|
القاهرة 15 أغسطس 2026 الساعة 02:31 م
متابعة : مروة مدحت
د. سامح مهران: العرض نموذج لقدرة المسرح على تجاوز الحدود وصناعة جسور الحوار بين الثقافات
803 عروض في 128 مدينة و25 دولة وأكثر من 280 ألف متفرج.. رحلة «إيكارو» المسرحية بدأت من ميلانو عام 1991
في إطار توجه مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي نحو الانفتاح على أبرز التجارب المسرحية العالمية، واستمرارًا لنهجه في دعم التعاون والتبادل الثقافي مع المؤسسات والجهات الفنية الدولية، تشهد الدورة الثالثة والثلاثون تعاونًا مع المعهد السويسري بالقاهرة «بروهلفيتسيا»، من خلال استضافة العرض المسرحي الشهير «إيكارو – Icaro»، للكاتب والمخرج والممثل السويسري الإيطالي دانييلي فينزي باسكا – Daniele Finzi Pasca، أحد أبرز الأسماء المؤثرة في المسرح العالمي وفنون الأداء المعاصرة.
وأكد البروفيسور الدكتور سامح مهران، رئيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، أن استضافة «إيكارو» تأتي امتدادًا لرؤية المهرجان في تقديم تجارب مسرحية استطاعت أن تترك أثرًا ممتدًا في خريطة المسرح العالمي، موضحًا أن التعاون مع المؤسسات والمراكز الثقافية الدولية، ومن بينها المعهد السويسري، يمثل أحد المسارات الأساسية التي يعمل المهرجان من خلالها على توسيع آفاق الحوار بين المسرح المصري والتجارب العالمية.
وقال مهران: «اختيار إيكارو ضمن برنامج الدورة الثالثة والثلاثين يعكس اهتمام المهرجان بالتجارب التي استطاعت أن تعبر الحدود وتحافظ في الوقت نفسه على هويتها الفنية، وهذا هو جوهر التجريب بالنسبة لنا: أن يبحث الفنان عن لغة جديدة، وأن يختبر قدرتها على التواصل مع جمهور مختلف، وأن يفتح المسرح على احتمالات لا تتوقف عند حدود المكان أو اللغة».
ومن جانبها، قالت داليا داوود، رئيسة مكتب مؤسسة برو هيلفيتسيا – القاهرة: «يسُر مؤسسة برو هيلفيتسيا القاهرة أن تواصل تعاونها مع الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (CIFET)، دعمًا للتبادل الثقافي بين سويسرا ومصر».
وأضافت أن هذا التعاون يتضمن دعوة فرقة المسرح السويسرية Compagnia Finzi Pasca لتقديم عرض «إيكارو» (Icaro) ضمن فعاليات المهرجان في مصر يومي 5 و6 سبتمبر.
ويقدم هذا العرض الفردي «المونودراما» مؤسس الفرقة دانييلي فينزي باسكا، الذي يحظى بتقدير عالمي واسع بفضل لغته المسرحية المميزة وسرده البصري الشعري الفريد.
وتكتسب مشاركة «إيكارو» في المهرجان أهمية خاصة، إذ يحضر العرض إلى القاهرة في العام الذي يحتفل فيه بمرور 35 عامًا على انطلاقه، بعدما بدأت رحلته العالمية من مدينة ميلانو الإيطالية عام 1991، ليستمر منذ ذلك الحين في جولاته بين المسارح والمهرجانات بمختلف أنحاء العالم.
وبحسب البيانات الرسمية للفرقة، بلغ عدد عروض «إيكارو» حتى الآن 803 عروض، جاب خلالها 128 مدينة في 25 دولة، وشاهده أكثر من 280 ألف متفرج، كما قُدم بلغات متعددة، ليصبح واحدًا من الأعمال التي نجحت في تجاوز حدود اللغة والجغرافيا، والحفاظ على حضورها فوق الخشبة لأكثر من ثلاثة عقود.
وتأتي مشاركة العرض في الدورة الحالية ضمن جولته الدولية احتفالًا بالذكرى الخامسة والثلاثين لـ«إيكارو»، إذ استعاد العمل خلال عام 2026 حضوره في عدد من المدن والدول، ضمن جولة خاصة بهذه المناسبة.
«إيكارو».. 35 عامًا من البحث عن الأمل
يطرح دانييلي فينزي باسكا في «إيكارو» تجربة مسرحية حميمة تقوم على العلاقة المباشرة بين الممثل والجمهور، وتتناول مفاهيم الأمل والهروب والحرية والحلم، من خلال شخصية مضادة للبطل، يجد المتلقي فيها شيئًا من ذاته.
وعن رؤيته للعرض، يقول فينزي باسكا إن أعماله المسرحية تشبه قصصًا ينبغي أن تُروى بالنظر مباشرة إلى عيون الجمهور، موضحًا أن «إيكارو» وُلد من رغبته في الحديث عن الأمل من خلال تقديم أبطال غير تقليديين، يشبهون البشر في ضعفهم وأحلامهم ومحاولاتهم المستمرة للخلاص.
ويحتل مفهوم «الهروب» مساحة مركزية في التجربة الفنية للعرض؛ فهو لا يأتي بوصفه فرارًا من الواقع، وإنما باعتباره وسيلة للتوغل في داخله واكتشاف ما تخفيه المظاهر، والبحث عن إمكانات جديدة للحياة، وابتكار «يوتوبيا» مختلفة.
ويقول فينزي باسكا في حديثه عن العمل: «أتعامل مع المسرح من أجل متعة الغرق في داخله، ومن أجل أن أفقد نفسي قليلًا»، معتبرًا أن فقدان الذات داخل التجربة المسرحية يمكن أن يتحول إلى طريق لاكتشاف حقيقتنا والعودة إلى الواقع برؤية مختلفة.
ويستحضر المخرج، في حديثه عن «إيكارو»، صورة الجبل باعتبارها استعارة للرحلة التي يكرر الإنسان خوضها بحثًا عن شيء ثابت في عالم دائم التغير؛ فالحكومات تتغير، والأطفال يولدون، والأصدقاء يرحلون، لكن الجبل يبقى في مكانه، ليغدو الصعود إليه فعلًا متكررًا لاستعادة الصلة بما لا يتغير.
ومن هذا المنطلق، يرى فينزي باسكا أن العرض المسرحي نفسه يمكن أن يكون أحد «الجبال» التي يصعدها الفنان طوال حياته؛ ففي كل مرة يعيد فيها تقديم الحكاية، يكتشف أنه تغير، وأن الرحلة نفسها لا تتكرر بالطريقة ذاتها.
«إيكارو».. عرض يتحدث بلغات متعددة
لم يتوقف انتشار «إيكارو» عند الحدود الجغرافية، بل امتد أيضًا إلى لغات وثقافات مختلفة، إذ قُدم العمل بعدة لغات خلال جولاته الدولية، مع الحفاظ على جوهر التجربة القائمة على الحكاية والتواصل المباشر والخيال والعلاقة الخاصة بين المؤدي والمتلقي.
ووصل العرض إلى جمهور واسع في دول من بينها سويسرا، وإيطاليا، وكندا، وفرنسا، والبرتغال، والنمسا، والبرازيل، وألمانيا، وأوروجواي، والأرجنتين، والمكسيك، وإسبانيا، وروسيا، وبيرو، والولايات المتحدة، وجورجيا، وتشيلي، ضمن رحلة دولية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.
وتكشف الأرقام الرسمية للعرض عن اتساع نطاق هذه الرحلة، بما يجعل من «إيكارو» نموذجًا واضحًا لقدرة العرض المسرحي على الانتقال بين الثقافات دون أن يفقد خصوصيته.
دانييلي فينزي باسكا.. مسرح وسيرك وأوبرا في لغة واحدة
يُعد دانييلي فينزي باسكا من أبرز المخرجين والمؤلفين والفنانين الذين طوروا لغة خاصة تمزج بين المسرح والسيرك والحركة وفنون الأداء، مع اهتمام واضح بالعلاقة الإنسانية المباشرة بين الفنان والجمهور.
وارتبط اسمه بتجارب دولية مهمة في مجال المسرح والسيرك المعاصر، كما كتب وأخرج وقدم أعمالًا تجاوزت الحدود التقليدية الفاصلة بين الأشكال الفنية المختلفة.
ومن أبرز محطاته الدولية تعاونه مع Cirque du Soleil، حيث كتب وأخرج عرض «Corteo» عام 2005، وهو أحد عروض الفرقة التي واصلت تقديمه على مدار السنوات التالية.
وترتبط تجربة فينزي باسكا في «إيكارو» بهذا المسار الإبداعي الذي يبحث عن مساحة مشتركة بين المسرح والحركة والصورة والخيال، مع الحفاظ على مركزية الإنسان وحكايته.
من ميلانو إلى القاهرة.. رحلة تتجدد بعد 35 عامًا
بعد 35 عامًا من الرحلة، يعود «إيكارو» إلى المشهد الدولي في جولة احتفالية تستعيد محطات العمل منذ انطلاقته الأولى في ميلانو عام 1991، وصولًا إلى مشاركته في الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي.
وتعكس استضافة العرض السويسري توجه المهرجان نحو تقديم تجارب ذات مسارات دولية ممتدة؛ تجارب لا تكتفي بعرض نماذج من المسرح العالمي، وإنما تتيح التعرف إلى الأعمال التي تركت أثرًا في تطور فنون الأداء، وتربط الجمهور والمسرحيين المصريين والعرب بتيارات وتجارب فنية من خارج الحدود.
ويصل «إيكارو» إلى القاهرة، بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجوال، محملًا في جوهره بسؤال بسيط ومتجدد: كيف يمكن للإنسان أن يحلم بالتحليق رغم القيود؟

|