|
القاهرة 11 أغسطس 2026 الساعة 11:18 ص

بقلم: سماح عبد السلام
ينتمي النحات الكبير حليم يعقوب إلى جيل الستينيات العريق، جيل الجدية والإخلاص الفني المطلق الذي ضم قامات، حيث رسخ منذ بداياته منهجًا يعتمد على الرؤية البصرية العميقة والاشتباك الواعي مع مفردات البيئة المصرية والوجدان الإنساني.
على مدى ستة عقود من العمل النحتي والتصويري، شكلت المرأة والحصان الأيقونتين الأساسيتين اللتين دارت في فلكهما أغلب أعمال يعقوب.
ولم يأتِ عشق الحصان عنده من فراغ؛ فقد ترعرع في محافظة الشرقية معقل الخيول العربية الأصيلة، متأملاً هذا الحيوان النبيل بعين الفنان الذي يدرك أدق تفاصيله الحركية والتشكيلية، ليقدمه في صور متباينة تشمل الحصان المنمنم، الراقص، الضخم المفترس، والمتهور.
يمنح انحياز حليم بعقوب للمرأة تجربته بعدًا إنسانيا واجتماعيًا عميقًا؛ إذ طالما نظر إليها باعتبارها صاحبة حق مهضوم في المجتمعات العربية مقارنة بالغرب، مما دفعه للانتصار لها عبر منحوتات متنوعة تحمل طابعًا تعبيريًا فريدًا يبرز مكانتها ومعاناتها وقوتها في آن واحد.
ولم يقتصر معارض المتتالية على هذين العنصرين، بل امتدت لتشمل "طائر الديك" الذي أعيد تقديمه بنماذج مختلفة تلبية لرغبة المتلقي الذي يعده الفنان موجهه الأساسي.
وقد أفرزت ظروف إقامة الفنان في كندا طوال السنوات الأخيرة واقعاً تقنيًا خاصًاً؛ حيث ينفذ أصول أعماله هناك بأحجام صغيرة باستخدام الورق، مع معالجتها بمواد خاصة لتصبح صلبة كألياف الخشب وخفيفة الوزن ومناسبة لظروف السفر، قبل أن يتم صبها نهائيًا في مصر بخامة البرونز النبيلة والأصيلة التي تزداد جمالاً وتأكسداً مع مرور الزمن.
ورغم أن هذا الحجم المصغر قد يبدو مقيداً لحرية النحات، إلا أن براعة يعقوب أثبتت قدرته على تطويع هذه الأعمال وتجاوز التحديات المكانية واللوجستية.
لقد تجاوز إبداع يعقوب قاعات العرض إلى الفضاءات العامة، وتبرز أهم شواهده في تجربته الفريدة بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية بالشراكة مع الراحل الدكتور صلاح عبد الكريم بين عامي 1981 و1985.
فقد صمما معا تماثيل برونزية شاهقة الارتفاع استلهمت الآيات القرانية الكريمة، مثل منحوتة "السنابل السبع" التي تروي قصة البذل والعطاء بأطوال تصل إلى سبعة وعشرين متراً، مما يبرز قدرة الفنان على الجمع بين الرؤية الروحية والمهارة الهندسية والنحتية الفائقة.
جدير بالذكر أن حليم يعقوب قد تخرج من قسم الديكور بكلية الفنون الجميلة عام 1960 وحصل على دبلوم أكاديمية الفنون الجميلة بزيورخ، وتنقل بين الديكور، وتصميم طوابع البريد والعملة، والتصوير، والحفر على الصلب.
وقد أسهم هذا التنوع في إثراء تجربته النحتية وتحريره من قوالب الأكاديمية الصارمة، ليظل حليم يعقوب – حتى مع تجاوزه الثمانين – يظل ذلك التلميذ النهم في محراب الفن، الذي يؤمن بأن التجريب والهدم المستمر للأعمال غير المرضية هما السبيل الوحيد لبقاء الفنان حيًا ومتجددًا عبر الزمن.

|