|
القاهرة 10 أغسطس 2026 الساعة 10:12 ص

متابعة: مروة مدحت
تصوير: مدحت صبري
في عرضه الثاني والأخير، الذي أُقيم في المعهد العالي للفنون المسرحية، قدّم عرض «ماذا لو» تجربة مسرحية تستند إلى معالجة لرواية «مكتبة منتصف الليل» للكاتب مات هيغ، مستعيدًا فكرتها المركزية حول الإنسان حين يقف على الحافة الفاصلة بين الحياة والموت، ليجد نفسه داخل مكتبة غامضة تفتح أمامه أبوابًا متعددة لحيوات كان يمكن أن يعيشها، تبعًا لاختيارات وقرارات ظلّ يلاحقها الندم.
لم يتعامل العرض مع الفكرة باعتبارها حكاية عن «الاختيار» فحسب، وإنما سعى إلى تحويلها بصريًا وحركيًا إلى فضاء مسرحي تتقاطع داخله الأزمنة والاحتمالات، وهو ما منح التجربة طابعًا فانتازيًا واضحًا، دون أن يفقدها صلتها بالأسئلة الإنسانية التي تنطلق منها.
* ديكور يترجم فكرة المتاهة والاحتمالات:
كان الديكور، الذي صممه سعد الدين علي، من أكثر عناصر العرض حضورًا ودلالة؛ إذ تحولت خشبة المسرح إلى مكتبة ضخمة ذات تكوين غير تقليدي، احتلتها الأرفف والكتب بصورة متداخلة، فيما جاء الشجر الممتد في قلب المشهد، تتوسطه ساعة كبيرة، ليصنع مركزًا بصريًا لافتًا.
ولم تبدُ المكتبة هنا مجرد مكان تجري فيه الأحداث، بل بدت أقرب إلى فضاء نفسي تتراكم داخله الذكريات والاحتمالات. كما أسهمت الأرفف المائلة وغير المنتظمة في خلق إحساس بالاضطراب والخروج عن المألوف، وهو اختيار بصري يتناغم مع عالم البطلة التي وجدت نفسها أمام حيوات متعددة، لا تسير وفق خط زمني واحد.
أما الصناديق التي ظهرت في مقدمة الخشبة، فقد أدت وظيفة جمالية وحركية في الوقت نفسه، وبدت كعناصر قابلة لإعادة التشكيل بما يتناسب مع حركة الممثلين، وهو ما منح التكوين المسرحي قدرًا من المرونة.
واللافت أن الديكور لم يعتمد على الزخرفة المجردة، وإنما استند إلى مفردات مرتبطة مباشرة بفكرة العرض؛ الكتاب، والساعة، والشجرة، والممرات، وتعدد المستويات، لتصبح الخشبة في حد ذاتها جزءًا من السرد.
* الإضاءة.. بين زرقة العالم ووهج الاحتمال:
وجاءت إضاءة محمود الحسيني لتفرض على المشهد عالمًا بصريًا شديد الخصوصية؛ فاللون الأزرق سيطر على أجزاء واسعة من الفضاء المسرحي، مانحًا المكتبة حالة من الغموض والبرودة، قبل أن تتدخل درجات أكثر دفئًا في مواضع محددة، خصوصًا حول الساعة والمصابيح المعلقة.
هذا التباين بين البرودة الزرقاء والوهج الدافئ منح الصورة المسرحية عمقًا إضافيًا، وخلق إحساسًا بأن الشخصيات تتحرك بين عالم واقعي وآخر أقرب إلى الحلم أو الذاكرة
.
كما لعبت الإضاءة دورًا في إبراز مستويات الديكور وأرففه، فلم تترك المكتبة كتلة واحدة مسطحة، وإنما ساعدت على تفكيكها بصريًا، وإظهار تفاصيلها، فيما أسهمت الظلال والمساحات المعتمة في الحفاظ على حالة الغموض التي تتطلبها طبيعة الحكاية.
وبذلك لم تكن الإضاءة مجرد وسيلة لإنارة الخشبة، وإنما شاركت في صياغة المناخ النفسي للعرض، وساندت انتقاله بين حالات التأمل والفانتازيا والحركة.
* الملابس.. هوية بصرية بسيطة تنتمي إلى عالم العرض:
أما الملابس التي صممتها هبة الليبي، فجاءت في إطار بصري موحد اعتمد على ملابس بيضاء مزينة برسومات وأشكال هندسية ملونة، وهو اختيار منح المجموعة المسرحية وحدة واضحة على الخشبة.
اللون الأبيض تحديدًا بدا متسقًا مع الطبيعة الفانتازية لعالم العرض، بينما أضافت الدوائر والرموز والألوان المتناثرة على الملابس قدرًا من الحيوية، وكَسرت الرتابة التي كان يمكن أن يفرضها اللون الواحد.
كما ساعد توحيد الزي بين الشخصيات على إبراز فكرة أنهم يتحركون داخل عالم واحد متعدد الاحتمالات، بدلًا من خلق فروق شكلية حادة قد تشتت الانتباه عن البناء الجماعي للصورة المسرحية.
والأهم أن الملابس بدت منسجمة مع الديكور والإضاءة؛ فالأقمشة البيضاء انعكست عليها الألوان الزرقاء والبنفسجية والوردية، لتصبح الأزياء جزءًا من التكوين الضوئي لا عنصرًا منفصلًا عنه.
* إخراج يبحث عن المسرح داخل الفكرة:
أما إعداد وإخراج ماركو نبيل، فاعتمد على التعامل مع النص الأصلي بوصفه مادة قابلة لإعادة التشكيل فوق الخشبة، مستفيدًا من طبيعة الفكرة التي تسمح بالانتقال بين أكثر من احتمال وأكثر من صورة للحياة.
وتكشف الصور عن اهتمام واضح بتكوينات المجموعة، واستثمار حركة الممثلين في المساحة المسرحية بدلًا من الاكتفاء بالوقوف والحوار. فالمشهد الجماعي بدا في بعض لحظاته أقرب إلى لوحة حركية، بينما حملت المشاهد الثنائية مساحة أكثر هدوءًا وتركيزًا على العلاقة بين الشخصيات.
كما استفاد الإخراج من المستويات المختلفة للديكور، ومن الصناديق الموجودة على الخشبة، ومن التكوينات المتغيرة للممثلين، بما جعل الحركة جزءًا من اللغة البصرية للعرض.
ويبدو أن المخرج اختار ألا يجعل الفانتازيا منفصلة عن الأداء، بل دمج بين الحركة والاستعراض والتكوين التشكيلي، وهو ما دعمه تصميم الاستعراضات لـ إبراهيم كابو، ليكتسب العرض إيقاعًا جسديًا يتناسب مع طبيعته غير الواقعية.
* بين الفانتازيا والسؤال الإنساني:
تكمن إحدى نقاط قوة «ماذا لو» في أن عالمه البصري لم يكن منفصلًا عن فكرته الأساسية؛ فالمكتبة ليست مجرد ديكور جميل، والساعة ليست مجرد عنصر في منتصف الخشبة، والكتب ليست مجرد خلفية، وإنما تتجاور هذه العناصر لتشكّل عالمًا مسرحيًا قائمًا على سؤال واحد: ماذا لو اختار الإنسان طريقًا آخر؟
ومن هنا بدا العرض محاولة لتحويل سؤال فلسفي مجرد إلى حالة مسرحية مرئية، تتجاور فيها الاحتمالات مع الذكريات، ويتحول الندم من شعور داخلي إلى فضاء تتحرك داخله الشخصيات.
وقد منح هذا التداخل العرض خصوصيته؛ إذ لم يعتمد على الحوار وحده في تقديم عالمه، وإنما جعل الديكور والإضاءة والملابس والحركة شركاء في صناعة المعنى.
عرضه الأخير.. صورة بصرية أكثر حضورًا من مجرد الحكاية
ومع انتهاء العرض الثاني والأخير لـ«ماذا لو»، بدت التجربة وقد راهنت بصورة أساسية على اللغة البصرية والجماعية، واستطاعت أن تمنح معالجة رواية «مكتبة منتصف الليل» هوية مسرحية مستقلة، عبر بناء عالم له مفرداته الخاصة.
فبين أرفف الكتب المائلة، والشجرة التي احتضنت الساعة في قلب الخشبة، والضوء الأزرق الذي غمر المكان، والأزياء البيضاء ذات الدوائر الملونة، تحولت خشبة المعهد العالي للفنون المسرحية إلى مساحة معلقة بين الواقع والاحتمال؛ مساحة لم تكن تبحث فقط عن إجابة لسؤال «ماذا لو؟»، بقدر ما وضعت المتلقي أمام السؤال نفسه، وتركته يواجه احتمالات حياته واختياراته وندمه.
* العرض المسرحي «ماذا لو» عن رواية «مكتبة منتصف الليل» لمات هيغ
أشعار: هاني مهران
ديكور: سعد الدين علي
إضاءة: محمود الحسيني
ملابس: هبة الليبي
استعراضات: إبراهيم كابو
دعاية: أحمد رشدي
إعداد وإخراج: ماركو نبيل
إنتاج: المعهد العالي للفنون المسرحية



|