|
القاهرة 11 أغسطس 2026 الساعة 11:38 ص

عاطف محمد عبد المجيد
مما لا شك فيه أن المسرح ابن التقدم الحضاري، ينشأ ويتطور في ظل استقرار اقتصادي واجتماعي للمجتمع الذي يبتدعه، ووفق الوعي بقيمته وسط هذا المجتمع، ومدى احتياج مجتمعه هذا له كمعبّر جمعي عن أفكاره
ومشاعره ورغباته في إثبات الوجود وتحديد الهوية وتحقيق التقدم، ولذا لم تعرفه في البدء المجتمعات البدوية والصحراوية المتنقلة والباحثة بالسيف عن الماء والمرعى.
هكذا يكتب د. حسن عطية في كتابه "ما المسرح" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وفيه يحاول الوصول إلى ماهية المسرح تعريفًا وتاريخًا ووظيفة وتفاصيل أخرى، مشيرًا إلى أننا منذ أن عرفنا المسرح
بنمطه الغربي السائد حتى اليوم ونحن نعاني من خلط المسميات والمصطلحات، فنتحدث عن المسرح عامة ترجمة لمصطلح theater فيجيء الحديث عن المسرح القومي باعتباره المبنى الواقع في مدخل ميدان العتبة
بوسط القاهرة، ارتكازًا على أن أول مسرح بهذا النمط الغربي أنشأته الحملة الفرنسية على مصر في منطقة الأزبكية باسم مسرح الجمهورية والفنون.
هنا يشير عطية إلى أن المسرح الوطني للدولة تم إنشاؤه قبل كل المسارح العاملة اليوم والممثل لواجهة الإبداع المصري، ذاكرًا مسرح الغد بصفته مسرحًا للعروض التجريبية، مسرح توفيق الحكيم، مسرح العبث، المسرح الواقعي، مشيرًا إلى أن المسرحية هي بنية درامية تحدد وجودها العام بكونها لا تسرد الوقائع بقدر ما تجسدها بأفواه وحركة ميزانسين الممثلين بفضاء المسرح، وتدور غالبًا حول حدث درامي يقع ليغير مصائر شخصيات المسرحية، فلا تنتهي مسيرتهم داخل هذه المسرحية كما بدأت، بل تتغير وفقًا لمواقف الشخصيات من الحدث الواقع لهم.
يعتقد حسن عطية أن الدراما تُبنى على حدث يجري في الزمن الحاضر وتُصاغ وقائعه داخل حبكة تشكل الحركة الظاهرية الممنطقة من بداية التلقي حتى نهايته، ويتفجر الحدث الدرامي في علاقته بالحبكة داخل بناء درامي متكامل عبر مسارات ثلاثة، فقد يندلع دون انتباه لحدوثه، أو بسعي دءوب لإخفاء آثاره، لكن يظل الحدث ساكنًا حتى تثيره رياح غير مواتية لصانع هذا الحدث فينفجر مطالبًا الكل بمواجهته حتى ينتهي النهاية المرجوة بإزالة سبب وقوع الحدث، أو معاقبة مرتكبه، أو الرضا عنه بالعفو واستيقاظ الضمير، أو تدخل إرادة سماوية لإنهائه، مثلما وقع مع أوديب في مسرحية سوفكليس الشهيرة أوديب ملكًا، مؤكدًا أن الحدث متكامل الأركان هو جوهر المسرحية التي هي بالضرورة دراما مرئية، والحبكة هي حركة الوقائع منذ بداية فتح ستار المسرح، ونزول تترات الفيلم أو العمل التليفزيوني حتى النهاية، والبناء الدرمي هو الجامع داخله الحدث والشخصيات والمواقف، ومحركًا إياهم داخل الفعل الحاضر، لافتًا النظر إلى أن الدراما المسرحية تتأسس على وحدة المشهد كبنية صغرى في البناء الدرامي الكلي، تبرز داخله شخصية أو مجموعة من الشخصيات متفاعلة في مساحة مكانية محددة، تتشابك داخلها حول موقف محدد يحدث في الحاضر الآن، يطور ما سبقه من مشاهد ويمهد لما بعده للنمو والتقدم، فهو كل في ذاته، وجزء فاعل من كل هو العمل المسرحي، ويتلقى الجمهور المشاهد حضور شخصياته بصورة عامة، إلا إذا استخدم المخرج إمكانات حركة الميزانسين في تصميم وضع شخصية ما داخل فضاء المسرح لمنحها حضورًا أعمق من الآخرين في الصورة المرئية المتلقاة.
أيضًا يشير عطية إلى أنه في ظل الصراع القائم في أوروبا أوائل القرن التاسع عشر بين النيوكلاسيكية الراسخة والرومانسية الصاعدة، بدأت مصر تتعرف على فن المسرح بصيغته الأوروبية، معتقدًا أن الغزو الفرنسي لمصر وامتداده للشام أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر الذي استمر لثلاث سنوات يكافحه فيها المصريون حتى طرده من البلاد، وأن هذا الغزو أحدث هزة حضارية في المجتمع المصري الذي كان يتهيأ للنهوض، مكتشفًا الهوة بين ماضيه المتخلف وحاضر العالم المتقدم، ومنتبهًا لهويته الوطنية الضائعة في العصور العثمانية والمملوكية السابقة، وتزامنت مع ظهور اللبنات الأولى من طبقة برجوازية قوامها التجار وعلماء الأزهر، تهفو لامتلاك ذاتها ومقدراتها، وتأمل في تغيير واقعها إلى ما هو أفضل، ولذا التقطت صيغ التطور التي جاءت بها الحملة الفرنسية وصاحبتها، دون أن تنزع نفسها عن ماضيها ورؤيته للعالم، فراحت تتأرجح بين الموروث السائد والمتغلغل في التقاليد والعادات واللغة وصيغ الحياة القديمة، وهذا الوفد الجديد المحرك للعقل والملتقي مع الرغبة في النهوض من كبوة الماضي التليد.
كذلك يكتب عطية قائلًا إنه مع مجيء محمد علي التركي الألباني بدأت مصر تدخل دنيا الحداثة، فتكون جيشًا متسلحًا بأحدث الأسلحة، وتنشئ المؤسسات السياسية على النمط الأوروبي، فيظهر أول برلمان في الوطن العربي يشارك ممثلو الشعب فيه الحاكم الرأي وهو مجلس شورى النواب عقب تولي الخديو إسماعيل الحكم عام 1863 الذي دفع البلاد خطوات على طريق الحداثة، وكان يهفو لتحديث القاهرة على غرار باريس، جاعلًا من مصر قطعة من أوروبا، وتم إنشاء دار الأوبرا الملكية المصرية ومعها ظهر المسرح بعقول مصرية بداية من عروض يعقوب صنوع عام 1870 مرورًا بتوافد العديد من الفرق الفرنسية والشامية، ليجد الإبداع المصري التقليدي نفسه متعاملًا مع بناء فني جمالي غير معتاد عليه، وجمهور لا يُقبل على هذا الفن الجديد إلا بحثًا عن ذاته وهموم واقعه، ويحمل لحظة دخوله لصالة المسرح بورقة مقصوصة ذائقته الجمالية الخاصة، وتراثه القابع بأعماقه والمسير لحركته والضابط لأفعاله.
عطية الذي يرى أن المجتمع المصري تهيأ لاستقبال فن المسرح خلال العقود الستة الأولى من القرن التاسع عشر، ودعم هذا الاستقبال ظهور أول مسرح ناطق بالعربية ومكتوب بها على يد اللبناني مارون النقاش في بيروت، يشير إلى أن أجيال النصف الثاني من القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين المثقفة سعت نحو فنون الحداثة الغربية من مسرح وسينما دون أية حساسية من كونها قادمة من بلدان تحتل جيوشها أرضها، مشيرًا إلى أن حركة المسرح بدأت في مصر بتكوين الفرق لعرض المسرحيات، أي أنها بدأت في كنف الشارع وليس في كنف الكتب ومحابر الأدباء، وكان التشخيص عمادها الرئيس والفرجة غايتها في تحقيق وجودها بين الناس، لذا كان الممثل هو صانعها الأول، ذاكرًا أن سعي يوسف إدريس، بعد ذلك، للمسرح كمشروع خاص داخل مشروع إبداعي / وطني عام للبحث عن صيغة بنائية جمالية تجسد رؤية هذه الشخصية الخاصة بالمجتمع المصري، وتحمل سماتها لذاتها أولا وللآخر بعد ذلك.
عطية الذي تتبع تاريخ المسرح من بدايته إلى الآن، يقول إن مفهوم المسرح استقر على أنه هذا العرض المرئي السمعي المحقق داخل فضاء مسرحي، له حضوره المحدد، بحضور الجمهور داخل نطاق عرضه، سواء أكان هذا العرض نصًّا دراميًّا أم أوبراليًّا أو ينتمي إلى عالم الباليه أو الفرجة الأدائية، بينما حددت الدراما ذاتها في هذا البناء الجمالي المتميز والمفارق للسرد الروائي والشعر الغنائي، وإن امتدت لمجالات جديدة، حتى صرنا نرى الدراما الإذاعية، والدراما السينمائية، وأخيرًا الدراما التليفزيونية، وكلها مجالات تستمد شرعيتها من شرعىة الدراما المسرحية، ذاكرًا كوكبة من كتاب المسرح ومخرجيه وصناع صوره المرئية، حاولوا جاهدين أن يؤكدوا ذاتهم ويقدموا رؤاهم في زمن طغيان الدراما التليفزيونية منهم:
وليد سيف، عاطف الغمري، إبراهيم الحسيني، متولي حامد، د. سامح مهران، د. عصام عبد العزيز، د. محي عبد الحي، د. محمد أمين عبد الصمد، فكري النقاش،
علاء عبد العزيز، رشا عبد المنعم، أسامة نور الدين، سامح عثمان، والمتميز سعيد حجاج.
|