأولى التي وقع اختياره عليها للنشر لأب شاب يعتصر الألم قلبه بسبب فقده صغيره الوحيد، وقد وضعت أخته مولودًا بعد أسابيع من وفاة طفله ورفضت الاحتفال به مراعاة لمشاعره، فما كان منه إلا أن أقام هو الاحتفال بطفلها، وهو يرسل رسالته ليتساءل هل ما فعله طبيعياً أم أن الجنون أصابه.
ولكاتب هذه الرسالة يقول إن ما فعله ليس دربًا من الجنون وإنما تساميًا على ألمه الخاص ورفضًا منه أن يفرض أحزانه على الآخرين وإن كانوا أقرب الناس إليه، وأنه بحاجة إلى مواساة الآخرين ودعمهم له، ويستأذنه أن يرسل له رسائل القراء الموجهة إليه.
فوجئ عبد الوهاب مطاوع بسيل الرسائل التي وصلته لأناس يحاولون التخفيف عن الأب ومشاركته أحزانه بدون سابق معرفة، ومن هنا أدرك أهمية التعاطف والمشاركة الوجدانية وأثرها الكبير في تخفيف أحزان الإنسان، فقرّر الاستمرار في فكرته.
وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا صار بريد الجمعة ضيفًا أسبوعيًا مرحبًا به في بيوتنا المصرية، يتسابق أفراد الأسرة على قراءته وتناول مشكلاته بالنقاش والاحتفاظ بقصاصات منه.
ومن خلال هذا الباب كان عبد الوهاب مطاوع يمدُّ يده الحانية إلى الملايين من قرائه ليمسح دموع المتألمين ويواسي المحزونين ويبشّر الصابرين بجوائز السماء، وكانت الرسائل التي يعرضها وردوده عليها درسًا أسبوعيًّا يعلمنا الحكمة والرحمة والوفاء والصبر والنبل والبر والإيثار، والأهم أنه يعلمنا قيمة الكلمة، وقدرتها على الفعل.
ولو كانت الكلمات تضيء حقًا لا مجازًا لتحولت صفحات بريد الأهرام إلى طاقة نور، كما تقول الشاعرة الأمريكية إيميلي ديكنسون "لا أعرف شيئًا في العالم يمتلك قوة تضاهي الكلمة. أحيانًا أكتب كلمة، ثم أنظر إليها إلى أن تضيء".
وأترك لك الحكم عزيزي القارئ، أليست هذه الكلمات المقتبسة من رده على إحدى الرسائل جديرة حقًا بأن تضيء كشمعة في ليل المكروبين:
"لا بدَّ للأحزان من نهاية مهما اشتد الظلام وتكثفت الغيوم، بل إننا لنتعلق بالأمل كلما ثقلت علينا الأحزان في أن يكون اشتداد المحنة بشيرًا بقرب انفراجها تمامًا كما تحلك ظلمة الليل قبل انبلاج الفجر. وكلما ضاقت صدورنا بما تكابده من شقاء سرّينا عن أنفسنا بالتفكر في جوائز السماء التي تتنظر الممتثلين لأقدارهم، وفي التعويض الإلهي الذي يترقبه الصابرون على بلائهم، وفي السعادة المؤجلة التي يدّخرها لنا الله سبحانه وتعالى بعد أن استوفينا ضريبة الشقاء كاملة وحان دورنا لأن نتطلع في صبرٍ وأمل إلى رحمة الله بل إن المرء ليتمادى أكثر من ذلك، فيرجو ربه أن يكون ما قد ألمَّ به من عناء واختبارات نوعًا من الألطاف الإلهية التي يقول عنها أهل الحق إنها ذلك التدبير الإلهي الذي قد يأتينا أحيانًا بما نكره ليحقق لنا فيما بعد أعظم ما نحب. ويقولون أيضًا إن في حياة كل منا لمحات ونفحات من هذه المواقف التي بكينا أمامها، ثم لم نلبث أن سعدنا بما أمطرته علينا السماء بعدها من عطايا وانزاحت عنا الأحزان السابقة إلى الأبد".
لم يقتصر الكنز الذي تركه لنا عبد الوهاب مطاوع على بريد الجمعة فقط، ولكنه تضمّن أيضًا أكثر من 40 كتابًا يتنوع ما بين قصص إنسانية مختارة من بريد الجمعة وقصص قصيرة وسيرة ذاتية وأدب الرحلات، لتظل كلماته شاهدة على نبله وإنسانيته وصدق مقولته "إن هناك أشخاصًا يكفي مجرد وجودهم في الحياة لكي تتخفف الدنيا من بعض قبحها وقسوتها وعنائها"، تمامًا كما كان هو رحمة الله عليه.
|