|
القاهرة 11 أغسطس 2026 الساعة 11:16 ص

بقلم: إيناس محمد عتمان
في روايته الشهيرة «المسخ»، يضعنا الكاتب فرانز كافكا أمام واحدة من أقسى المفارقات في تاريخ الأدب؛ حيث يستيقظ الموظف البسيط "غريغور سامسا" ليجد نفسه وقد تحول فوق سريره إلى حشرة ضخمة ومقززة.
الصدمة الحقيقية في هذه الحكاية لا تكمن في هذا التحول البيولوجي المرعب، بل في رد فعل عائلته والعالم من حوله. لم يكن الفزع مبعثه الخوف على حياته أو الأسى على مصيره، بل كان الهلع متمحوراً حول سؤال واحد بارد: من سيعيل الأسرة الآن ومن سيدفع الفواتير؟
لقد تلاشت إنسانية غريغور في أعين أقرب الناس إليه بمجرد أن تعطلت قدرته على الحركة والإنتاج المادي.ومن هذا المنعطف الكابوسي، ننظر إلى واقعنا المعيش لنكتشف أن مأساة سامسا تتكرر يومياً خلف الأبواب المغلقة في عصرنا الحديث.
إن الرأسمالية الشرسة والتنافسية المادية الجافة تحاول باستمرار تحويل الإنسان إلى مجرد ترس في آلة وظيفية ضخمة، أو أداة لجني المكاسب وتدبير المصاريف.
كم من البشر اليوم يشعرون بأن قيمتهم الإنسانية، وحتى عاطفة المحيطين بهم، مشروطة تماماً بحجم ما يقدمونه من منافع مادية؟ إننا نعيش في مجتمعات ترفع شعار الإنتاجية المطلقة، فإذا ما تعب المرء، أو مرض، أو داهمه الإرهاق النفسي والجسدي، شعر وكأنه عزل نفسه في غرفة مظلمة، منبوذاً كمخلوق غريب ثقيل الظل لا فائدة ترجى منه.
وتوثق الرواية هذا الجفاء العاطفي المروع والتخلي لغرض المنفعة الاقتصادية في هذه الكلمات اللفظية الدقيقة على لسان شقيقته:
«يا أبويّ العزيزين، لا يمكننا الاستمرار على هذا النحو. إذا لم تدركا ذلك، فأنا أدركه. لا أريد أن أنطق باسم أخي أمام هذا الوحش، ولذا أكتفي بالقول: يجب أن نحاول التخلص منه. لقد فعلنا كل ما هو بشري ممكن للعناية به وتحمله، ولا أعتقد أن أحداً يمكن أن يوجه إلينا أدنى لوم».
هذا الاقتباس القاسي يجسد بدقة مأزق الإنسان المعاصر الذي يكتشف متأخراً أن الروابط الحيوية من حوله قد تصبح واهية وهشة، إذا ما أُقيمت على أسس النفعية والمصلحة المتبادلة دون أدنى اعتبار لجوهر الروح الإنسانية وهشاشتها في لحظات الضعف.
في نهاية المطاف، يظل «المسخ» صرخة نقدية مدوية تحذرنا من الانزلاق نحو التشيؤ والآلية. إن الموت الحقيقي لغريغور لم يحدث حين توقفت أنفاسه في غرفته المعزولة، بل حدث حين تخلت عنه عائلته واعتبرته عبئاً زائداً تجب إزالته لكي تستمر الحياة القطارية الباردة.
يعلمنا كافكا أن المسخ الحقيقي ليس هو الذي تتغير ملامحه الجسدية، بل هو المجتمع الذي يفقد ملامحه الإنسانية عندما يقيس البشر بمقدار نفعهم المادي فقط. لذلك، تصبح هذه القراءة دعوة ملحة لحماية آدميتنا من أن تبتلعها الوظائف، وأن نحافظ على دفء علاقاتنا بعيداً عن حسابات الربح والخسارة، حتى لا نستيقظ يوماً فنكتشف أننا صرنا مجرد حشرات في نظر من نحب.
|