|
القاهرة 08 أغسطس 2026 الساعة 02:00 م

كتبت: د. إنجي عبدالمنعم
تصوير: مدحت صبري
منذ اللحظة الأولى، يضع «ليلة القتلة» المتفرج داخل فضاء مضطرب، تتداخل فيه الطفولة مع الخوف، واللعب مع العنف، والذاكرة مع الهذيان. وتفتح أمام العين متاهة من الشبكات والسلالم والأطر الخشبية والدمى والأجسام المعلقة، تتحرك داخلها الشخصيات كما لو أنها تبحث عن منفذ من حصار لا تعرف بدايته ولا تستطيع تحديد نهايته..
في قاعة صلاح عبد الصبور بمسرح الطليعة، يتحول فضاء العرض إلى عالم نفسي كثيف، تتجاور فيه مفردات الديكور مع أجساد الممثلين، بينما تعمل الإضاءة والملابس والحركة على إعادة تشكيل الصورة من لحظة إلى أخرى.
هذه الرؤية تمنح «ليلة القتلة» خصوصيتها؛ فاللعبة التي يصنعها الأشقاء الثلاثة تتحول تدريجيًا إلى مساحة لاستعادة الخوف المكبوت، واستحضار الألم، وتجسيد الرغبة في التخلص من السلطة التي صنعت عالمهم المغلق. ومن هنا يبدأ العرض في تفكيك العلاقة بين الطفولة والعنف، وبين البيت مساحةً للأمان والبيت مصدرًا للخوف.
• الديكور.. فضاء بصري للحوار والذاكرة
أحد أبرز عناصر قوة «ليلة القتلة» يتمثل في الديكور الذي صممته فاطمة فاخر؛ حيث يكتسب المكان حضورًا دراميًا واضحًا، ويتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الحالة النفسية للعرض.
تتشكل قاعة العرض من شبكات واسعة وممتدة، تستدعي بصريًا شباك الصيد أو شبكة العنكبوت، لكنها تتجاوز وظيفتها كعنصر من عناصر الديكور لتتحول إلى علامة على الحصار؛ فالشخصيات التي يجسدها الممثلون تبدو عالقة داخل هذه الشبكة، تتحرك في حدودها وتحاول اختراقها من دون أن تنجح في الإفلات منها. وتتجاور الشبكات مع الأيدي والدمى والأجسام المعلقة، وهي عناصر ديكورية تضيف إلى التكوين طابعًا تشكيليًا كثيفًا، وتستحضر بصريًا عالم الطفولة وذاكرة القهر. ومع تفاعل الممثلين معها، تدخل هذه العناصر في بناء الفعل المسرحي وتصبح جزءًا من التعبير عن الحالة النفسية للشخصيات.
هكذا يتشكل فضاء العرض من طبقات متراكبة من القماش والشبكات والأجسام والأجساد، فيبدو المكان نفسه وكأنه يضغط على الشخصيات ويعيد إنتاج إحساسها الدائم بالحصار.
وتزداد فاعلية هذا التكوين مع الطاولة الخشبية التي تحتل مساحة مركزية في عدد من المشاهد؛ فتتحول مرة إلى مكان للعب، ومرة إلى مساحة للمواجهة، ومرة إلى ما يشبه منصة للمحاكمة أو الاعتراف. أما السلالم والكراسي والأطر الخشبية فتمنح المشهد إحساسًا بالتشظي، وكأن الأشقاء يعيشون وسط بقايا بيت فقد وظيفته الأساسية؛ فيتحول البيت إلى متاهة من الحواجز والممرات والذكريات، بدلا من أن يكون ملاذًا.
ومن اللافت حضور الرسم الكبير في الخلفية، الذي يصور جسدًا إنسانيًا مرتبطًا بدائرة ضخمة، وهي علامة بصرية تمنح المكان بعدًا يتجاوز الوظيفة المسرحية المباشرة. هنا يقترب الديكور من منطق الفن التشكيلي؛ فالجسد، والكتلة، والخط، والدائرة، والفراغ، والشبكات، والأجسام المعلقة، تتجاور لتكوين لوحة كبيرة متحركة، لا تستقر دلالتها عند معنى واحد.
فالعمل يوظف الرسم باعتباره امتدادًا للحالة النفسية للشخصيات. الدائرة الضخمة يمكن قراءتها فضاءًا مغلقًا أو عالمًا أكبر يضغط على الإنسان، بينما يبدو الجسد المرسوم في أسفلها كما لو أنه يحاول الصعود أو الخروج من محيط يطوقه. وبهذا تتقاطع الصورة التشكيلية مع الفكرة المركزية للعرض: إنسان صغير داخل منظومة أكبر منه، يحاول كسر حدود رسمت له قبل أن يمتلك القدرة على اختيارها.
كما أن انتشار الشبكات في جانبي الخشبة، مع تداخلها مع الخطوط والأجسام المعلقة، يصنع تكوينًا قريبًا من اللوحة التجريدية؛ خطوط متقاطعة وكتل غير منتظمة ومساحات مظلمة تتخللها بقع من الضوء واللون. ومع تغير الإضاءة يتغير هذا التشكيل من صورة إلى أخرى، وكأن القاعة نفسها تعيد رسم ذاتها وفقًا للحالة النفسية للمشهد.
وتتفاعل العناصر الديكورية مع حركة الممثلين؛ فالأجساد تصعد السلالم، وتختبئ خلف الحواجز، وتمر بين الشبكات، وتحتل الطاولة أو الأرضية، لتدخل هذه المفردات في صميم التكوين الحركي للمشهد. وهنا تتحول العناصر التشكيلية إلى أدوات درامية؛ فالسلم طريق للفرار، والطاولة حاجز، والإطار قفص، والشبكة حدود نفسية يصعب تجاوزها.
• الإضاءة.. من جحيم الذاكرة إلى كوابيس اللعب
إذا كان الديكور قد صنع «السجن»، فإن إضاءة محمد يسري هي التي منحت هذا السجن مزاجه النفسي المتغير.
تتنقل الإضاءة بين الأحمر القاني والأزرق والبنفسجي والظلال المعتمة، لتكشف التحولات الداخلية للشخصيات. يهيمن الأحمر في لحظات التوتر والانفجار، فيغمر فضاء العرض بما يشبه إنذارًا مستمرًا، بينما يمنح الأزرق والبنفسجي بعض المشاهد مسافة حلمية، تجعل المتفرج غير متأكد: هل ما يراه يحدث بالفعل، أم أنه جزء من لعبة أو ذاكرة أو كابوس؟
وتنجح الإضاءة في إعادة تشكيل المكان نفسه؛ إذ يبدو فضاء العرض في لحظة احتفاليًا وغريبًا تحت الضوء الأزرق والبنفسجي، ثم يتحول تحت الأحمر إلى مساحة للتهديد والعنف. وفي مشاهد أخرى، ينحصر الضوء على شخصية واحدة وسط ظلام كثيف، وكأن العرض ينتزعها مؤقتًا من الجماعة ليضعها أمام المتفرج عارية من أي حماية.
وتخدم هذه المعالجة الضوئية فكرة أساسية في النص: وهي التداخل بين الواقع واللعب. فكلما اشتدت اللعبة، صار العالم أكثر قتامة، وكلما اقتربت الشخصيات من كشف جراحها، بدا فضاء العرض أقل واقعية وأكثر اقترابًا من الحلم المزعج.
كما تحسب للإضاءة قدرتها على صناعة العمق البصري من خلال الظلال والفراغات، خصوصًا مع وجود الشبكات والأجسام المعلقة؛ إذ تتحول هذه العناصر تحت الضوء إلى خطوط متقاطعة تشبه الأقفاص، فتتضاعف دلالة الديكور بدل أن تظل منفصلة عنه.
• الملابس.. طفولة مشوهة تحت قسوة اللون
وتأتي الملابس التي صممتها راشيل باسم حاملةً ملامح عالم طفولي، في مقابل فضاء مضطرب تتجاور فيه الألوان الدافئة مع الإحساس بالخشونة والانكسار، لتشارك الملابس في تشكيل الصورة البصرية للشخصيات.
تظهر بعض الشخصيات في قطع ذات طابع بسيط ومباشر، بينما تمنح التنانير الواسعة والقمصان الفاتحة والطبقات المتعددة إحساسًا بملابس تنتمي إلى عالم طفولي أو شبه احتفالي، سرعان ما تنقلب دلالته تحت الإضاءة الحمراء إلى صورة أكثر قتامة. ويكتسب حضور الأبيض أهمية خاصة؛ فهو يستدعي في البداية البراءة والنقاء، لكن وضعه داخل فضاء تغمره الفوضى والدمى والشبكات والظلال يجعله أشبه ببقايا براءة تقاوم الانهيار.
وفي المقابل، تمنح الدرجات الحمراء والبنية والبرتقالية بعض الشخصيات حضورًا أكثر توترًا، وتنسجم مع المناخ العام للعرض. كما أن بعض التفاصيل غير المألوفة في الهيئة، ومنها الأغطية والقبعات المستخدمة في المشاهد، تضيف إلى الشخصيات ملمحًا غرائبيًا، وتدعم أجواء اللعبة التي يتداخل فيها الطفل بالممثل، والشخصية بالشبح، والذاكرة بالهذيان.
وتبرز قيمة الملابس أكثر عندما تتحرك الأجساد داخل الديكور؛ فالألوان والخامات والخطوط تتقاطع مع الشبكات والستائر والرسم الخلفي، لتصبح الشخصيات جزءًا من التكوين التشكيلي العام. وتشارك الملابس في بناء الصورة المسرحية التي تتغير باستمرار وفقًا للحالة الدرامية.
• حركة الممثلين.. أجساد تبحث عن مخرج ولا تجده
يأتي التعبير الحركي والإخراج لأدهم وليد عنصرًا محوريًا في بناء العرض؛ فالشخصيات تتحرك كما لو كانت محكومة بقوة خفية تدفعها وتمنعها في الوقت نفسه.
تظهر في بعض المشاهد تكوينات حركية متعددة: شخصية محاصرة داخل إطار خشبي، وأخرى تنحني أو تزحف أو تتمدد على الطاولة، وثالثة تصعد السلم، فيما تتحرك الشخصيات الأخرى في الخلفية أو على أطراف الخشبة. هذا التوزيع يصنع تعددًا في مستويات الصورة المسرحية، ويمنع المشهد من التحول إلى حوار ساكن.
واللافت أن الحركة كثيرًا ما تنطلق من مفهوم اللعب ثم تنحرف عنه. الجسد الذي يبدو في البداية خفيفًا وطفوليًا سرعان ما يصبح مشدودًا ومتوترًا، والحركة التي قد تبدو في ظاهرها لعبة جماعية تتحول إلى مطاردة أو حصار أو محاولة للسيطرة.
وفي بعض المشاهد، يبدو الممثلون وكأنهم يتصارعون مع المكان نفسه، لا مع بعضهم فقط. السلم يصبح أداة للفرار، والطاولة تصبح حاجزًا، والإطار الخشبي يتحول إلى قفص، والشبكة تصبح حدًا نفسيًا. وهذه من أنجح اختيارات التكوين الحركي؛ لأنها تجعل القهر فكرة مرئية قبل أن يكون حوارًا منطوقًا.
وعلى مستوى الأداء، يقدم الثلاثي مريم صفوت وديفيد وليد وأمارة عصام عالمًا متوترًا تتداخل فيه الطفولة مع القسوة، والمرح مع الخوف. ليكشف الأداء عن التشوه التدريجي الذي يصيب الإنسان مع تحول البيت، المفترض أن يكون ملاذه الأول، إلى مصدر دائم للخوف.
يقدم «ليلة القتلة» العنف نتيجةً لتراكم طويل من الكلمات والمواقف والحرمان. فالأب والأم يظلان حاضرين كسلطة داخلية تسكن الشخصيات وتعيد تشكيل سلوكها.
• الشكل.. يجعلنا نعيش العنف
وتصل كثافة العلامات البصرية والحركية والإضاءة الصارخة في بعض اللحظات إلى درجة من التشبع، بما يجعل الشكل ينافس أحيانًا المعنى الدرامي ويترك له مساحة أقل للتنفس. كما أن الاعتماد الكبير على الرمز والحركة يتطلب من المتفرج قدرًا عاليًا من المشاركة الذهنية لفك شفرات العرض. ومع ذلك، تنسجم هذه الكثافة مع طبيعة التجربة التي اختارها صناع العرض، حيث تتضافر الصورة والحركة والضوء وتشظي الديكور في بناء حالة نفسية تضغط على الشخصيات والمتفرج معًا.
ينجح «ليلة القتلة» في تحويل نص ترييانا إلى فضاء بصري خانق ومشحون، تتكامل فيه الشبكات والسلالم والطاولة والدمى والرسم التشكيلي والألوان الحمراء والزرقاء مع أجساد الممثلين وملابسهم، لصناعة عالم يبدو طفوليًا من الخارج، لكنه يخفي في داخله غضبًا بالغ القسوة.
القتل هنا قتل بطيء للطفولة، وللثقة، وللأمان، وللقدرة على الحب. وفي قلب هذا العالم المشوش، يظل السؤال الأكثر إيلامًا معلقًا في فضاء العرض: من صنع القاتل؟ الطفل الذي اختار العنف، أم البيت الذي علّمه أن العنف هو اللغة الوحيدة الممكنة؟
ويأتي «ليلة القتلة»، من إنتاج إقليم وسط الصعيد الثقافي – قصر ثقافة أحمد بهاء الدين بأسيوط، ضمن فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري في دورته التاسعة عشرة، التي تختتم فعالياتها في 11 أغسطس المقبل، عن نص الكاتب الكوبي خوزيه ترييانا، في قراءة مسرحية تنحاز إلى المساحة النفسية، وتتعامل مع الحكاية مدخلًا إلى عالم من الذاكرة والقهر والتمرد أكثر من كونها سردًا مباشرًا للأحداث.
وتدور الأحداث حول ثلاثة أشقاء: لالو، وكوكا، وببا، يعيشون تحت سلطة أسرية خانقة تحاصرهم بالمنع والخوف والقهر، فيجدون في اللعب وسيلة وحيدة لصناعة عالم بديل. لكن اللعبة تتسع تدريجيًا لتتحول إلى تمرين على التخلص من مصدر الألم، لينفتح العرض على سؤال أكثر قسوة: هل يصنع العنف العنف؟ وهل يمكن لطفولة مقموعة أن تعيد إنتاج القسوة التي تعرضت لها؟
ويشارك في بطولة العرض مريم صفوت، ديفيد وليد، وأمارة عصام، بينما يضم الفريق الفني فاطمة فاخر للديكور، راشيل باسم للملابس، محمد يسري للإضاءة، زعفان لتنفيذ الموسيقى، محمد أيمن للدعاية، وأدهم وليد للتعبير الحركي والإخراج.




|