|
القاهرة 18 أغسطس 2026 الساعة 02:29 م

بقلم: د. هويدا صالح
ثمة شيء غريب يحدث للإنسان حين ينتقل من البيت إلى المدرسة، أو من الحديث مع أصدقائه إلى الكتابة الرسمية. لا يتغير المكان فقط، بل تتغير اللغة أيضًا. الكلمات التي تبدو طبيعية في حديثه اليومي قد تصبح فجأة "غير مناسبة" في قاعة الدرس، أو في خطاب رسمي، أو في مقال مكتوب. وقد يجد نفسه مضطرًا إلى استدعاء لغة أخرى، أكثر صرامة وهيبة، كي يقول الشيء نفسه.
في بعض المجتمعات، لا يكون هذا الانتقال مجرد فرق بين الكلام والكتابة، أو بين العامية والفصحى، وإنما يصبح نظامًا اجتماعيًا كاملًا: لغة للحياة اليومية، ولغة أخرى للتعليم والإدارة والأدب والدين والمناسبات الرسمية. وكلما انتقل الإنسان من مجال إلى آخر، انتقل معه من لغة إلى أخرى.
هذه الظاهرة هي ما أطلق عليها عالم اللغة الاجتماعي الأمريكي تشارلز أ. فيرجسون اسم «الازدواجية اللغوية» في مقاله الشهير المنشور عام 1959. لكن أهمية الفكرة لا تكمن في المصطلح وحده، وإنما في السؤال الذي تفتحه:
-
لماذا لا نستخدم اللغة نفسها بالطريقة نفسها في كل مواقف حياتنا؟
لاحظ فيرجسون أن بعض المجتمعات لا تتعامل مع أنماطها اللغوية بوصفها متساوية. هناك شكل لغوي يتمتع بالمكانة والهيبة، يُستخدم في التعليم والكتابة والإدارة والخطاب الرسمي، وهناك شكل آخر يعيش في البيت والشارع والسوق والعلاقات اليومية.
أطلق فيرجسون على الأول اسم الشكل "الرفيع" ، والثاني الشكل "الوضيع". الشكلان هنا لا يحملان حكما لغوية من الباحث إنما تصفان المكانة التي يمنحها المجتمع لكل منهما.
المفارقة أن الشكل "الوضيع" هو في الغالب اللغة التي يعرفها الإنسان منذ طفولته، اللغة التي لم يحتج إلى كتاب لتعلمها، والتي ارتبطت بأول علاقاته بالعالم. أما الشكل "الرفيع" فيحتاج إلى المدرسة والتدريب والتصحيح والحفظ.
ومع ذلك، ينظر المجتمع عادة إلى الثاني بوصفه اللغة "الأصح"، والأكثر جمالًا وهيبة، بينما ينظر إلى الأول باعتباره أقل شأنًا، رغم أنه اللغة التي يستخدمها الناس في الجزء الأكبر من حياتهم.
لكن المفارقة التي تحتاج إلى تأمل وتحليل أن اللغة التي نتعلمها أولا ليست بالضرورة التي تمنحنا المكانة الأكبر.
ويمكن أن نضرب بوضعية اللغة العربية مثالا يوضح الثنائية اللغوية التي يقصدها فيرجسون، ففي الحالة العربية، تبدو هذه المسألة واضحة بصورة خاصة. فالطفل العربي لا يحتاج إلى أن يتعلم لهجته المحلية من كتاب قواعد، إنه يكتسبها من الأسرة والشارع والأصدقاء. لكنه يحتاج إلى سنوات من التعليم حتى يتمكن من قراءة النصوص الفصيحة والكتابة بها والتعامل مع الاستعمالات الرسمية. المفارقة التي تحتاج إلى تأمل هنا أننا لا نقول عادة إن اللهجة هي "لغتنا الأولى" وإن الفصحى لغة تعلمناها لاحقًا، بل كثيرًا ما نتحدث عن "العربية" وكأنها كيان واحد متجانس، في حين أن حياتنا اللغوية أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير..
تكمن أهمية ملاحظة فيرجسون في أنه لم ينظر إلى الاختلاف بين الشكلين(الوضيع والرفيع) بوصفه اختلافًا نحويًا أو صوتيًا فحسب. لقد رأى أن وراء اللغة تنظيمًا اجتماعيًا كاملًا.
فالفصحى، مثلًا، لا تُستخدم في المجتمع العربي بالطريقة نفسها التي تستخدم بها اللهجات. لكل منهما مجالاتها، حتى وإن حدث تداخل واسع بينهما. وحين يتحدث الإنسان إلى صديق في مقهى، فإنه لا يتحدث بالطريقة نفسها التي يخاطب بها جمهورًا في محاضرة، أو يكتب بها مقالًا، أو يقرأ بها نصًا دينيًا.
اختيار اللغة، إذن، ليس قرارًا لغويًا خالصًا. إنه قرار اجتماعي، نحن نغير لغتنا بحسب الشخص الذي أمامنا، والمكان الذي نحن فيه، والموضوع الذي نتحدث عنه، والصورة التي نريد أن نقدمها عن أنفسنا. ولذلك فإن اللغة تحمل شيئًا من هويتنا، لكنها تحمل أيضًا شيئًا من تصورنا عن المكانة والسلطة.
قد نستخدم لغة أكثر رسمية لأننا نريد أن نبدو أكثر علمًا، أو أكثر مهنية، أو أكثر قربًا من مؤسسة بعينها. وقد نعود إلى لغة الحياة اليومية عندما نريد أن نكون أكثر حميمية أو تلقائية.
الانتقال بين اللغات أو المستويات اللغوية ليس مجرد انتقال في الكلمات؛ إنه أحيانًا انتقال بين أدوار اجتماعية مختلفة.
لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما لا تكون اللغتان متجاورتين فحسب، بل تكون إحداهما مرتبطة بالسلطة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية..
وهنا يأتي إسهام عالم اللغة الاجتماعي جوشوا فيشمان، الذي وسّع مفهوم الازدواجية الذي طرحه فيرجسون في ستينيات القرن العشرين. فالسؤال الذي طرحه فيشمان لم يعد مقتصرًا على لغتين أو مستويين من اللغة نفسها، بل أصبح من الممكن أن توجد الازدواجية بين لغتين مختلفتين تمامًا، إذا كان المجتمع يوزع بينهما الوظائف بطريقة غير متساوية..
وهذا يحدث في مجتمعات كثيرة: لغة محلية للحياة اليومية، ولغة أخرى للتعليم والإدارة والقضاء والاقتصاد. وقد تكون اللغة الثانية لغة استعمارية ورثت موقعها من مرحلة سياسية انتهت رسميًا، لكنها لم تفقد قوتها الاجتماعية. هنا لا تعود اللغة مجرد وسيلة للتواصل. إنها تصبح جزءًا من بنية السلطة.
يمكن رؤية ذلك بوضوح في إنجلترا بعد الغزو النورماندي عام 1066. فقد أصبحت الفرنسية مرتبطة بالبلاط والنبلاء والقضاء والإدارة، بينما بقيت الإنجليزية لغة قطاعات واسعة من السكان. لم يكن الناس يتحدثون لغتين مختلفتين لأنهم قرروا، ببساطة، أن يكون مجتمعهم متعدد اللغات. كان هناك نظام اجتماعي كامل جعل لغة النخبة هي اللغة الأكثر ارتباطًا بالسلطة والثروة والتعليم. وحتى اللغة الإنجليزية نفسها احتفظت بأثر هذه المرحلة. فالكثير من المفردات المرتبطة بالقانون والإدارة والسياسة والطعام الأرستقراطي جاءت من الفرنسية، بينما بقيت مفردات الحياة الريفية والزراعة والعمل اليومي مرتبطة إلى حد كبير بجذور إنجليزية.
يمكن للغة، إذن، أن تحفظ في مفرداتها تاريخ المجتمع الذي تشكلت فيه.
الكلمات ليست بريئة تمامًا؛ إنها تحمل أحيانًا آثار الطبقات والهجرات والغزوات والسلطة.
تظهر الصورة بصورة أكثر تعقيدًا في عدد كبير من المجتمعات الأفريقية. فقد انتهى الاستعمار السياسي، لكن الإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية ظلت في دول عديدة لغة الإدارة والتعليم العالي والقضاء والاقتصاد.
في المقابل، ظلت لغات محلية واسعة الانتشار مرتبطة بالأسرة والمجتمع والحياة اليومية.
المفارقة هنا أن اللغة التي يتحدث بها ملايين الناس قد تكون أقل قوة مؤسسية من لغة يتحدث بها عدد أقل بكثير من السكان.
فالطفل قد يتعلم لغة أسرته في البيت، ثم يذهب إلى مدرسة تعمل بلغة أخرى. وقد يحتاج إلى اللغة الثانية كي يصل إلى الجامعة، ثم إلى الوظيفة، ثم إلى المؤسسات التي تمنح المكانة الاجتماعية.
وهكذا يصبح تعلم اللغة المهيمنة ضرورة اقتصادية واجتماعية.
ليس لأن الناس يكرهون لغتهم الأصلية بالضرورة، وإنما لأن الفرص موزعة بين اللغات بصورة غير متساوية.
وهذا أحد أهم الدروس التي أضافها فيشمان إلى مفهوم الازدواجية: لا يكفي أن نعرف أن مجتمعًا يستخدم لغتين؛ علينا أن نسأل عن المكانة التي تمنح لكل لغة، وعن المؤسسات التي تستخدمها، وعن الفرص التي تفتحها أمام المتحدث.
-
متى تتحول الازدواجية إلى مشكلة؟
ليس كل تعدد لغوي مشكلة. قد يكون من الطبيعي والمفيد أن يستخدم الإنسان أكثر من لغة، وأن ينتقل بينها بحسب الموقف. بل إن المجتمعات متعددة اللغات قد تمتلك ثراءً ثقافيًا لا يمكن اختزاله في لغة واحدة. المشكلة تبدأ عندما يصبح التعدد تراتبًا، أي عندما تصبح لغة ما مرتبطة بصورة منهجية بالتعليم والوظيفة والسلطة، بينما تُحصر لغة أخرى في البيت والخصوصية والحياة الشعبية. عندها يصبح السؤال: هل تستطيع اللغة الأقل مكانة أن تدخل المجالات التي تصنع مستقبل المجتمع؟
هل يمكن أن ندرس بها؟ أن نكتب العلوم بها؟ أن نستخدمها في الإدارة والإعلام؟ هل يمكن لطفل أن يعيش بها حياته كلها، لا أن يحتفظ بها فقط باعتبارها لغة الأسرة؟
إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن اللغة تبدأ في فقدان وظائفها. وهذا هو الطريق الذي يقود إلى التحول اللغوي.
|