|
القاهرة 13 أغسطس 2026 الساعة 08:18 م

كتب : حسن عبد الهادي
لا يقدم العرض المسرحي «البر الثاني» لفرقة هواة المنصورة، وإخراج محمد فرج، من إنتاج هيئة قصور الثقافة، حكاية عن جماعة تعيش فوق جبل معزول فحسب، وإنما يطرح منذ لحظاته الأولى سؤالا وجوديا شديد الإلحاح، يتعلق بعلاقة الإنسان بأرضه، وبالقدرة على مقاومة الأوهام التي تصنعها السلطة أو تصدرها القوى الطامعة أو حتى يبتكرها العقل الهارب من قسوة الواقع.
فالنص الذي شارك في تأليفه طه زغلول ومحمد فرج، ينتمي إلى ذلك النوع من الكتابة المسرحية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتصنع عالما رمزيا قابلا لإعادة القراءة في أكثر من سياق، إذ يصبح الجبل رمزا للوطن، ويصبح البر الثاني صورة لكل حلم بعيد يَعِد بالخلاص بينما يخفي في أعماقه الفقد والاقتلاع، وتتحول الرحلة إلى اختبار أخلاقي يكشف معدن الشخصيات أكثر مما يكشف جغرافيا المكان، وهو ما منح العرض بعدا فلسفيا يتجاوز الحكاية المباشرة، ويضع المتلقي أمام مرآة يرى فيها كثيرا من الأسئلة المعاصرة المتعلقة بالهجرة، والاقتلاع، والهوية، والانتماء.
واحدة من أهم نقاط قوة العرض تكمن في اختياره الابتعاد عن المباشرة السياسية، فبدلا من تقديم خطاب وعظي عن مخاطر الهجرة أو التهجير، يلجأ إلى بناء عالم فانتازي مغلق، له قوانينه الخاصة، وعاداته، وأساطيره، وهو اختيار يمنح النص مرونة تأويلية واسعة، فالمتلقي يستطيع أن يرى في الجبل الوطن، كما يستطيع أن يراه الذاكرة، أو الهوية، أو حتى الإنسان ذاته وهو يقاوم انهياره الداخلي، بينما يتحول البر الثاني إلى استعارة كبرى لكل الأوهام التي تزين الرحيل وتخفي الثمن الحقيقي الذي سيدفعه الإنسان عندما يقتلع نفسه من جذوره، ومن هنا تبدو قيمة النص في أنه لا يهاجم فكرة السفر أو الانتقال بحد ذاتها، وإنما يفضح صناعة الوهم، وكيف يمكن للأكاذيب الكبرى أن تتحول إلى عقائد راسخة إذا وجدت بيئة جاهزة لتصديقها، وهي فكرة نجح العرض في ترسيخها عبر شبكة من الرموز التي حافظت على توازنها أغلب الوقت.
وقد استطاع محمد فرج أن يقدم رؤية إخراجية واعية بطبيعة هذا العالم الرمزي، فاختار أن يجعل التكوين المسرحي بطله الحقيقي، إذ بدا الجبل كتلة ضخمة تفرض حضورها على الخشبة، لا بوصفه ديكورا جامدا، وإنما باعتباره شخصية فاعلة داخل العرض، تتنفس مع الشخصيات وتشاركها مصيرها.
وقد جاء التعاون مع مصمم الديكور محمد طلعت مثمرا في خلق فضاء بصري يمتلك خصوصيته، يعتمد على الكتل الصخرية والارتفاعات والانخفاضات ليعكس قسوة البيئة التي يعيش فيها السكان، ويمنح حركة الممثلين دلالات إضافية، فالارتفاع لم يكن مجرد مستوى بصري، بل كان إشارة إلى العزلة، وإلى صعوبة الوصول، وإلى الإصرار على البقاء فوق الأرض مهما بلغت قسوتها، بينما جاء تصميم الإضاءة لعز حلمي مكملا لهذه الرؤية، عبر تكوينات ضوئية منحت المشاهد إحساسا دائما بالترقب والخطر، غير أن هذا التكوين البصري المهيب، وهو أحد أبرز عناصر الجمال في العرض، وقع في مأزق الثبات، فقد بدا الجبل طوال العرض محافظا على صورته الأولى، دون أن يتطور بصريا بالقدر الذي يواكب التحولات الدرامية، وهو ما أشار إليه الناقد محمد عبد الوارث في الندوة التطبيقية، حين رأى أن ميكانيزم الحركة داخل الديكور لم يُفعّل بالشكل الكافي، خصوصا مع الحديث المتكرر عن غضب الجبل والهزات الأرضية، فكان من الممكن أن يصبح الديكور نفسه عنصرا دراميا متغيرا، يعكس تصاعد الأزمة، ويمنح الصورة المسرحية ديناميكية أكبر، بدلا من الاكتفاء بجمالها التشكيلي الثابت، لأن المسرح لا يكتفي بالصورة الجميلة، وإنما يبحث دائما عن الصورة المتحولة، القادرة على التعبير عن تغير العالم الداخلي للشخصيات.
أما على مستوى البناء الدرامي، فقد نجح النص في تأسيس عالمه خلال الثلث الأول بكفاءة واضحة، إذ تعرف المتفرج بسرعة على طبيعة المجتمع، ومعتقداته، وخوفه من الجبل، وإيمانه بالبر الثاني، كما قدم شخصية «آرام» باعتبارها العقل الذي يحاول مقاومة الأسطورة بالمنطق، وهي شخصية كُتبت بعناية، لأنها لا ترفض الموروث من باب العناد، وإنما تحاول البحث عن حلول واقعية تنبع من داخل المكان، وهو ما يجعلها النقيض الحقيقي لكل دعاة الرحيل، غير أن العرض بعد هذا التأسيس القوي دخل في حالة من الثبات النسبي، إذ لم تشهد الأحداث تصاعدا دراميا موازيا لقوة الفكرة، فظل الصراع يدور في الدائرة نفسها لفترة طويلة، حتى بدا وكأن العرض يعيد تأكيد ما عرفه المتلقي بالفعل، دون أن يضيف تحولات جديدة تعمق الأزمة أو تعقدها، وهو ما جعل الإيقاع يفقد جزءا من زخمه في منتصف العرض، ويظهر هذا الإشكال بوضوح في مسار شخصية المرأة القادمة من الخارج، والتي تزعم أنها من أبناء الجبل، فقد مثل دخولها فرصة درامية كبيرة لخلخلة يقين الشخصيات، وفتح آفاق جديدة للصراع، إلا أن البناء لم يمنحها العمق الكافي، كما أن كشف حقيقة الجسر جاء بصورة بدت أقرب إلى القفز على التطور المنطقي للأحداث، فانتقال «آرام» من الشك إلى اليقين حدث بسرعة نسبية، دون أن يمر بمحطات درامية كافية تمنح هذا الاكتشاف ثقله النفسي والفكري، وهو ما جعل النهاية، على الرغم من رمزيتها المؤثرة، أقل تأثيرا مما كان يمكن أن تكون عليه لو جاء الكشف نتيجة تراكمات درامية أكثر إحكاما.
ورغم هذه الملاحظات، فإن العرض حافظ على قوة حضوره بفضل الأداء الجماعي المنضبط، إذ بدا واضحا حجم العمل الذي بذله المخرج مع ممثليه، خصوصا في بناء الإيقاع الحركي داخل التكوينات الجماعية، فالممثلون لم يكونوا مجرد أفراد يؤدون أدوارا منفصلة، وإنما شكلوا نسيجا إنسانيا واحدا، يعكس طبيعة المجتمع المغلق الذي يعيش داخل منظومة فكرية واحدة، بينما قدم محمد علي في شخصية «آرام» أداء اتسم بالهدوء الداخلي، وابتعد عن الانفعال المجاني، معتمدا على حضور نفسي متدرج، نجح في تجسيد شخصية المفكر الذي يقاوم وحده تيارا كاملا من الأوهام، فجاء أداؤه متزنا، ومقنعا، وقادرا على حمل الثقل الفكري للشخصية حتى النهاية.
كما أسهمت الموسيقى التي وضعها زياد هجرس في تعزيز الحالة الشعورية للعرض، إذ جاءت أقرب إلى النسيج الدرامي منها إلى المصاحبة التقليدية، بينما لعبت الاستعراضات التي صممها محمد بحيري دورا وظيفيا داخل البناء المسرحي، فلم تكن استعراضات منفصلة عن الحدث، وإنما جاءت امتدادا للحركة الجماعية، معبرة عن الطقوس والمعتقدات التي تحكم هذا المجتمع، وهو ما منح العرض وحدة أسلوبية واضحة، انعكست أيضا في الماكياج والملابس، اللذين ساهما في ترسيخ هوية العالم المسرحي دون مبالغة زخرفية.
ويحسب للعرض كذلك أنه يفتح باب التأويل أمام المتلقي، فلا يفرض عليه قراءة واحدة، فمن الممكن النظر إليه بوصفه نصا عن الهجرة غير الشرعية، أو عن التهجير القسري، أو عن الاستعمار الذي يصنع الأوهام ليستولي على الثروات، أو حتى عن الإنسان الذي يترك يقينه الحقيقي سعيا وراء سراب بعيد، وهذه القدرة على إنتاج أكثر من معنى هي إحدى السمات الأساسية للنصوص المسرحية الجيدة، لأنها تمنح العمل حياة أطول، وتجعله قابلا للقراءة في سياقات مختلفة، دون أن يفقد جوهره الإنساني، وفي المجمل، يقدم «البر الثاني» تجربة مسرحية ناضجة تؤكد استمرار المشروع الفني الذي يجمع محمد فرج، وطه زغلول، ومحمد طلعت، وهي ثلاثية باتت تمتلك ملامحها الخاصة داخل مسرح الأقاليم، إذ تعتمد على المزج بين الفكر والصورة، وبين الرمز والفرجة، غير أن هذه التجربة تحتاج في مراحلها المقبلة إلى مزيد من المغامرة في تطوير البناء الدرامي، والابتعاد عن تكرار آلياتها السابقة، حتى لا تتحول خصوصيتها إلى نمط ثابت يفقد عنصر المفاجأة، فالمسرح بطبيعته فن التجدد الدائم.
ويبقى «البر الثاني» عرضا ينجح في طرح سؤال بالغ الأهمية، هل يحق للإنسان أن يفرط في أرضه بحثا عن حلم لم يره أحد، أم أن الخلاص الحقيقي يبدأ من إعادة اكتشاف ما نملكه بالفعل، وهو سؤال لا يخص سكان، الجبل وحدهم، بل يخص كل مجتمع يواجه إغراء الرحيل، وكل إنسان يقف يوما على حافة جسر يعده بالفردوس، بينما يخفي تحته هاوية لا يراها إلا بعد فوات الأوان، ومن هنا تنبع القيمة الحقيقية لهذا العرض، لأنه لا يقدم إجابات جاهزة، وإنما يوقظ الأسئلة، ويجعل المسرح مساحة للتفكير قبل أن يكون مساحة للفرجة.




|