القاهرة 08 أغسطس 2026 الساعة 11:10 ص

متابعة : مروة مدحت
تصوير : مدحت صبري
* إعادة قراءة رائعة للشرقاوي برؤية بصرية تستند إلى الجسد والجماعة وتراهن على قوة الصورة المسرحية.
قدّمت فرقة «سالب عشرين»، على مسرح الطليعة، بقاعة زكي طليمات، مسرحية «الأرض»، عن رائعة الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي، في إعداد وإخراج محمود الحسيني، لتضع العمل أمام اختبار جديد يتمثل في كيفية تحويل نص أدبي شديد الارتباط بالأرض والإنسان والصراع الاجتماعي إلى فعل مسرحي حي، قادر على الاحتفاظ بجوهره، وفي الوقت نفسه امتلاك لغته الخاصة فوق الخشبة.
ومن خلال المشاهد التي ظهر فيها العرض، بدا أن الرؤية الإخراجية اتجهت إلى تقديم الأرض بوصفها فضاءً للصراع ومسرحًا للإنسان، أكثر من التعامل معها باعتبارها مجرد خلفية للأحداث؛ فحضور الأجساد، وتكوينات الممثلين الجماعية، وتنوع مستويات الحركة، صنعت حالة مسرحية تقوم على المواجهة والاحتكاك، وتمنح المجموعة حضورًا لا يقل أهمية عن الشخصيات الفردية.
* إخراج يراهن على «الجماعة» ويحوّل الخشبة إلى مساحة للصراع
نجح محمود الحسيني في بناء صورة مسرحية تعتمد بدرجة واضحة على الحركة الجماعية وتشكيلات الممثلين، وهو اختيار يتناسب مع طبيعة عالم «الأرض»، حيث لا ينفصل مصير الفرد عن الجماعة، ولا تبدو الأرض ملكًا لشخص بقدر ما تصبح قضية تمس الجميع.
وتكشف الصور عن اهتمام إخراجي بالتكوين داخل الكادر المسرحي؛ ففي بعض اللحظات اصطف الممثلون في تكوينات شبه جماعية، بينما انحاز العرض في لحظات أخرى إلى المواجهة الثنائية أو الفردية، بما خلق تنوعًا بصريًا داخل مساحة العرض. كما بدت الحركة على الخشبة جزءًا من بناء المعنى، لا مجرد انتقالات بين المشاهد.
واللافت أن الإخراج لم يعتمد على ازدحام العناصر بقدر اعتماده على حضور الممثل والجسد، وهو ما منح بعض اللحظات كثافة درامية واضحة، خصوصًا في المشاهد الجماعية التي بدا فيها الأفراد وكأنهم جزء من كتلة بشرية واحدة تتشارك الخوف والاحتجاج والمصير.
* السينوغرافيا.. فقر مقصود يخدم عالم «الأرض»
جاءت السينوغرافيا، التي وضعها محمود الحسيني، منسجمة مع طبيعة العالم الذي ينتمي إليه العرض؛ إذ لم تتجه إلى صناعة بيئة ريفية فائقة التفصيل، وإنما اعتمدت على مجموعة من العناصر البسيطة التي تحمل دلالاتها داخل الفراغ المسرحي.
وتظهر في الصور المقاعد الخشبية، والسلال، والأدوات البسيطة، والخامات المتناثرة على أرضية الخشبة، لتمنح المكان ملمحًا شعبيًا وريفيًا، وتؤكد أن الإنسان هنا يعيش في فضاء فقير ماديًا، لكنه شديد الثراء في صراعاته الإنسانية.
ويحسب للسينوغرافيا أنها لم تنافس الممثلين على مركز الصورة؛ فالعناصر الموجودة على الخشبة أدت وظيفة درامية وبيئية في الوقت نفسه، وتركت المساحة مفتوحة أمام الحركة. ومع ذلك، كان يمكن لمزيد من التنويع في مستويات الفراغ أو استثمار بعض العناصر بصورة رمزية أكثر أن يمنح الصورة المسرحية طبقات بصرية إضافية.
الإضاءة.. الأزرق يكسو القسوة بظلال باردة
بدت الإضاءة واحدة من أبرز العناصر الجمالية في الصور الملتقطة من العرض، إذ فرض الأزرق والبنفسجي حضورهما بقوة على المشهد، ليشكلا غلافًا بصريًا باردًا يحيط بالشخصيات.
وهذا الاختيار اللوني منح العرض طابعًا أقرب إلى الاغتراب والقلق والانتظار، كما جعل الأجساد والملابس أكثر وضوحًا أمام الخلفية الداكنة. وفي بعض التكوينات، تحولت الإضاءة إلى ما يشبه الغلالة التي تفصل الشخصيات عن واقعها، بينما سمحت مناطق الظل بإبقاء أجزاء من الخشبة في حالة غموض بصري.
لكن قوة هذا الاختيار اللوني تحمل في الوقت نفسه تحديًا؛ فسيطرة الأزرق على مساحة واسعة من المشاهد قد تقلل من التنوع البصري إذا لم تتبدل حدته ووظيفته الدرامية من مشهد إلى آخر. ومن هنا، كان يمكن أن تصبح التحولات الضوئية أكثر حدة في التعبير عن انتقالات الصراع وتصاعده، بحيث لا تكون الإضاءة مجرد مناخ بصري، وإنما جزءًا أكثر فاعلية من السرد الدرامي.
* الملابس.. ملامح الشخصيات قبل أن تتكلم
قدّمت لبنى المنسي تصميمات ملابس ساعدت بوضوح على تحديد البيئة الاجتماعية والزمنية للشخصيات. وبدت الملابس متنوعة بين الجلباب والأزياء الشعبية والملابس التي تحمل ملامح الحقبة التي ينتمي إليها عالم العمل، مع حضور واضح للألوان الترابية والداكنة.
وفي المقابل، جاء ظهور شخصية الرجل المرتدي للبدلة والطربوش مختلفًا بصريًا عن بقية الشخصيات، وهو اختلاف لم يكن مجرد تفصيل شكلي، بل منح الشخصية حضورًا مغايرًا داخل التكوين المسرحي، وجعلها أكثر بروزًا بمجرد دخولها إلى الصورة.
كما أسهمت الأزياء البسيطة والمتهالكة لبعض الشخصيات في تعزيز الإحساس بالطبقة الاجتماعية والظروف القاسية التي يتحرك داخلها عالم «الأرض»، بينما جاءت بعض التفاصيل، مثل أغطية الرأس والأوشحة والعصي والسلال، لتستكمل بناء الهوية البصرية للعمل.
* الموسيقى.. حين يصبح الإيقاع امتدادًا للحركة
أما الإعداد الموسيقي لأحمد رشدي، فقد بدا جزءًا من النسيج العام للعرض، خصوصًا في ظل اعتماده على عالم مسرحي تتحرك فيه المجموعة بصورة لافتة. فالموسيقى في مثل هذه التجربة لا تعمل فقط بوصفها خلفية صوتية، وإنما يمكن أن تصبح عنصرًا ينظم الإيقاع الداخلي للمشهد ويعزز الانتقال بين الحالات الدرامية.
وتبدو قيمة هذا العنصر تحديدًا في علاقته بالحركة الجماعية؛ فكلما تضافرت الموسيقى مع حركة الأجساد وتكوينات المجموعة، تحولت الخشبة إلى مشهد أكثر حيوية، وأصبح الإيقاع جزءًا من البناء المسرحي لا عنصرًا منفصلًا عنه.
* التمثيل.. تنوع في الحضور وتكامل داخل الصورة
اعتمد العرض على مجموعة كبيرة من الممثلين، وهو ما منح المشاهد الجماعية كثافة وحضورًا لافتًا. وضم فريق التمثيل: يوسف شعبان، محمد أنور، هند، محمد محمود، أسماء محمود، ياسر المصدر، منى تامر، عبده رشدي، يوسف طارق، دميانة يوسف، مصطفى هشام، علي خليفة، مريم دسوقي، أدهم عصام، ندا يحيى، محمود طلعت، ورحمة هشام.
ومن خلال الصور، بدا واضحًا أن الرهان لم يكن على البطل الفرد فقط، وإنما على المجموعة بوصفها شخصية مسرحية كبرى؛ حيث تحولت الأجساد المتجاورة، والنظرات المتبادلة، والإيماءات، والجلوس والوقوف الجماعي إلى أدوات لصناعة الحالة.
كما لفت الانتباه التباين بين الشخصيات في المظهر والحركة، وهو ما ساعد على خلق فسيفساء بشرية تتقاطع داخلها مستويات اجتماعية وشخصيات مختلفة، دون أن تفقد الصورة العامة وحدتها.
* «الأرض».. محاولة لاستعادة سؤال الإنسان من داخل التراث
في النهاية، بدا عرض «الأرض» محاولة مسرحية للعودة إلى واحدة من أكثر القضايا رسوخًا في الأدب المصري: علاقة الإنسان بالأرض، وما ينتج عنها من صراع على الحق والوجود والكرامة.
وتكمن أهمية التجربة في أنها لم تكتفِ باستعادة اسم عمل أدبي كبير، وإنما حاولت أن تمنحه وجودًا جديدًا عبر أدوات المسرح: الممثل، والجسد، والضوء، والسينوغرافيا، والملابس، والموسيقى، والتكوين الجماعي.
وإذا كانت بعض العناصر البصرية، وعلى رأسها الإضاءة، لا تزال تحتمل مزيدًا من التنويع والاشتغال الدرامي، فإن العرض امتلك في مجمله هوية بصرية واضحة، واستطاع أن يصنع فوق خشبة قاعة زكي طليمات عالمًا يحمل ملامح القرية، ويستدعي صراع الإنسان حين تصبح الأرض أكثر من مجرد مكان؛ تصبح ذاكرة وحقًا وانتماءً ووجودًا.
«الأرض» من إنتاج فرقة سالب عشرين، عن رائعة عبد الرحمن الشرقاوي، إعداد وإخراج محمود الحسيني، إعداد موسيقي أحمد رشدي، سينوغرافيا محمود الحسيني، ملابس لبنى المنسي، ودعاية أحمد ياسين.
وتستمر فعاليات المهرجان القومي للمسرح المصري حتى الحادي عشر من أغسطس المقبل. ويُعد هذا المهرجان الملتقى السنوي الأبرز للاحتفاء بالإبداع المسرحي المصري، ومظلة وطنية كبرى تجمع أحدث العروض وتكرم قامات المسرح، تسليطاً للضوء على الحراك الثقافي والفني وتأكيداً لريادة المسرح المصري في احتضان مختلف التجليات الإبداعية.


