|
القاهرة 11 أغسطس 2026 الساعة 11:33 ص

قصة: محمد مبـارك
في ليلةٍ غاب عنها القمر، خرج من المنزل بعد أن اعتزل الناس لمدة شهر. كان يأمل في راحة ينسى فيها أحزانه. أخذه الشوق إلى البحيرة التي لم يزرها منذ سنوات طويلة. كانت مكانه المفضل منذ الطفولة، حيث المشاعر الصادقة القديمة التي لم تُدنسها تفاصيل الحياة المادية.
جلس بجوار الصخرة القديمة التي حفر عليها الزمن آثاره، لكنها لا تزال صامدة في مكانها! راح يسترجع ذكرياته الجميلة حول مياه البحيرة الهادئة. تذَكر القوارب الورقية الصغيرة التي كان يصنعها، ثم يتركها لتندفع مع تيار الماء. كانت مياه البحيرة ضحلة، لكن أحلامه فيها كانت عميقة! تذَكَر كيف كان النسيم الهادئ يحرك مياهها الشفافة فيشعر وكأنها تمرح في دوائر، ويتخيل الأسماك داخلها كأنها ترقص. تمنى لو تجمد الزمن عند تلك اللحظات!
بدأت أحزانه تتجدد بقوة فأخرجته من ذكريات الطفولة، وسحبته ليسقط في بئر اليأس العميقة. تذَكر حُلمه الذي انهار بعد كل تلك السنوات. اضطر لبيع شركته الصغيرة بعد أن التهمتها الأزمة الاقتصادية. لم يساعده أحد، فتجرع الخذلان بعد أن رأى الجميع ينسحب من حياته بسرعة.
تعلم وقتها الدرس، لكنه كان متأخرًا. أدرك أن العلاقات لا تحكمها المشاعر، بل تقودها الأرصدة المصرفية. حاول أن يوقظ عقله التائه فأخرج ورقة من حقيبته الصغيرة ليصنع قاربًا ورقيًا. لم تُمكنه يده المرتجفة من الأمر، فترك الورقة من يده. جلس يراقب البحيرة في صمت..
سمع صوتًا يأتي من داخل الكوخ الخشبي الخاص بحارس البحيرة. خرج الحارس ليتفقد المكان فوجده جالسًا بجوار الصخرة أمام البحيرة. اقترب منه الحارس وسلَّم عليه ثم قال له: لم أركَ منذ سنوات طويلة! رد عليه وقال: نعم، خرجت في مغامرة شاقة لأحقق أحلامي. ابتسم الحارس قائلًا: أخبرني ماذا حققت؟ أجابه بنبرة حزينة: سأخبرك بكل شيء، وراح يسرد له تفاصيل الرحلة حتى فرغ من الكلام فسكت..
تأثر الحارس وقال له متعجبًا: هكذا هي الحياة، تشعرك أنها أعطتك كل شيء لكنها تأخذ منك كل شيء! صمَت الحارس لثوانٍ قليلة يفكر، ثم أردف قائلًا: انهض يا بني لقد خسرت معركة، لكن الحرب لم تنتهِ بعد، والحياة في جعبتها الكثير.
رد عليه بصوتٍ منهك وقال له: لكنني فقدت قاربي الذي بنيته في سنوات! رد الحارس بنبرة جادة واضعًا يده على كتفه ليشد من أزره: اصنع قاربًا جديدًا وعُد إلى موقعك، فأنت الآن أقوى وتعلمت كيف تُدار المعارك. نهض الحارس من مكانه بعد أن ودَّعه ليقوم بمناوبته الليلية ليتفقد البحيرة.
تسلل الأمل إلى قلبه من جديد بعد كلام الحارس. هدأت أفكاره وشعر بالاطمئنان. نظر إلى يده فإذ بها توقفت عن الارتجاف. أمسك الورقة وصنع قاربًا، ثم وضعه على سطح الماء وتركه ليمضي مع التيار وهو يراقبه بشغف.
نهض من مكانه ومضى مسرعًا إلى منزله وهو يُحدث نفسه: غدًا سأصنع قاربي الجديد، فالصخرة لا تزال تقاوم الزمن، والبحيرة لم تجف بعد!
|