|
القاهرة 11 أغسطس 2026 الساعة 11:27 ص

بقلم: إبراهيم المليكي ـ الجزائر
تأتي المجموعة القصصية "مرئيون" للكاتبة العُمانية فايزة بنت سعيد الهيملية في منطقة سردية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الكتابة الأدبية مع الذاكرة والتوثيق، ويتجاور فيها الخاص والعام، واليومي والتاريخي.
فمنذ عتبة المجموعة، تبدو الحرب، وخصوصًا الحرب على غزة، ليست موضوعًا خارجيًا تستدعيه الكاتبة لتروي وقائعه، وإنما واقعًا إنسانيًا يعيد تشكيل وعي الشخصيات وذاكرتها وعلاقتها بالمكان والزمن والموت.
لا تنشغل الهيملية في «مرئيون» بتقديم الحرب في صورتها الصاخبة؛ فلا تتكئ على مشاهد الدمار وحدها، ولا تجعل من القصف والقتل والنزوح غاية سردية بذاتها، وإنما تذهب إلى ما هو أبعد من الحدث: إلى الأثر الذي يتركه الحدث في الإنسان. ولذلك تبدو الحرب في قصصها حاضرة في الأشياء الصغيرة أكثر مما هي حاضرة في المشاهد الكبرى؛ في باب مغلق، ورغيف خبز، ويدٍ تتذكر، وصوت طفل غائب، ونظرة لم تنطفئ رغم غياب صاحبها.
وهنا تحديدًا تكمن إحدى أهم جماليات المجموعة؛ إذ تنقل الكاتبة مركز الثقل من الحدث إلى أثره، ومن الخبر إلى التجربة الإنسانية، ومن الرقم إلى صاحبه. فالشخصيات التي تظهر في القصص ليست مجرد ضحايا في سياق حرب طويلة، وإنما ذوات لها تاريخ وذاكرة وعلاقات وأحلام وأمكنة تنتمي إليها، ثم يأتي العنف ليقطع هذه السلسلة كلها، ويترك الإنسان عالقًا بين ما كان وما لم يعد ممكنًا أن يكون.
اعتمدت الهيملية لغة هادئة ومقتصدة، لكنها محمّلة بطبقات من الدلالة.
وهي لا ترفع صوتها أمام المأساة، بل تترك للمشهد أن يتحدث، وللتفصيل أن يحمل العبء العاطفي. ومن ثم فإن الأشياء في «مرئيون» تتجاوز وظيفتها المادية لتتحول إلى علامات سردية تختزن الفقد والاقتلاع والحنين.
فالخبز، مثلًا، ليس طعامًا فحسب، والباب ليس مجرد مدخل إلى بيت، واليد ليست جزءًا من الجسد وحده؛ إنها جميعًا أوعية للذاكرة. وحين يغيب أصحابها، تظل الأشياء شاهدة عليهم، وكأنها تمتلك قدرة على مقاومة المحو الذي تمارسه الحرب.
تقول الكاتبة في قصة "عهد" :
" فكّر في يديها وهي طفلة، وفي الجدران التي رسمت عليها، وفي العجين، وفي كل الأشياء التي تصنعها الأيدي ولا نلتفت إليها إلا حين تغيب. لم يبكِ. ليس لأنه لا يريد، بل لأن الدموع أيضاً تحتاج طاقة، وهو لم يعد يملك منها شيئا".
تكشف لفقرة السابقة بوضوح عن طبيعة الكتابة في المجموعة؛ فالحزن لا يُقدَّم عبر البكاء المباشر، وإنما عبر العجز عن البكاء. وهذه المفارقة تمنح المشهد قوته: فحين يصل الألم إلى ذروته، يصبح حتى البكاء فعلًا يحتاج إلى طاقة لم تعد الشخصية تمتلكها.
وتتحول «اليدان» هنا إلى استعارة واسعة للحياة والعمل والذاكرة؛ يدان تعجنان وتكتبان وترسمان وتصنعان، ثم تصبحان بعد الغياب أثرًا يستعيده الآخر في ذاكرته. وكأن الحرب لا تقتل الأشخاص فقط، وإنما تمحو أيضًا التفاصيل التي كانت تمنح حياتهم معناها.
تبلغ حساسية المجموعة ذروتها في اقترابها من عالم الأطفال، الذين لا تقدمهم الكاتبة بوصفهم أرقامًا إضافية في نشرات الأخبار، وإنما بوصفهم أصواتًا وأجسادًا وذكريات.
كما تقول في قصة " الأطفال الصغار" :" أصواتهم كانت أشبه بأنفاس خفيفة وهشة
كأجسادهم. هذه الأصوات التي كانت تملأ الغرفة، والتي لم تعد موجودة. يسمعها الآن في الصمت".
تقوم المفارقة هنا بين الصوت والصمت، وبين الحضور والغياب. فالأطفال لم يعودوا موجودين، لكن أصواتهم ما زالت حاضرة في ذاكرة من بقي. وهكذا يصبح الصمت نفسه حاملًا للذاكرة، وتتحول الغرفة من مكان للحياة إلى فضاء تستوطنه أصوات الموتى.
المفقودون يظلون حاضرين في الأشياء، وفي الذاكرة، وفي الأماكن، وفي أصوات الناجين. وربما من هنا يأتي عنوان المجموعة نفسه؛ فـ«مرئيون» لا تشير فقط إلى من يظهرون أمام أعيننا، وإنما إلى أولئك الذين تظل آثارهم مرئية رغم محاولة الحرب محوهم.
كما لا تنفصل تجربة الشخصيات في المجموعة عن المكان. فالبيت، والباب، والشارع، والمدينة، ليست خلفيات للأحداث، وإنما مكونات أساسية في هوية الشخصيات. لذلك يصبح فقد المكان شكلًا آخر من أشكال فقد الذات.
يقطع القارئء مع المجموعة مسافةً زمنية وتاريخية ونفسية تتجاوز معنى المسافة الجغرافية. فالباب الأزرق هنا ليس بابًا فحسب، وإنما هو رمز لبيت مؤجل، وعودة مؤجلة، و"ذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل".
وهذه العبارة القصيرة تكثف مأساة اللجوء والمنفى: ثلاثة أجيال تتوارث صورة المكان دون أن تتمكن من استعادته. وهنا تتحول الذاكرة إلى وطن بديل، لكنه وطن ناقص؛ إذ يمكن للإنسان أن يحتفظ بصورة الباب، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يفتحه.
مرة أخرى، لا تحتاج الكاتبة إلى وصف طويل للمأساة. يكفيها أن تجعل نظرة عابرة تبقى معلقة في الهواء. وهنا تتحول النظرة إلى شيء مادي تقريبًا، إلى أثر لا يمكن محوه، وكأن اللحظة الأخيرة تختزن في داخلها كل ما لم تستطع الشخصيات قوله..
فالشخصيات تنتظر العودة، أو النجاة، أو خبرًا عن غائب، أو اتصالًا، أو لحظة يتوقف فيها القصف. والانتظار هنا ليس حالة زمنية عابرة، بل يتحول إلى طريقة
هنا تضع الكاتبة صرخة الميلاد في مواجهة صمت القصف.إنها لحظة سردية شديدة الكثافة، يصبح فيها ميلاد طفل حدثًا يتزامن، ولو مصادفة، مع توقف الحرب للحظات. وكأن الحياة، في أكثر صورها هشاشة، تنتزع لنفسها مساحة صغيرة وسط الموت.
ولا تقدم الهيملية هذه المفارقة باعتبارها خطابًا وعظيًا؛ بل تتركها معلقة في نهاية القصة.
وهذه النهاية المفتوحة تزيد المشهد قوة، لأنها لا تقدم تفسيرًا جاهزًا، وإنما تترك القارئ أمام المفارقة نفسها: كيف يمكن للحياة أن تولد في اللحظة التي يهيمن فيها الموت؟
تتقاطع تجربة فايزة الهيملية المهنية في الإعلام مع تجربتها الأدبية، لكن القصص لا تتحول إلى تقارير صحفية.
وهذه نقطة مهمة في قراءة المجموعة. فالكاتبة تستفيد من حساسية الصحفي تجاه التفاصيل والشهادة، لكنها تعيد تشكيل المادة الإنسانية داخل بنية قصصية تقوم على التكثيف والإيحاء والمفارقة. وتطرح القصص سؤال الأثر ولا تكتفي بسؤال الحدث..
وهذا الانتقال من سؤال الحدث إلى سؤال الأثر هو الذي يمنح المجموعة بعدها الإنساني. فالحرب يمكن أن تُختصر في رقم للضحايا، لكن الأدب يعيد إلى هذا الرقم وجهًا واسمًا وذاكرةً وعلاقةً وحلمًا. ومن هنا تبدو الكتابة محاولة لاسترداد إنسانية الضحية من لغة الإحصاءات.
لا تتوقف المجموعة عند المأساة الفردية، وإنما تفتحها على مفهوم أوسع هو الذاكرة الجماعية. فالقصص رغم تعدد شخصياتها تتقاطع في شعور واحد هو الخوف من المحو.
والمحو هنا له مستويات متعددة: محو الإنسان، ومحو المكان، ومحو التفاصيل، ومحو الحكاية نفسها. أن تروي يعني أن تقول إن هؤلاء الأشخاص كانو هنا.
لذلك يصبح السرد فعل مقاومة. وتصبح الحكاية إعلانا سرديا. وتصبح" مرئيون مضادة للمحو.
تكتمل هذه الرؤية الفنية بالغلاف الذي تزينه لوحة للفنان خميس درويش البلوشي، إذ يبدو حضور الفن التشكيلي امتدادًا للبحث عن الصورة الإنسانية التي تشتغل عليها القصص. فالنصوص نفسها لا تعتمد على الاستعراض البصري، وإنما على تكثيف التفاصيل وتحويل الجزئي إلى دالّ، وهو ما يجعل العلاقة بين العنوان والصورة والمتن جزءًا من التجربة الجمالية الكلية للمجموعة التي تنحاز للإنسان في لحظته الأكثر هشاشة.
وهكذا تصبح الحرب في مجموعة فايزة الهيملية خلفية مأساوية، لكن الإنسان هو المتن الرئيسي. ومن ثم لا تستعيد الكاتبة الضحايا لكي تكرر أرقامهم، وإنما لكي تمنحهم حضورًا سرديًا، وتقول إن ما يبقى من الحروب ليس فقط ما تهدمه، بل أيضًا ما تتركه في الذاكرة من أصوات وصور وأشياء صغيرة يستحيل اقتلاعها. ولعل أجمل ما تفعله «مرئيون» أنها تنقل الحرب من صفحات الأخبار إلى الضمير الإنساني؛ من المشهد العام إلى التفاصيل الحميمة؛ ومن لحظة وقوع الحدث إلى الزمن الطويل الذي يواصل فيه الإنسان حمل آثاره. وبذلك تصبح الكتابة نفسها فعل مقاومة للنسيان، ومحاولة لإعادة المرئيين إلى دائرة الضوء، وإعادة الذين غيّبهم العنف إلى مكانهم الطبيعي: في قلب الحكاية الإنسانية.
|