|
القاهرة 18 أغسطس 2026 الساعة 10:37 ص

بقلم: أحمد فاروق بيضون
سعد عبد الرحمن أردش شهرته سعد أردش، ممثل ومخرج مسرحى ولد فى مدينة فارسكور- دمياط فى 16 يونيه سنة 1924م، وغرُبت شمسُه فى 13 يونيه بالسنة الميلادية 2008؛ لا يشقُّ له غُبار في فرادة التمثيل والإخراج المسرحي، ويُعد أحد أبرز قادة النهضة المسرحية في مصر والعالم العربي خلال القرن الماضي.
الراحل الحاضر بآثرته الأدبية كان قد حصل على بكالوريوس العلوم المسرحية من معهد الفنون المسرحية عام 1952، وسافر في بعثة إلى إيطاليا ونال الدكتوراه من أكاديمية أستاك بروما عام 1961م، قدَّمَ عشرات العروض المسرحية الخالدة، وكان أول من قدم مسرح العبَث في مصر من خلال مسرحية "يا طالع الشجرة" لتوفيق الحكيم، من أبرز منائره بالإخراج المسرحي في "مسرح الجيب": "سكة السلامة"، و*"دائرة التباشير القوقازية"* و"الذباب" و"أوبرا عايدة" و"الحرافيش" و"الشبكة" و"الأرض".
أسس أستاذية التمثيل والإخراج في معهد الفنون المسرحية، وتخرج على يديه أجيال من كبار سطع نجمهم بين نباريس الريادة التمثيلية. كما تولى رئاسة البيت الفني للمسرح ونال جوائز تقديرية رفيعة منها جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 1990.
شارك في العديد من الأعمال السينمائية والتلفزيونية الشهيرة، مثل أدواره في "الاختيار" و*"قنديل أم هاشم" و"ظهور الاسلام" و"الحجر الداير" و"المال والبنون".
هَب أنَّه نثر مِداداً بأعمال كتابية إبداعية أكاديمية تتمحور حول الإخراج في المسرح المعاصر بأواخر سبعينيات القرن العشرين الفائت، ونذكر له قناديل مضيئة ملهمة ترتكز حول المسرح الإيطالي ك "الحفلة التنكرية" و"جريمة في جزيرة الماعز"، ناهيك عن مترجماته التي خلَّفها ككنز إثراء لا يُقلد بل ألهمنا إلى يومنا هذا ولقَّبه بـ (شيخ المسرحيين العرب).
أما عن درر الكلمات والمنهاج المسرحي الذي خلَّده تأسياً بمن اقتدى به وهو (بيرتلوت بريشت "بريخت") الذي ابتكر لغة تفاعيلية تعليمية بين الممثل المسرحي والمشاهد بمنأى عن الاستغراق العاطفي في مصطلح ألماني يُكنى Verfremdungseffekt (?يفريندوجس إيفيكت) ((تأثير التغريب)) أو ما يعرف بالإنجليزية Alienation Effect تأثير (التحييد أو الاستلاب)؛ أو بالأحرى يعني هذا الأسلوب الفني للمسرحة Dramatization يرتكز على نظرية "التلقي" بعيداً عن الاندماج العاطفي الكامل مع الحدث أو الشخوص التي تؤدي الأدوار على خشبة المسرح، بل يصُبّ تركيزه على حالة الوعي Addressee Awareness والتأملContemplation & Meditation والنقد Critical Thinking... فبدلاً أن يقول المُتلقي بأنه يعيش القصة يبدأ في السؤال وإعمال العقل: لماذا يقع الحدث الذي يراه بهذه الشاكلة؟ وهل هناك طرق أخرى؟
بالتالي فإن الطريقة البرختية لمسرح (سعد أردش) تكسر الإيهام المسرحي أو ميكانيزمات (الإيهام المغناطيسي) والتبعية من الجمهور المتفاعل بشكل مباشر، أي أنّ سرد الحدث يكون بصورة تتماهى مع الواقع تماماً ويكون الممثل مجرد (مُؤدي) أو (مُوجِّه) ولا يمكن اعتباره (الشخصية ذاتها) .
فالتغريب المقصود به هاهُنا ليس الغرابة في حدّ ذاتها، ولكنَّ Verfremdung يعني أن الفنان الذي يُمسرح المشهد هو المتجدد والغرائبيّ بما يكفي لعدسة النقادة ومنظار الرائي؛ فعلى سبيل المثال إن شاهدنا تمشهُد عن الفقر والفاقة بأدلجةٍ واقعية مؤثرة، سنتعاطف مع (الشخصية التي تلعب الدَّور) ونتناسى السؤال الاجتماعي الذي يفرض نفسه؛ أما إذا عُرض الفقر بطريقة تكسر اندماجنا وتدفعنا إلى ملاحظة المسبب وراء هذه الحاجة والضائقة، هكذا - فنحن أمام تأثير تغريبيّ.
وكأنهما (سعد وبريشت) صنوان في مسرحيهما الملحمي وهذه الرؤية الوجودية والصورة الغائبة التي تستجدي المستهلك الجمالي، تلك هي الرسالة السامية التي تكشف بلْ وتميط اللثام عن الأدران المجتمعية والصراعات الخارجية في مضامير الواقع، ربما استنكر بريشت مفهوم العبثية بأنها محض قضاء أو قدر ولكنه استأثر التفكير النقدي والبحث عن المسبب بالوعي والتأمل وكانت إرهاصات وإيعاز الرأسمالية كان العضال وراء المشهد في تحفته الخالدة (قيام وسقوط "ماهُوجني") حيث يكون الإفلاس جريمة لا تغتفر، كأن السؤال الذي يطرحه كلٌّ من سعد وبريشت في سيلهما الإبداعي: أيناه الأخلاق والقيم التي يبدو كأنها تنزف وتئن؟
الجدير بالذكر هنا أنَّ Verfremdungseffekt أو التأثير التغريبي يشبه نظرية (موت المؤلف) للفيلسوف الفرنسي "رولان بارت"، أي أنهما يلتقيان في انصهار بين الكتابة المسرحية والسرد من خلال السارد، والبنية أو المَتن، وكسر التوقعات، والتعليق على فعل السرد اللازم، وإشراك القارئ في الحدث، وهو الأمر الذي يخلق هذا الجمال الأدبي والأثر الإنساني اللافت إلى يومنا هذا.
رحلوا عن عالمنا وما زالت مآثرها خالدة يحكيها الأجيال وتؤسطرها سجلات تاريخ الأدب، وما زال أردش باقياً في قطار الإبداع على قيد الحياة.
|