|
القاهرة 11 أغسطس 2026 الساعة 11:29 ص

بقلم: حسين عبد الرحيم
"ليست كل الروايات تُكتب لتُفهم… بعضها يُكتب ليُربكك".
في إشارة لافتة للباحث والمخرج السينمائي سيد سعيد قبل وفاته، كتب في منشور على فيسبوك، عقب قراءته مخطوط رواية زهرة الريمولا للكاتب البورسعيدي إيهاب فوزي:
"وكأن الكاتب استوحاها من عوالم لاهوتية سحيقة".
لم تكن تلك العبارة مجرد انطباع، بل بدت كمدخل دقيق لعالم روائي يشتبك مع الأسئلة الكبرى: الخلق، الحرية، القدر، والمعنى.
-
عنوان يربك.. قبل أن تبدأ الحكاية
يربكنا إيهاب فوزي منذ اللحظة الأولى.
عنوان الرواية نفسه: زهرة الريمولا.
بحثنا فلا نجد لهذه الزهرة أصلًا ميثولوجيًا واضحًا، ولا جذورًا رمزية راسخة، وهو ما يجعل دلالتها داخل النص خاضعة بالكامل لسلطة الكاتب.
ويخدعنا العنوان؛ إذ نتوقع حضورًا مبكرًا ومركزيًا للزهرة، لكننا نقرأ طويلًا دون أن نعثر عليها، قبل أن تظهر فجأة في منتصف الرواية تقريبًا، مرتبطة بشخصية "ريم الصغرى"، وقد أحيطت بهالة من الفرادة والغموض، بل والتقديس.
وهنا يظل السؤال قائمًا:
هل الزهرة هي محور الرواية… أم مجرد علامة على مراوغتها؟
-
من العزوف إلى إثارة الجدل
بعد فترة من عزوف إيهاب فوزي عن النشر، جاءت زهرة الريمولا كحجر أُلقي في مياه راكدة، خاصة في بيئة لم تعتد كثيرًا على الاقتراب من الثالوث الإشكالي: (الدين – الجنس – السياسة).
ورغم ذلك، أشادت الناقدة د. فاطمة الصعيدي بقدرة الكاتب على التعامل مع هذا الثالوث دون افتعال أو مباشرة فجّة:
"الكاتب تعامل مع هذا الثالوث دون أن يُشعرنا بشيء".
-
رواية تُرفض.. لكن لا تُدان
نحن أمام نص أثار التحفظ، لكنه لم يُواجه بإدانة.
وهو ما يجعله عملًا قلقًا بطبيعته:
رواية تضع القارئ والناقد معًا في منطقة التردد.
-
سرد الخلق.. إعادة كتابة البداية
كما يشير أسامة فطيم، تقدم الرواية سردًا مبتكرًا لفكرة خلق الإنسان، يبدأ بلقاء مع "السيد"، حيث ينقسم العالم إلى:
لكن المفارقة الأهم: ليست في التقسيم، بل في فكرة الاختبار.
فزعيم العبيد يقترح:
-
محو ذاكرتهم وذاكرة الأخيار.
-
إرسالهم إلى الأرض معًا.
-
منحهم الغرائز.
ليخضعوا لاختبار حقيقي:
هل يظل الأخيار أنقياء… أم يسقطون؟
وهل يظل العبيد أشرارا؟
ومن هنا تُرسل ثلاثة عشر روحًا:
ليؤسسوا معًا بداية التجربة الإنسانية.
من التجربة إلى التاريخ
بمجرد وصولهم إلى الأرض:
-
ينفصلون.
-
يكتشفون الجسد.
-
يكتشفون الجنس ويقع بعضهم في المثلية.
-
يكتشفون الطبيعة.
ثم:
-
تنشأ الممالك (البحر / الجبل)
-
تظهر القوانين
-
تقع أول جريمة قتل
وهنا، كما يلمح فطيم:
نحن لا نقرأ قصة خلق فقط… بل نشهد بداية التاريخ البشري نفسه.
يشير سيف بدوي إلى أن الرواية تثير منذ بدايتها الأسئلة الكبرى:
-
من أين جئنا؟
-
لماذا وُجدنا؟
لكنها لا تفي بوعدها الفلسفي.
فالتساؤل ظل حاضرًا:
لكنه بقي في صورته اللفظية فقط
بل إن أي إجابة تظهر:
-
تكون احتمالية
-
أو نفعية
-
أو مرتبطة بالسلطة
كما في مشهد "حكماء التحالف"، حيث يتحول الإله إلى أداة للسيطرة… لا للمعرفة.
-
الجنس.. قوة الخلق والصراع
كما في الأساطير الكبرى، يحتل الجنس مكانة حاكمة في الرواية.
ليس بوصفه تفصيلًا جسديًا، بل:
-
كأداة للخلق.
-
وكوقود للصراع.
فمن خلاله:
-
تنشأ المجتمعات.
-
تتوسع الممالك.
-
وتندلع الحروب.
وبسببه:
تقع الجريمة الأولى .
في مقال للناقدة رشا الفوال بعنوان:
"زهرة الريمولا: من الألوهية إلى الأداء المعرفي"
تشير إلى أن إيهاب فوزي لا يعيد فقط طرح تساؤلات الإنسان، بل يعيد تفكيكها عبر جدليات:
-
القضاء والقدر
-
الجبرية
-
الحرية والمسؤولية
كما يتجاوز الزمن الواقعي والتاريخي، ليجعل العالم الروائي فضاءً مفتوحًا بلا زمن محدد، حيث تتحرك الشخصيات في حالة من الترقب واللايقين.
وترى أن الرواية تدفع القارئ إلى مواجهة أسئلة صادمة، منها:
-
هل الإنسان مسلوب الإرادة؟
-
وهل يمكن تحميل “الإله” مسؤولية الشرور الإنسانية؟
-
نوم السيد… لحظة نفي الجبرية
واحدة من أهم لحظات الرواية هي "نوم السيد".
هنا:
-
تختفي السلطة العليا
-
ويتحرر العالم ظاهريًا
لكن النتيجة ليست حرية مطلقة، بل:
وتبدأ الشخصيات في:
-
خلق آلهتها الخاصة
-
تأويل العالم
"إله العقل هو النهر.. وإله القوة هو النار…"
وهنا تتحقق لحظة قريبة من مقولة نيتشه:
"مات الإله" لكنها لا تُقال… بل تُعاش.
-
قراءة السيد كراوية: مغامرة كبرى بين النصوص
يرى الباحث والمؤرخ السيد كراوية أن الرواية تمثل مغامرة سردية معقدة، تتناص مع:
-
قصة الخروج التوراتية
-
حي بن يقظان
-
روبنسون كروزو
لكنها لا تعيد طرحها، بل تعيد تشكيلها.
فالخروج هنا:
ليس عقابًا… بل تجربة
من:
-
اكتشاف الطبيعة
-
إلى نشأة المجتمعات
-
إلى الحروب
-
إلى البحث عن اليوتوبيا
ويشبه كراوية عالم الرواية بعوالم ساراماجو، من حيث الطابع الفانتازي والفلسفي، مع ملاحظة أن طموح العمل الكبير:
قد يجعل بعض أجزائه مزدحمة برغبة في قول كل شيء
أفاد الكاتب من طاقة الأسطورة:
في حرية الخلق
وفي بناء العالم
وفي الخلط بين السرد الروائي والأسلوب المسرحي في الفصل الأول
ولكن هذا قد يُقرأ كجزء من طبيعة العمل التجريبية.
-
الميثولوجيا… حضور بلا انتماء
رغم كل ذلك، لا تنتمي الرواية إلى ميثولوجيا بعينها، بل تستخدم:
"ظاهر الأسطورة" لا بنيتها
فنحن أمام:
-
عناصر أسطورية
-
لكن بلا التزام بنص مؤسس
وهو ما يجعل العمل:
أقرب إلى "صناعة أسطورة جديدة"
زهرة الريمولا ليست رواية تقدم إجابات.
بل هي نص:
-
يربك
-
يشكك
-
ويجبر القارئ على التفكير
ولهذا تحديدًا:
إما أن تُعجب بها… أو ترفضها دون أن تستطيع إدانتها.
لكن في كل الأحوال:
لن تخرج منها كما دخلت
وربما -كما ألمح سيد سعيد- هي بالفعل قادمة من "عوالم لاهوتية سحيقة"… لكنها في حقيقتها تحكي عنا نحن.
في زمنٍ أصبحت فيه الروايات تميل إلى التبسيط، وتقديم حكاياتٍ قابلةٍ للاستهلاك السريع، تأتي "زهرة الريمولا" كعملٍ يصرّ على أن يكون عكس ذلك تمامًا.
يمتلك كاتبها قدرًا من الجرأة يجعله لا يخشى القارئ ولا يسعى لاسترضائه، بل يُوجّه نظره -بكل وضوح- إلى النص نفسه، وإلى ما يريده هو من الكتابة، لا ما يُنتظر منها
إننا لا نقف أمام رواية تُروى، بقدر ما نقف أمام تجربة تُختبر؛ تجربة تضع القارئ منذ الصفحات الأولى داخل مساحة من الشك، وتدفعه، دون استئذان، إلى مواجهة أسئلة ظلت ـ ربما منذ البدايات الأولى للوعي الإنساني ـ عالقة بلا إجابات حاسمة: من أين جئنا؟ ولماذا وُجدنا؟ وهل نحن نختار مصائرنا أم تُفرض علينا؟
لا يقدّم إيهاب فوزي إجابات نهائية، بل يختار طريقًا أشد وعورة: أن يترك الأسئلة مفتوحة، وأن يسمح لها بأن تتردد داخل النص، حتى تتحول من مجرد تساؤلات وجودية إلى بنية حاكمة للسرد. ومن هنا، لا تعود القراءة فعلَ تلقي، بل تصبح مشاركة في البحث ذاته. فالقارئ، وهو يتتبع مسار الأرواح الأولى واكتشافها للعالم، وسقوطها التدريجي في شبك الرغبة والسلطة والشك، يجد نفسه منتقلاً من موقع المشاهدة إلى موقع الاختبار؛ إذ لا يمنحه النص إجابات جاهزة، بل يدفعه إلى استنطاق هذه الإجابات بنفسه.
تكمن فرادة الرواية كذلك في قدرتها على بناء عالم أسطوري لا يدّعي الانتماء الصريح إلى ميثولوجيا بعينها، كما لا ينحاز إلى أيديولوجيا دينية محددة، بل يتعامل مع المادة الأسطورية بوصفها أداة سردية مفتوحة، يحرّكها وفق رؤيته الخاصة، بل يعيد تشكيل عناصر مألوفة داخل بنية جديدة. هنا، لا تُستعاد الأسطورة بوصفها نصًا مكتملًا، وإنما بوصفها طاقة تخييلية مفتوحة، تسمح للكاتب بأن يعيد طرح مسألة الخلق، والحرية، والشر، بمعزل عن يقينيات جاهزة. ومع ذلك، فإن هذا التوسع في أفق التخيل يأتي مصحوبًا أحيانًا بقدر من التوتر بين الطموح والبناء، حيث تبدو بعض التحولات السردية أقرب إلى القفز منها إلى التراكم.
ومع تكرار الأسئلة، وتعدد أشكال الإجابات المؤقتة أو السلطوية، يبدو أن الرواية لا تسعى إلى تقديم "حقيقة"، بل إلى تفكيك فكرة الحقيقة ذاتها. ففي اللحظة التي يغيب فيها "السيد"، لا تُمنح الشخصيات يقينًا جديدًا، بل تُترك في مواجهة الفراغ؛ فراغ يتكاثر فيه التأويل، وتتشكل داخله آلهة متعددة، بقدر تعدد الاحتياجات والرغبات.
لهذا، ربما لا تكون زهرة الريمولا رواية يمكن الاتفاق عليها بسهولة، لكنها بالتأكيد رواية يصعب تجاوزها. فهي تضع قارئها في منطقة غير مريحة، وتدعوه إلى التفكير، وربما إلى الشك في أكثر الأفكار رسوخًا. وفي هذا تحديدًا تكمن قيمتها؛ لا فيما تقدمه من إجابات، بل في قدرتها على إبقاء السؤال حيًا.
|