|
القاهرة 13 أغسطس 2026 الساعة 09:11 م

بقلم: أحمد محمد صلاح
عندما قررت الكتابة عن بليز باسكال باعتباره فيلسوفا، وجدت أن مؤرخي الفلسفة قد انقسموا نا اذا كان باسكال من ضمن الفلاسفة أم هو عالم رياضيات عبقري، أم رجل جمع بين العلم والفلسفة بالرغم من سني عمره القصيرة، إلا أنه استطاع أن يجمع بين الحسنيين.
ويقول عنه يوسف كرم:
"عالم عبقري ومفكر عميق وكاتب مجيد، ولئن لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي فقد خلف أثرًا حقيقًا بالذكر ترامى فعله إلى أيامنا وسيظل فعالًا بلا ريب".
ولد بليز باسكال في كليرمون بفرنسا، وأظهر الذكاء الخارق في سن مبكرة، وبدأ يتعلم شيئا فشيئا فبدأ باللغات كالفرنسية واللاتينية واليونانية، ولكن فتانا كان مهوسا بالرياضيات والفيزياء، حتي أن والده لم يكن يجيبه عن أسئلته في الرياضيات متخذا مسأله تدرج التعليم شيئا فشيئا، وأن يعلمه الشئ حتي يدرك فائدته، وتروي أخته الكبري جيلبرت المترجمة لحياته أنه فيما هما في ذلك.
أصيب الطفل باسكال ببعض الأمراض النفسية فكان لا يستطيع مشاهدة الماء، وتنتابه حالة هيستيرية كلما شاهده، وعجز عن النوم فكان يظل مستيقظا لأيام طويلة، واحتار الأطباء في علاجه، ما اضطر والده إلى الذهاب به إلى إحدى الساحرات ظنا من أن مسا شيطانيا قد مسه، خصوصا أنه كان يبدو كالمجنون في كثير من الأحيان، ولكنها أيضا لم تتمكن من علاجه..
والصبي ما يزال في الثانية عشرة، وجد من تلقاء نفسه الأشكال الهندسية، ثم وجد المبادئ، ثم ركب الأدلة حتى بلغ القضية الثانية والثلاثين من الكتاب الأول لإقليدس، فذهل والده وأعطاه كتاب إقليدس فقرأه وحده، وفي رواية أخرى أقرب إلى التصديق أنه قرأ إقليدس خفية في ساعات معدودات، على أن نبوغه كان قد ظهر واضحا قبل ذلك بسنة، إذ لاحظ ذات مرة أن طبقًا من الخزف إذا ضرب بسكين خرج منه صوت عالٍ ينقطع بوضع اليد على الطبق، فما زال يكرر التجربة حتى وقف على السبب، ووضع رسالة في الأصوات كانت أول مؤلفاته.
بدأ والده في اصطحابه إلى المجالس العلمية في باريس والتي كانت تعقد كل اسبوع، كانت تلك الاجتماعات قبل انشاء أكاديمية العلوم الفرنسية، وكان باسكال يساهم في المناقشات بشكل لفت إليه الأنظار، وفي السادسة عشر من عمره دوّن رسالة في المخروطات وناقشها مع علماء الرياضيات، وأعجب به الجميع إلا ديكارت!
باسكال الذي اخترع أول حاسبة في التاريخ، بعد أن عين والده جابيا للضرائب، وكان يعاني طوال ساعات في حساب المسائل، فنبتت فكرة صنع آله تغني عن استعمال القلم، بوضع مدخلات لها فتخرج لنا النتيجة سريعا، عشر سنوات يبحث ويجرب، أكثر من خمسين نموذجا قام بوضعها، حتى كانت في النهاية حاسبة باسكال، وسجل اختراعه سنة 1649.
ولم يكتف بهذا بل اتجه الي العلم الطبيعي، ففي ترجمة شقيقته تقول انه اهتم بالفراغ، والمقصود أنه اهتم بفكرة "توريتشلي"، وكان باسكال في الثانية والعشرين آنذاك، حيث ملأ توريتشلي أنبوبا زئبقا وغمسها في حوض مليء بالزئبق فنزل عمود الزئبق في الأنبوبة وترك جزءها الأعلى خاليًا، فاهتم بهذه التجربة، وأعادها فنجحت، وبدت دليلًا على وجود الفراغ، واستخدم سوائل مختلفة (الماء والزيت والنبيذ) وآلات مختلفة (المواسير والرشاشات والمنافخ والسيفونات) وميولًا مختلفة على الأفق، وفي النهاية اعتقد أنه دلل على وجود الخلاء المطلق.
وكان توريتشلي قد افترض أن ضغط الهواء على سطح الحوض هو الذي يستبقي الزئبق معلقًا في الأنبوبة، فأجرى بسكال التجارب سنة 1648 في سفح جبل وفي قمته، في برج كنيسة وفي منزل خاص، فكانت النتيجة أن الزئبق ينخفض بنسبة الارتفاع لأن ضغط الهواء أخف في أعلى منه في أسفل، ثم ربط قوانين توازن السوائل بمبادئ الميكانيكا العامة، فمنهجه المضي من التجربة إلى النظرية.
كان باسكال يعاني من أمراض عدة، ولم تكن صحته جيدة، بل أنه منذ أن ولد كان عليلا، فاتجه في مرحلة مبكرة إلى الإيمان المسيحي، ودعا أهله لهذا، وبدا يدرس علوم اللاهوت وغيرها، ودخلت إحدى شقيقاته الدير مترهبنة، واتصل بقساوسة علماء وقرأ كتبًا دينية، فأدرك إدراكًا قويًّا أن المسيحية تقتضي أن نحيا لله وحده، أجل أنه كان قد نشأ على التمسك بالفضيلة واحترام العقيدة، كان والده يقول إن العقيدة موضوع إيمان فلا تُبحث بالعقل، وكان هذا القول عاصمًا له من الشك.
وعندما كان في الثلاثين، لجأ إلى دير «بور روايال» وعاش فيه إلى مماته يعاني آلام المرض بصبر وتسليم، ويستأنف العمل العلمي كلما استطاعه، وإلى ذلك العهد يرجع جمعه «الخواطر» في الدعوة إلى الدين، وهو أشهر كتبه، وهو كتاب خالد حقًّا.
وإلى ذلك العهد ترجع أبدع مكتشفاته الرياضية، فقد أسس حساب النهايات: حساب التكامل وحساب الاحتمالات، ونظريات أخرى، أهمها نظرية «الروليت»، وقد دعا العلماء إلى المسابقة فيها «باسم مستعار» وعين جائزة مالية للفائز، فتنافس كثيرون، ولكن أحدًا لم يوفق إلى الحلول المطلوبة، فأعلن هو حلوله، فكانت موضع الإعجاب العام.
|